القائمة الرئيسية

تأوينا هُويّات متفرقة

تأوينا هُويّات متفرقة
ملخص المقال

تتناول هذه المقتطفات من رواية ""دكتور جيكيل ومستر هايد"" الصراع الداخلي للشخصية الرئيسية، الذي يواجه ازدواجية طبيعتها بين الخير والشر. في سن الثامنة عشرة، ورغم الثروة التي ورثها، يجد نفسه متورطًا في متع رخيصة تؤدي إلى انقسامه الداخلي. يتأمل في حياته، ويعبر عن شعور بالخزي والازدواجية، حيث يعاني من حرب داخلية بين جانبيه الأخلاقي والفكري.

مُنِحت -وأنا  ابن الثامنة عشر- ثروة ضخمة، إضافة إلى الأجزاء المميزة ما بين الصناعة والطبيعة، وكنت مولعًا باحترام الحكماء والصالحين من رفاقي، ومن ثَمَّ -كما هو متوقع- كنت موقنًا بمستقبل حافل ومُشرِّف، وقد كان السعي الأرعن خلف المتعة أخسَّ خطاياي، لكنه –في الوقت ذاته- كان يسعد كثيرين، ورغم ذلك قد صَعُبَ عليَّ الجمع بين المتعة والسمو في آن واحد؛ فَبِتُّ قبيح الوجه أمام مَن حولي؛ فقد أخفيت ملذاتي، وعندما أمضيت سنوات في التفكير، والنظر فيما حولي، وأعدت النظر بحالي ومكانتي في الدنيا، أدركت أنني قد صرت ضحية ازدواجيتي. أذاع  كثير من الرجال مخالفاتي تلك، ولكنَّ نظرات الفوقية التي جعلتُها نصب عينيّ، نبَّهَتني عليها، وخبَأتُها خلف ستار من الخزي.

ولذا كانت طبيعة تطلعاتي الواضحة هي التي جعلتني ما أنا عليه أكثر من خطاياي، وفي خندق  في دواخل نفسي أغور مما دواخل البشر عليه انقسمت داخلي تلك الجوانب الدمثة الغثة التي تنقسم؛ لتشكّل طبيعة المرء المزدوجة. وبذلك اضطُررت لإبداء رد حاد وجاد لقانون الحياة القاسي ذاك الذي يكمن في جذور الدِين، والذي هو لُبّ السخط. ورغم أنني كنت ماهرًا في الأسلوب الازدواجي، إلا أنني لم أكن منافقًا أبدًا؛فقد كان كلا جانبي على قدرٍ كبير من الصدق.لم أعد  -عندما وضعت قيودي، وهويت في العار-أكثر مما كنت عليه عندما اجتهدتفي وضح النهار، سعيًا  للمعرفة، أو نجاةً من الأسى والعسر. وصادفأنَّ توجهي في الدراسات العلمية الذي يقود كُليًّا للتسامي والتصوّف، سلّط الضوء على الشعور بتلك الحرب المستمرة بين شخصياتي. ومع كل يوم، ومن كلا جانبي عقلي الأخلاقي والفكري، أنجذب أقرب إلى هذه الحقيقة،  التي حكم عليّ اكتشافها جزئيًّا بمصير حطام السفينة المروع : إن المرء في الحقيقة ليس شخصًا واحدًا، بل أقول: إنه اثنان؛ لأنَّ مستواي الفكري لا يتجاوز تلك النقطة. سيتبعني البعض، ويسبقني آخرون، تجاه نفس الدروب نفسها،وأجرؤ على الظنِّ بأنَّ المرء سيكون ذائع الصيت، لما يسكن روحه من آراء متعارضة وأفكار متفرقة، ومستقلة.  أمَّا أنا -حسب طبيعة حياتي-فلم  أُوَفَّق سوى في جانبٍ واحدٍ  يتمحور حول الجانب الخُلقي، وتعلمت بنفسيي أن أميّزالازدواجية الشاملة والبدائية للمرء؛ فرأيت أنَّ طبيعتيّ اللتين تتعاركانخلف أسوار قلبي،  وإن زعمت أنني إحداهما حقًّا؛ إذ أكون كاذبًا إن قلت إني كلاهما معًا. ومنذ زمن  -إلى أن أن توحي اكتشافاتي العلمية بالإمكانية المجردة لتلك المعجزة-تعلمت التقلب بين المتع؛ لتصير أشبه بأحلام يقظة، بِناء على فكرة الفصل بين تلك العناصر. وهمست لنفسي: إنْ استطعت عزل كل منها في هُويّات متفرقة، فستبدو الحياة ساكنة، ودون أي تعكير مما لا يطاق؛ إذ سيهوي الظالم خلف الحق، ويبزغ أمله وندمه في آن من جانبه الرقراق، وسيُقبل المُنصف سالكًا طريقه برزانة وحصانة، باذلًا أعمالًا حسنة يبلغ بها مُتعته، ولن يشعر بالخزي والعار الناتج عن ذلك الشر الدَخيل؛ فأن تتقيد هذه الأجزاء المتناقضة معًا  إنها للعنة الجنس البشري ،  وأن يتعارض هذان القطبان تعارضًا  مطردًا داخل رحم هذا الوعي المُعذَّب. فكيف انفصلا إذن؟

كنت -كما أسلفت-  منغمسًا في أفكاري عندما بزغ نور خفيف عن هذا الشأن، وبدأتآنذاك أستوعبأعمق من ذي قبل الأمور غير الماديةالمقلقة– لا سيما سرعة الزوال الضبابية-لذلك البدن الجَلِد الذي نختبئ خلفه. لاحظت أنَّ لبضعة سمات معيّنةقدرة على الظهور مجددًا خلف الستار الجسدي، وإن عرَّتْ الظروفكلخفيَّ، فلن أتعمق في اعترافاتي من الجانب العلمي، لسببين وجيهين:

أولًا: أنني أدركت أنَّ عبء الحياة أو فناءها مُعلَّق دومًا فوق أكتاف الإنسان، وعند أدنى محاولة للتحرر منه، فإنه يعود إلينا أشدّ وأعتى.

ثانيًا: أنَّ نثريّ … -وا أسفاه!- سيبَيِّن أنَّ استنتاجاتي مبتورة، فيكفي إذن أنني لم أدرك طبيعة جسدي من مجرد هالة القوى وسطوعها اللتين تشكِّلان روحي، بل قاومت حتى أعددت علاجًا   قد  ينزع من هذه القوى سيادتها ويحلّ محلها ملامح أخرى، بيد أنني لم أرَ أيًّا منها طبيعيًا ؛ إذ كانت مُعبِّرة نقشت ختم العناصر الأخرى الأدنى في روحي.

ترددت كثيرًا قبل سنّ هذه النظرية والعمل بها، فقد  تيقنت أنني تجاسرت على الموت، فأيُّ مخدر يمكن أن يقيّد أو يبعثر حَصَانة الهُويّة، قد يهدم -عند زيادة جرعته أو في أدنى فرصة عشوائية له- هذا المعبد غير المادي الذي سعيتُ لتغييره، ولكن غواية اكتشافٍ فريد وثري تغلّبت في النهاية على التحذيرات المُقترَحة. مضى زمن طويل على إعداد دوائي، وكنت قد اشتريت من قبل من صيدليةِ جملةٍ كميةً كبيرةً من ملح مخصص نوعه، أعلم  -من تجاربي السابقة- أنه آخر مكوِّن مطلوب، وفي وقتٍ متأخر من ليلة ملعونة مزجت المكونات سوية، وشاهدتها أثناء غليانها في الكأس وانبعاث الدخان منها، وبعد توقف الغليان، تناولت الجرعة مندفعًا متهورًا.

توالت تلك الآلام المفاجئة الشديدة: سحق العظام، والغثيان الحاد، وهلع الروح الذي يصعب تجاوزه عند الميلاد أو الموت. ثم بدأت تلك الآلام المبرحة  تسكن سريعًا، أشعر أنني نجوت من داءٍ عضال؛ واستنكرت جزءًامن مشاعري؛ فثمَّ شيء جديد استعصى علي وصفه، وانبثقت من حداثته عذوبة لا تُصدَق؛ إذ شعرت أنني يافع، وخفيف، وفَرِح جسديًّا، أما داخليًّا، فكنت أشعر بتهور عنيف، وأجد تيارًا من الصور الحسية المشوشة يجري في خيالي كسباق طاحونة، حلاً لقيود الالتزام، حرية روحية مجهولة لكنها ليست بريئة . تعرفت على نفسي في أول نَفَس لي في هذه الحياة الجديدة. صرت أكثر شرًّا، بل مملوءًا بعشرة أضعاف من الشر؛ فقد بتُّ عبدًا لشيطاني، والتفكير وحده في هذه اللحظة يدعمني ويبهجني مثل النبيذ. مددت يديّ مغتبطًا بحيوية تلك المشاعر،  وعندها استوعبت فجأة أنني تُهت في قوامي.

لم تكن في غرفتي مرآة آنذاك،  لكنها الآن على يميني وأنا  أكتب، وجيء بها  بعد ذلك لمتابعة تلك التقلبات. تسلل الليل حتى  طلع الصباح، ليصير صباحًا قاتمًا داكنًا، كان ملائمًا لمشاعر ذلك اليوم، حُجر نُزلاء بيتي أثناء ساعات النوم، وعَزمت، مغمورًا  بالأمل والانتصار، أنَّ أغامر بالدخول إلى غرفتي بشكليالجديد. عبرت الحديقة الخلفية، حيث النجوم تنظر إليّ من  علٍ، وتمكنت من التفكير متعجبًا بأنَّ أول مخلوق من هذا النوع لم تُكشَف له يقظتها الحذرة. عبرت الممرات غريبًا  في منزلي حتى أتيت غرفتي، ورأيت لأول مرة هيئة إدوارد هايد.

مقتطف من دكتور جيكيل ومستر هايد، لروبرت لويس ستيفنسون، عام 1886م. عمل فني لتشارلز رايموند ماكولي.

مقالات ذات صلة