بقلم: مارينا بنجامين.
ترجمة: آية علي.
كنت قد تمكّنتُ حين كنت مُحرّرةَ فنونٍ يافعة في التسعينيَّات من اقتناص مُقابلةٍ مع الفيلسوف الفرنسي الراحل جان بودريار، وذلك خلال استراحةٍ قصيرة أثناء جولة ترويجية. كان الأمر ناجحًا ومفاجئًا جدًّا؛ فقد أردتُّ منحه تجربةً بريطانيةً أصيلة تتضمن الضجيج والضوضاء، فاصطحبته لاحتساء الشاي في فندق الريتز، لكنَّ الفيلسوف العظيم صاحب الواقعية المفرطة مُنِع من الدخول لعدم ارتداءه ربطة عنق؛ فاستشاط بودريار غضبًا، واحتجّ على القانون الذي رأى أنه غابِرٌ وسخيف وفارغ. و تغيّر مزاجه من ودود لطيف إلى حانق.، وسرعان ما اتضح لي أنَّ مشكلة ربطة العنق كانت أكثر جديّةً مما ظننت؛ فقد كانت إهانة لذات المفهوم أو الصورة التي يحملها عن نفسه. ولم يكن بودريار يرتدي ربطة عنقـ، أيًّا كانت سماته الأخرى.
كان الأمر كما لو أنّ هُوّة انشقّت بين ذواتيه الداخلية والخارجيّة. كانت القمصان ذات الأكمام القصيرة، والأخرى ذات الياقات المفتوحة، والسترات، والكنزات، حتى الأوشِحة الموسمية تتوافق جميعها مع صورته الذاتية كمُفكّرٍ جرئ ومُحب للحرية، لكنَّ رابطة العنق لم تكن تتوافق مع ذلك، ولأنه تجنب التماثل والاتساق (الذي ترمز إليه هنا ربطة العنق) قطعًا، اشتد انزعاج بودريار أكثر عندما أصر الفندق على ارتدائه ربطة عنق من الربطات المتاحة لدى الفندق. وبينما كنا نرتشف الشاي، ونقضم المعجّنات، ونتناقش وهم الواقع، ظل بودريار يشدّ قطعة الملابس المكروهة. لقد كان يتصرف كمن لُفّ حبل المشنقة محكَمًا حول عنقه.
لقد سَرَدْتُ هذه الحكاية مرارًا وتكرارًا، والمفارقة التي تتضمّنُها لم تغِب قط عمّن هم على دراية بإصرار بودريار الشهير على فراغ الدوالّ. بيد أنها تُثير اهتمامي لاعتباراتٍ عديدة. فعلى أي حال كثير من الناس يرغبون في أن تتحدّث ملابسهم مُعّبِّرة عنهم، وتُعرّفهم كأحد أفراد العشيرة: من بين عامل المدينة، أو القوطي الخاضع لصيحات الأزياء، أو البوهيمي الذي يبغضها، أو عضو الرتب الكهنوتية، أو المسؤول في الدولة؛ بينما يُفضّل آخرون أن يتحدّثوا هم عن أنفسهم، ومن هذا الصنف الأخير رئيس أمريكا السابق باراك أوباما؛ فقد عُرف بامتلاكه خزانة مليئة بالبدلات المتشابهة ذات اللون الأزرق الداكن خلال السنوات التي قضاها في منصب الحكم؛ لأنه لم يُرِدْ أن يُضْطَّرَ إلى التفكير فيما يرتديه،. ولمَّا كان يظهر بالبدلة نفسها كل يوم، أصبحت ملابسه غير مرئية؛ إذ هي ملابس غير معبّرة عن أي شيء. حقَّق ذلك التأثيرَ الذي ابتغاه أن ينصبّ تركيز الانتباه على أقواله وأفعاله فقط، وهذا يجعل الناس يعتقدون أنَّ ذهنه كان مشغولًا بأمور أسمى وأهم.
ترى شهيدة باري -أستاذة ثقافات وتاريخ الموضة، ومؤلفة كتاب Dressed، The Secret Lives of Clothes- أنه يمكن النظر إلى الملابس باعتبارها ""انعكاساتٍ وتأمّلات جليّة، مثلها في ذلك مثل أي قصيدة أو معادلة"". حيث تشير إلى أنَّ الملابس كثيرًا ما ارتبطت بالخداع والتمويه، بحيث يكون الغرض الأساسي منها إخفاء الهويّة الحقيقية للشخص. وكما يقول الملك لير لتوما المسكين الرث: "" إنّ الثوب الرث ليكشف أهون الهنات... أمّا الرداء والمبذل ذو الفراء فيستران كل شيء[1]"". وإذا كانت الملابس تكذب غالبًا، فإنَّ الحقيقة -كما نفترض- عاريةٌ إلى حدٍ ما. بيد أنّ الملابس توفر كذلك ملجئًا - كما يقول باري- إذ ""تقدم مظلة نستظل بها"". عندما ننغمس في ملابسنا، ويصبح بمقدورنا أن نتلاشى ونتوارى عن الأنظار -وإن كنا لا نذوب في العدم بقدر ما ننطوي وحسب على ذواتنا- تسمحُ لنا الملابس بالحفاظ على شيءٍ من ذواتنا الحقيقية.
وهنا يتجلى لنا مدى تعقّد الأمور؛ فالملابس ليست مجرد شيءٍ أو آخرٍ، بل تنطوي على معنى تعدد الطبقات كتعدد طبقات الملابس التي نرتديها بين المواسم.
لدى معظمنا ملابس يفضلها على غيرها، وَنعُدُّها جزءًا من ذواتنا، ورائحتنا، وشعورنا، والنحو الذي تتذكر به هذه الملابس شكل أجسادنا وتحتويه. ومن هذا المنظور، تكون بمثابة أصدقائنا القدامى الذين سافروا معنا عبر السنين؛ فإننالا نتذكر مكان ارتدائنا لهذه البدلة، أو ذلك الفستان، أو تلك الأحذية الطويلة المُلفِتة الممتدة حتى الفخذ، بل نتذكّر معها ذواتنا.
كتبت الروائية كورتيس سيتنفيلد بإعجاب كبير عن قميصٍ مُنقّط بالأبيض والأسود، ظهر في صور كثيرة جدًّا من صوره. لم تكن تحبه، لكنه كان ملائمًا جدًا لها؛ فقد كان متينًا، ومتعدد الاستخدامات، ويتماشى مع كل المواسم. تقول: ""لم يكن القميص يتجعد في حقيبة السفر، كما أنه استوعب عمليات زيادة وزني وانخفاضه"". وتعبّر سيتنفيلد عن استغرابها بقولها: ""كُلما ازدادت ثقتي في نفسي ككاتبة وكإنسان، فقدّتُ الثقة تمامًا في قدرتي على التسوّق لشراء الملابس"". فقد كانت تجد صعوبةً في قراءتها، ما الغرض من هذه الفتحة أو تلك الكشكشة؟ لِمَ يُعدُّ هذا النّمطُ عصريًّا الآن؟ بعد أن شكّلت نفسها ككاتبة، بات من المتعذر عليها التكيّف بحيث تكون ملائمةً لتلك الملابس.
عندما تخلَّت أخيرًا عن ارتداء قميص البولكا المنقط -بعد ما يقرب من عقد على ارتدائها شبه الدائم له- كان السبب -كما تقول-: ""بدأتُ أشعر بأنّني شخصٌ مُختلف"". كانت آخر رحلة بهذا القميص حفل تأبين لصديقة رحلت عن الحياة فجأة بسبب السرطان. وبعد ذلك أصبح القميص بمثابة نوع من ""الغياب"" الذي يردد -""بطريقته الصغيرة الساكنة""- صدى غياب صديقتها.
إنَّ الملابس التي نمتلكها أشبه ما تكون بالذكريات، فمثلما يُمكن لرائحة العطر أو الزهور أو نفحة الملح الممزوجة بهواء البحر أن تُثير ""لحظةً بروستيّة""، أي: تأخُذُنا إلى مكانٍ مُعيّن، قد تخلق الملابس رحلتها الخاصة عبر الزمن. وقد خضّتُ رحلةً كهذه مع والدتي حين كنتُ جالسةً في غرفة نومها أُفرّغُ صناديق عباءات مصنوعة يدويُّا حريرية ومنسابة، مطرزة ومزينة بالخرز، وجميعها من صنع والدي الراحل؛ الذي كان مُصمّم أزياء.
أمَّا نجمة الحفل في خزانة والدتي، فقد كانت قطعة فستان الساري. بالرغم من أنه لم يكن في الأصل ساريا، إلا أنَّ والدي تمكن -بطريقةٍ ما- من استمالة شيفونه الباهت بالانسدال عبر جسدها من كتفٍ واحد، في سلسلة من الثنيات المائلة الرقيقة. تبدو والدتي في صورة قديمة لها -وهي ترتدي هذا الفستان- فتاة يافعة لعوبًا أشبه ما تكون بأودري هيبورن في فيلمBreakfast at Tiffany's. تتدلى أقراط من الألماس من أذنيها، ويرسم دبوس شعر بمظهر إغريقي الدهشة على وجه كل من يراه؛ مما منحها مزيدًا من الطول والوقار، وإلى جانبها يقف والدي الذي يشع إشراقًا. كان والدي يحب سرد قصّة الليلة التي التُقطت فيها هذه الصورة، والتي كانت في حفل زفاف مجتمعي أثار فيه مظهر والدتي فيضًا من الإعجاب الهامس الذي تناقلته الغرفة، قبل أن تصرخ امرأة كان قد تدرّب معها والدي في باريس ""ديور"". كانت جُملةً حشويّة صاخبة تُشبه السعال، وكان لها الأثر في تركيز أنظار جميع الحاضرين على والدتي.
والدي المشاغب مسرورٌ بهذه القصّة، وتلمع في عينيه لمعة شيطانية تُذكّرنا بريكس هاريسون -وهو صاحب دور هنري هيجينز في فيلمMy Fair Lady لجورج كيوكور- متوهّجًا بالرّضا لقيامه بالخدعة المثالية؛ فقد تباهى للتو بامرأته ذات الأصل المتواضع في حفل ملكي أمام المجتمع كله، وحصل من تلميذه الألمع على اعترافٍ بأنّها أميرة حقيقية.
كم سُرّ والدي للخلط الذي حدث بين عمل يديه وبين عمل مثله الأعلى المصمم كريستيان ديور. والأهم من ذلك أنَّ هذا الخطأ في التمييز أكّد على أحد المبادئ الأساسية لعقيدته، ألا وهو أنّ الموضة دائمًا ما تكون خدعة؛ فعندما نُعطي الاهتمام اللازم للسطح نتحكم فيما يراه الناس.
تعود أصول الأزياء الراقية بالطبع إلى المسرح، وما زالت ابتكاراتها الجامحة حتى يومنا هذا تدعو لتعليق ملكة النقد. ولعل هذا ما قصده بارت عندما تحدث عن "" تزامُنيّة "" فن تصميم الأزياء؟ تعمل كل الأزياء بهذه الطريقة إلى حدٍ ما بلا ريب، وقد أصبحتُ أرى في أثرها الشّعوري السلس وسيلة انتقال أكثر منه وسيلة تنكّر.
[1] الملك لير، تأليف: ويليام شيكسبير. ترجمة: إبراهيم رمزي. مؤسسة هنداوي، 2017م.
