القائمة الرئيسية

استيطان الفضاء

استيطان الفضاء
ملخص المقال

تناقش كلاريسا سيباغ-مونتيفور في تحليلها لقصة ""اليوم صفر"" للكاتب جو لينان، التحديات التي يواجهها البشر في استعمار الفضاء، مركزةً على شخصية الصحفي سيباستيان. تبرز المقالة الرؤى المختلفة حول استيطان المريخ، مشيرةً إلى الابتكارات المطلوبة لتحويل بيئة الكوكب إلى صالحة للعيش، مع التحذير من المخاطر الأخلاقية والسياسية.

كلاريسا سيباغ-مونتيفور.

ترجمة: مروان الرشيد.

يعيش الصحفي سيباستيان، في قصة جو لينان القصيرة «اليوم صفر»، بين النجوم في مجتمع  تخومي في الفضاء.

إنه عالم جديد بالكامل. ومع ذلك، يواجه سيباستيان المخاوف نفسها التي قد يواجهها على سطح الأرض كانحسار شعر رأسه، ومشاكله مع صديقته الرزينة البعيدة، والقصص الإخبارية التي يُبالغ فيها المحررون، ناهيك عن صراع بطيء في الأطراف الخارجية للفضاء، وأخيرًا تشخيص مدمر بالسرطان.

لا يزال استعمار الفضاء مادة للخيال العلمي يقتصر على صفحات الكتب والأفلام، كما هو الحال في «اليوم صفر»؛ لكن المؤيدين لهذه الفكرة يقولون: إننا نقترب أكثر من ذلك.

يقود هذه المهمة رواد الأعمال من أمثال إيلون ماسك الذي يخطط لإرسال أول بشر إلى المريخ بحلول عام 2026م عبر شركته SpaceX؛ لإنشاء مستوطنات طويلة الأمد على الكوكب الأحمر في نهاية المطاف. تبني، في الوقت نفسه، شركة Bigelow Aerospace التي أسسها ملياردير آخر -صاحب رؤية: روبرت بيغلو- موائل فضائية تجارية قابلة للتوسيع، رغم من بعض الانتكاسات الناجمة عن الوباء.

لكنَّ المخاطر مرتفعة، إن لم تكن مستعصية الحل.

 يقول آرون جاكوب برلينر -طالب الدراسات العليا في الهندسة الحيوية في مركز استخدام الهندسة البيولوجية في الفضاء في الولايات المتحدة-: «العقبة الكبيرة هي تقليل التكلفة والتعامل مع صحة الفريق وحالتهم النفسية. تحدث أشياء سيئة كثيرة عندما تذهب إلى الفضاء: حيث تنحلُّ عظامك، وتجحظ عيناك، ويتدهور كل شيء. ناهيك عن تعرضك لبيئة عالية الإشعاع».

سيحتاج البشر، من أجل البقاء على قيد الحياة، إلى تأنيس بيئة المريخ في الواقع بحيث تُصبح أكثر شبهًا بكوكب الأرض. مما يشمل رفع درجة حرارة المريخ -وهو الكوكب الذي يتفق العلماء على أنه الأكثر ملاءمة للاستيطان في نظامنا الشمسي- من معدل درجة حرارة سطح تبلغ 60 درجة تحت الصفر، إلى درجة حرارة يمكن احتمالها بشكلٍ أكثر. ويتطلب هذا أيضًا تحويل الغلاف الجوي إلى شيء يمكن للثدييات أن تتنفسه بأمان؛ إذ يتكون الآن من أكثر من 96 في المئة من ثاني أكسيد الكربون.

يعد خلق الموارد أيضًا أمر بالغ الأهمية؛ كي لا يعتمد المستوطنون فحسب على المعونات من الأرض، بل يعتمدوا على أنفسهم في نهاية المطاف.

يقول مهندس الطيران الأمريكي روبرت زوبرين مؤلف الكتاب الأكثر مبيعًا: «قضية المريخ: خطة استيطان الكوكب الأحمر، ولماذا يتعين علينا ذلك؟»: «التحدي الرئيسي لاستكشاف الفضاء هو النقل، والتحدي الرئيسي للاستيطان هو القدرة على تحويل المواد المحلية إلى موارد؛ إننا نحتاج إلى أن نتمكن من زراعة المحاصيل الغذائية على كوكب المريخ، ويجب أن نتمكن من صنع مختلف أنواع المواد بالكامل: كالفولاذ والزجاج والبلاستيك والسيراميك».

يُصر زوبرين على أنَّ الضرورة ستُحفِّز الابتكار؛ إذ سيجد المستوطنون موادًّا -غير معروفة بعد- على المريخ  يمكنهم الاستفادة منها. يقول للفيلسوف الجديد: «إنَّ الإبداع البشري هو الذي يحول المواد الخام إلى موارد؛ فلم تكن الأرض موردًا حتى طورنا الزراعة، ولم يكن اليورانيوم موردًا حتى طورنا الطاقة النووية».

ويتوقع أيضًا إيجاد حلول لقضيتين من أكثر القضايا إلحاحًا، وهما قضيتا: ارتفاع مستويات الإشعاع الفضائي، وجاذبية سطح المريخ التي تبلغ 38% من جاذبية الأرض.

يقترح زوبرين لمواجهة الإشعاع الفضائي بناء مدن تحت السطح، مع قباب سطحية لزراعة النباتات والتمتُّع بـ«الهواء الطَّلق»، وإن كان ذلك في بيئة محمية للغاية. القضية الأكثر جوهرية هي الجاذبية السطحية؛ فعند انعدام الجاذبية وانعدام الوزن تتدهور العظام والعضلات سريعًا؛ إذ تُفقد كتلة العظام بمعدل 1.5% في الشهر الواحد فقط مقارنةً بمعدل 3% في عقدٍ واحد على سطح الأرض، وذلك وفقًا لمقالة كتبها الدكتور إيدو ماجن لمعهد ديفيدسون للعلوم. كذلك ينعكس تدفق السوائل – فيكون إلى الأعلى لا إلى الأسفل- مما يسبب تورُّمًا ومشكلات في التوازن والرؤية. 

ولا بيانات، حتى الآن، عن تأثيرات الجاذبية بنسبة 38% على الكائنات الحية. يرى زوبرين، رغم ذلك، أنَّ هناك « أمل في علاج هذه التأثيرات بالتمارين المناسبة».

بالنظر إلى هذه التحديات، لماذا نستوطن الفضاء أصلًا؟

يجادل ستيفن هوكينغ الفيزيائي الشهير في فيلم بي بي سي الوثائقي «ستيفن هوكينغ: بعثة الأرض الجديدة»، بأنَّ الجنس البشري لديه قرن واحد فقط يلهو فيه قبل أن نضطر إلى استعمار كوكب آخر من أجل البقاء. يقول: «مع تغيُّر المناخ، وضربات الكويكبات المحتومة، والأوبئة، والنمو السكاني، أصبح كوكبنا  يزداد تزعزعًا».

ويوافق مايكل دي جريفين -مدير وكالة ناسا السابق- على ذلك: «على المدى الطويل، لن تصمد الأنواع التي تعيش على كوكب واحد، ولدينا أدلة وافرة على أنَّ... [الأنواع]  تنقرض جماعة كل 30 مليون سنة في المتوسط. فإذا أردنا - معشر البشر- البقاء على قيد الحياة لمئات الآلاف من ملايين السنين، فيجب علينا في النهاية أن نسكن كواكب أخرى. وذات يوم... سيكون البشر الذين يعيشون بعيدًا عن الأرض أكثر ممَن يعيشون عليها»، كما قال للواشنطن بوست في عام 2005م.

وهذا هو المسعى العلمي الأسمى، بالنسبة لآخرين. يقول برلينر: «إنه يجعلنا أقرب إلى التحقيق في أشياء مثل أصل الحياة والكون. إنه يجعل كل نطاق في المجال العلمي أكثر جموحًا. إذا كنت عالقًا على صخرةٍ ما، فأرى محاولة النزول [واستكشاف كواكب أخرى] هو أهمُّ ما يمكنك صنعه».

ولا يزال آخرون يروْن الفضاء فرصة اقتصادية: لخلق فرص لا حدود لها لجني موارد جديدة وخلق أسواق مستجدة في مجال الفضاء، من السياحة إلى التعدين.

يسلك زوبرين في ذلك نهجًا أكثر مثالية إذ يرى ""أن استعمار الفضاء - يتعلَّق بخلق عالم جديد عظيم"". ويتساءل: «ما التهديد الرئيسي الذي تراه يواجه البشرية اليوم؟ تغيُّر المناخ، أم نفاذ الموارد، أم الاكتظاظ السكاني؟ لكن لم  يتسبب أي من ذلك في الكوارث الكبرى في القرن العشرين، مثل: الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والهولوكوست، والإبادة الجماعية في كمبوديا. فقد كانت هذه الكوارث ناجمة عن شيء آخر  بعيدًا عن ذلك؛ إذ نجمت عن الأفكار السيئة؛ بل فكرة سيئة واحدة على وجه الخصوص  -وإن تعددت صورها- أنه ليس هناك ما يكفي الجميع».

يدَّعي زوبرين أنَّ «فكرة الموارد المحدودة هذه هي ما يجعل الدول تتصارع... [لكن] إذا تمكنا من الوصول إلى الكواكب، فلا جدوى من القتال على المقاطعات».

أليس من الأفضل، مع ذلك، ترك المريخ وشأنه؟ أليس من المحتمل أنَّ البشر إذا وصلوا إليه  فسيحدثون الفوضى نفسها – خاصةً البيئية - التي قد أحدثوها على الأرض بالفعل؟

زوبرين لا يرى ذلك، ويقارن استيطان كوكب المريخ باستيطان الولايات المتحدة، مع كون استيطان المريخ أقل تدميرًا بكثير، ويتساءل: «إذا لم يكن ثمة شيء هنا - عندما هبط كولومبوس- سوى الصحراء وربما عدد قليل من الميكروبات تحت الأرض، فلا غابات خشب أحمر، ولا أمريكيين أصليين، ولا ثيران أمريكية، ولا حياة برية هائلة مزدهرة، ثم أنشأ [المستوطنون الأوائل] ما تراه الآن؛ فهل كان أي شخص ليتظاهر اليوم في مسيرات يوم كولومبوس؟ باستيطان كوكب المريخ وإنشاء دول جديدة وأغلفة حيوية مستحدثة على المريخ، إننا نُجري عملاً خلَّاقًا».

 يرى الصحفي العلمي كريستوفر وانجيك، إنَّ مثل هذه النظريات -على الرغم من إغرائها- موضع خلاف. فهو يقول: « إن السيناريو الأفضل هو أن تكون على المريخ، من المحتمل أن يكون هذا أفضل مكان تعيش فيه أكثر من الأرض. ولكن إذا كانت جاذبيته التي تعادل 38% من جاذبية الأرض،  غير مناسبة لنا لنعيش هناك على المدى الطويل، بل أيضًا غير مناسبة للتكاثر وتنشئة الأطفال؛ إذن فلا داعِ للجدال، والناس يتجاهلون هذه الحقيقة؛ نحن أمام نقطتا بيانات حول الجاذبية: جاذبية الأرض جيدة، وانعدام الجاذبية أمر سيئ. وليس لدى الناس أي فكرة عن كيفية اتصال هذين الأمرين».

  يرى وانجيك أننا سنستمر في استكشاف الفضاء، ولكن بنفس الطريقة التي نستكشف بها جبل إيفرست الآن؛ فقد يكون هناك بضعة شركات ترسل سائحين أثرياء لزيارة المريخ أو للسير على سطح القمر، ومن ثَم ستكون هناك قواعد صغيرة في المريخ والقمر تعتمد على الأرض لبقائها، ويمكن أن  تصبح هذه القواعد أيضًا مراكز علمية متقدمة. يقول: «لكنَّ  المُشكِلة أننا لا نعيش على جبل إيفرست، وأعتقد أنَّ الفضاء يشبه ذلك إلى حدٍ كبير؛  قد يكون من الرائع مشاهدته، وقد يكون هناك إطلالات رائعة، لكنه لا يصلح حقًا للعيش فيه».

أما الحجج حول بقاء جنسنا، فإنَّ وانجيك يُصر أنه: «إذا اصطدم كويكب بكوكب الأرض، فستظل أكثر ملاءمة للعيش من المريخ، فالسيناريو القائل بوجوب العيش على سطح المريخ إذا تدمرت الأرض بعيد عن الواقع العملي ».

كتبت رينا إليزابيث سلوبوديان في بحثها «بيع الفضاء: الاستعمار والخلود: نقد نفسي واجتماعي وأنثروبولوجي للاندفاع إلى استعمار المريخ» الذي نُشِر عام 2015م في جريدة Acta Astronautica، أن « الغرور والمال والرومانسية هي ما تحفز جزء كبير من رغبتنا في استعمار الفضاء ». وجادلت بإنَّ الاندفاع إلى استيطان الفضاء -الذي  يعزف على مخاوف الخلود المختلط بالمثل غير الواقعية- «خطير وطائش».

والواقع أنَّ إرسال السكان إلى الفضاء - وإن كانوا سيعتمدون على الأقل في البداية على الإمدادات من الأرض - يمكن أن يكون أرضًا خصبة للاستبداد؛ فإذا كان لشخص آخرٍ أن يسيطر على ضرورات الحياة ذاتها -مثل الأكسجين- ألا يمكن أن يُساء استخدام ذلك؟ وما الذي قد يمنع الحكومات أو الشركات أو رواد الأعمال من تولي السيطرة؟

سرعان ما يُزاحم كدح الحياة اليومية الُمثل العليا في «اليوم صفر». كما تقول إحدى الشخصيات  متحسرة: «هل يُعقَل أننا وصلنا إلى هذا الحد، ومع ذلك جلبنا مشاكلنا معنا؟»

 

مقالات ذات صلة