القائمة الرئيسية

ابن خلدون والمسكيني أو نحو ضيافة ما بعد حداثية

ابن خلدون والمسكيني أو نحو ضيافة ما بعد حداثية
ملخص المقال

المقال يتناول أهمية الفكر الخلدوني في السياق المعاصر، من خلال طرح أسئلة حول كيفية الاستفادة من أفكار ابن خلدون في فهم قضايا الحاضر. يستعرض الكاتب أربعة مواضيع رئيسية من مقدمة ابن خلدون: العصبية، الطاعون، الاستخلاف، والعمران، ويدعو إلى إعادة تأويلها في ضوء الفلسفة ما بعد الحداثية.

إهداء  إلى حتى يكونَ العالمُ أخفَّ حملًا

"" الحياة التي لا تختبر ليست جديرة بالعيش""

سايمن بلاكبرن. تفكّر، مدخل أخاذ إلى الفلسفة

توطئة

يبدو عند الوقوف على عنوان مقالنا هذا، أنه يحوي ثمة تساؤلات بديهية، وعند المهتمين تحديدا بالمسائل الفكرية. مثل ما الجدّة التي يمكن أن نعثر عليها في المدونة الخلدونية التي أشبعت بحثا؟ وهل هناك مساهمة فكرية محتملة لعالم تاريخ واجتماع في الحقل الفلسفي؟ وكذلك يدور تساؤل آخر عن الربط بين ابن خلدون الذي يطل علينا من الماضي البعيد لتاريخنا ومعاشنا الاجتماعي وفتحي المسكيني المعاصر المنشغل بالعلوم الفلسفية، والطروحات الوجودية، وهايدغر تحديدا؟

إن عديد التساؤلات أعلاه هي الذي حجبت عنا ابن خلدون؛ وجعلته يقف عند عتبة، لم يخترها هو لنفسه. إن عالمنا ليس هو الوحيد في هذا المقام. وفي حقيقة الأمر أننا لم نحسن اللقاء بابن خلدون وغيره ممن اعتنوا بالعلوم الإنسانية، في عالمنا العربي الإسلامي، أو استضافتهم، في زماننا المعاصر.

نود في هذا المقال أن نمتحن المسائل الرئيسة في مدونة ابن خلدون، وفي مقدمته تحديدا؛ وذلك من خلال مسائل أربع: العصبية؛ الطاعون؛ الاستخلاف، والعمران. لكنه امتحان لا يشبه امتحانا آخرا؛ وليكن ذا نوعا من المغامرة البحثية التي يحسن أن نضطلع بها؛ ونبتدع بهذا طريقا حميدا في سبيل الفكر والنظر.

إن المسائل الرئيسة والتي سبق الإشارة إليها، سوف نقوم بدراستها، في ضوء إحدى منجزات فلسفة ما بعد الحداثة؛ بحيث نضع هذه المسائل موضع قلق إنساني ووجودي؛ للمسلم الأخير؛ الذي لم يبرح يعيش صراع القديم والجديد؛ المحلي والوافد من الغرب؛ متطلعين من خلالها، تحفيز أكبر قدر من العقول الحرة، والقادرة على التفكير؛ من خلال ثقافتها، وأدواتها، وتاريخها.

نحن والتراث

لم يعد ابن خلدون المؤرخ العربي المسلم صاحب المعرفة الكبيرة بأحداث التاريخ وأحوال الأمم هو من يشغلنا، إنما أطراس ابن خلدون، وما تبقى في سحنتنا نحن العربي والمسلم الأخير، وذلك بضروبها، الهووي، الآخر، الوطني، القومي، اللاجئ، الفاتح، المستعمر، والليبرالي المزيف.

إن السؤال عن ابن خلدون يأتي في سياق السؤال عن مصادر أنفسنا الحالية؛ أنفسنا المعاصرة؛ ولكن مهلا، كيف يكون مفكر، عالم، ولنقل مؤرخ ما، مصدرا لنا؛ نستمد منه مبرر وجودنا؟ بمعنى كيف يكون فرد من الماضي البعيد مصدرا لنا؟ نحن الذين نتطلع إلى المستقبل؟ وهل هناك ثقافة -بالأصل- من ثقافات ما قبل الحداثة تكلمت عن المستقبل؟ أعني مستقبل الإنسانية؟ أم هذا النكوص للماضي هو شكل من الردة الزمانية أسوة بالردة الدينية لم يستطع العقل العربي المسلم تجاوزها؟ وكأن التاريخ -بالفعل- يكرر نفسه؛ أم هو شكل من الحنين المقلوب لمن نحبهم ونخشى على فقدهم؟ أم هو بشكل أدق نحن نخشى من ضياع أنفسنا التي يشكل فيها الماضي منطقة الراحة لها؟

ولكن يجدر بنا القول هنا ثمة صعوبة تحول دون أن نتحرر وأن نحب في آن واحد؛ إن التفلسف هو تحرر بلا حنين؛ هي حرية أمامية دون أي شكل من التلفت للوراء؛ شرط أن يكون تحررا رشيدا؛ تحررا لا يرى في ذاكرته سببا وحيدا للانحطاط ومن ثم يحاول محوها مثل delete تقني.

إن موطن القلق في الفلسفة هو تأسيس الحرية على الحنين؛ ولم يتم التفطن لفداحة هذه الكارثة سوى في الحروب العالمية ومحرقة أوشفيز؛ وليس آخرا تلك الحروب الامبريالية والعابرة للقارات.

أم أنها لنقل ردة ما بعد حداثية؛ فشلت في الإجابة على سؤال شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون بينما تقدم غيرهم، فحاولت مجتهدة العثور في أصولها التاريخية على أجوبة نهائية حول نفسها، من تكون؟ وماذا تريد؟ كي تستريح بها نفسها المتعبة. إن الانحطاط لدى نيتشه شيخوخة روحية لنمط بشري معين، وليس وصفة نفسانية لفرد معزول.

إن فلسفتنا الإسلامية ممنوعة سلفا من التفلسف، وذلك لاعتبارين مهمين، أنها منقطعة فكريا وزمانيا عن حبل المشاكل التي ولدت بها الفلسفة المعاصرة؛ وأيضا أن مشاكلها غريبة عن مشاكل العصر الذي نعيشه.

من أجل ذلك ينبغي القول وبعد كل أشكال الفشل الذريع في البحث عن أجوبة نهائية حول أنفسنا؛ أنه يجب إعادة العقل الخاص بنا لنقاشه الحر والمحسوس واليومي؛ مع نفسه وغيره؛ أو بعبارة أخرى، متى نكف عن تأويل أنفسنا كنص قديم بلا مؤلف؟

نحن والحداثة

لنقل بعبارة أكثر وضوحا، إن الحداثة هي الماضي الروحي والوحيد للإنسانية الحالية؛ ويجب علينا قبول هذه المفارقة بوصفها انزياحا طريفا في وعينا بأنفسنا. لن تصبح الحداثة رهانا لنا إلا متى كانت مصدرا أصليا لنا نحن المعاصرون؛ بعيدا عن كل أشكال النضال القومي، الوطني، بل وما بعد الحداثي.

والحداثة في براءتها الأولى أتحدث؛ حداثة بودلير، التي تقول أنها ليست حقبة تاريخية، أو محدد جغرافي معين؛ إنما دلالة على نوعية ما، ويعني بها التقدم والرقي.

وأهم ما يميز الحداثة كما يقول بودريار أنها حداثة تريد أن تكون معاصرة، وأن تكون عالمية أيضا؛ وليس هذا وحسب، إن الإيمان الحقيقي بها يقتضي أنها ملزمة باستخراج معاييرها من ذاتها؛ ربما هذا الشكل التقدمي في الحداثة عند بودلير؛ أن تكون معاصرة من حيث مشاكلها ومعايير علاج هذه المشاكل.

إذ أن الحداثة تسير بشكل خطي، وليست زمانا دائريا أو تكراريا؛ ماذا يعني هذا؟ هل أنه لا حضور للتاريخ في زماننا المعاصر؟ أم أنه مهما حاولنا استجرار تاريخنا الخاص فإنه لم يعد هذا التاريخ والماضي يشتغل بالكيفية اللازمة؟ ولكن منذ هيغل أصبح التاريخ يأخذ أهمية أكبر.

وسواء شاءت الحداثة أم أبت، لا تستطيع سردية ما بما فيها الحداثة، مع قوتها وحدتها، أن تلغي ماضي أنفسنا البعيدة؛ ذلك الماضي الذي نجده في الليل كما يقول العروي؛ وهو الذي قالت عنه العرب أنه أدعى للويل؛ وبعبارة أكثر وضوحا ودقة، يقول هابرماس: الوعي بالمرحلة التاريخية يقتضي من الذات أن تقتبس من ماضيها ما يعينها على حاضرها.

وفي نقد توران للحداثة، يقرر أنها ليست كوجيطو عقلي؛ وكذا ليست هي شكل الذات المتحررة وحسب؛ إنما هي حوار بين العقل والذات؛ وأنها ليست أكثر من ذات دينية لحقتها الدنيوة.

وبعد هذا تكلس فضاء الحداثة الحديث، وجراء النقد الذي طالها؛ من إرساء لمفهوم الدولة-روسو، الحرب-هوبز، الأعلى-نيتشه، والإنسان القلق-ريكور؛ ما يدعونا أن نوافق شوبنهاور من خلال خفض سقف التوقعات، كحل ما بعد رأسمالي، لتخفيف الثقل على الإنسان المعاصر.

نحن وابن خلدون

نريد أن نمتحن مقالا انتهى به الجابري إلى أن ابن خلدون قد سكت عن المستقبل؛ وكان ذا بعنوان ""ما تبقى من الخلدونية""، وتفسير الجابري عن سبب سكوت ابن خلدون أنه لم ير في حاضره ما لم نره نحن عن أنفسنا، ويقول كذلك: ""أن البعد الاقتصادي هو سبب الصراعات الاجتماعية""، وهذا ما غفل عنه مؤرخنا؛ إنه نوع من التفسير الأيديولوجي ليس إلا؛ فهو بعبارة أخرى ود القول أن ابن خلدون لم يكن ماركسيا، ولم يتنبه أن جملة التغيرات الاجتماعية سببها صراعا اقتصاديا بين طبقات المجتمع.

لكن كل هذا لا يهم في بحثنا أعلاه؛ سوى أنه قال في عبارة طريفة ""إن سكوت ابن خلدون عن المستقبل هو سبب بقاء مدونته من دون مستقبل""، هنا يحق علينا مساءلة الجابري السؤال التالي، ما معنى أن تظل مدونة ما من دون مستقبل؟ وإذ كان الأمر كما يدعي ما سبب حضور ابن خلدون في نقاشنا اليومي الحالي؟ وعلى أصعدة متعددة؟ رام أنه ليس سوى ماض وولى.

ليس المستقبل بعدا من أبعاد الزمان، هو ما سماه هايدغر ""ما ليس بعد"" في مقابل ""ما لم يعد موجودا""، إن الزمن عند هايدغر لا يأتي من توالي التخارجات الزمانية؛ بل يتحقق في إحالته الداخلية. إذ أن المستقبل ليس ما يعقب الحاضر المعيش إنما هو أفق أصيل في ثقافة ما؛ إن ما حاول الجابري تفسير به ابن خلدون، عبر هايدغر ذات شذرة عن هذا النوع من الفهم بأنه ""تسطيح"" للوجود الإنساني. هنا يدعونا هايدغر إلى وضع حد فاصل تجاه هذا النوع من الفهم: ""وينبثق الحاضر ذاته من المستقبل""؛ إن هذا النوع من الانبثاق قد شكل التأويل النظري للمستقبل داخل ثقافة ما.

في إجابة سولتردايك عن معنى السكن في العالم عند هايدغر، قال بأنه ""يجب أن نعود عودة ما بعد تاريخية للقرية""؛ هذا النوع من العودة هو الشكل المرجو في استضافة ابن خلدون؛ وذلك من خلال محاولة تأويل نصوصه في ضوء ما نرغب به نحن؛ أو نستشرف به مستقبلنا؛ فابن خلدون في وعينا الذي تعودنا عليه من غير أن نتحقق منه، إما ""ذاكرة معرقلة""، أو ""ذاكرة متلاعب بها""، أو ""ذاكرة مستدعاة بشكل سيء أو خاطئ"".

وليس ببعيد عن هذا الهمّ؛ أشار تودورن في معرض حديثه عن احتفالات الذاكرة، أن وضع اليد على الذاكرة هو من اختصاص الذين يتطلعون إلى المستقبل. ""المجد والذاكرة""، ليس عنوانا أدبيا رشيقا وحسب، إنما هو جزء من سعينا لتحويل الذاكرة إلى مشروع؛ تحويل الذاكرة إلى مشروع جزء من رهان ريكور التاريخي؛ ولكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن كيف يكون الماضي بتعلاته رصيدا تعبويا نؤسس عليه رهان المستقبل؟

هنا نود أن نلج التساؤل التالي وبصيغة صريحة: هل تكلم ابن خلدون عن المستقبل؟ نحاول أن نجيب عن هذا التساؤل من ناحية أخرى؛ أو قل نريد أن نمتحن أطروحة ابن خلدون في الطاعون؛ والذي كان جزءا من مشروعه في بناء ذاكرة أو أرشيف للإنسانية.

يرى ابن خلدون من موقفه التاريخي أن الطاعون تهديد جذري بالنسيان لأحوال الخليقة؛ وذلك في ضرب من الخوف الحاد من ضياع ملامح العالم الذي يعيش فيه؛ وهو هنا لا يهتم بتأريخ الطاعون كداء تحيف الأمم، وقضى عليها؛ بقدر ما هو سيكتب ذاكرة؛ ذاكرة أحوال الأمم التي كانت تعيش قبل وأثناء هذا الداء؛ هنا نقف على حد السؤال الذي نروم عليه، ما علاقة المستقبل الخاص بنا بالطاعون الذي قضى على الأمة التي تخصنا؟

من خلال المعاصرة؛ تأريخ ابن خلدون لعصره من أجل بناء ذاكرة لمن يأتون بعده، هو مشروع مؤرخ الملة، مخافة أن يكون جيلا ما من دون ذاكرة. إن طريقة المقدمة لبناء المستقبل هو تأريخ أكبر قدر من أنفسنا المعاصرة؛ وليس ذلك سوى تقنية الملة للجيل القادم؛ حيث أن مستقبل كل ملة هو ماضيها؛ وقد تحول إلى ذاكرة طويلة وممتدة حول نفسها.

العصبية عند ابن خلدون

في ضوء ما تقدم؛ ومن أجل أن نستضيف ابن خلدون في نوع من مستقبل ذاكرتنا؛ وبحسب ما تمليه علينا ظروفنا المعاصرة؛ نحن الحداثيين، وما بعد الحداثيين عنوة؛ يقترح علينا فتحي المسكيني تأويل إحدى المقولات التأسيسية في في مقدمة ابن خلدون، محاولا بذلك تحويلها من سند هووي لمبتغي السلطة في الدولة-الأمة إلى مشكل حيوي ما بعد حديث؛ وجد فيه مخرجا لفكرة الشعب التي أرهقت الإنسانية الحديثة.

أخرج كتاب ما بعد الحداثة، فيرنو، سولتردايك، نغري، فكرة الجمهور بما هو عدد كبديل نظري وانطولوجي في مقابل فكرة الشعب الذي تقومت به الدولة-الأمة الحديثة.

إن طرافة ابن خلدون هو افتراع مفهوم ""العصبية""، في ضوء مفهوم الجمهور ما بعد الحديث؛ وقد رسم بهذا معالم انزياح خطير، محولا ماهية العقل البشري من عمل صالح للملة، إلى اقتصاد حيوي طبيعي تتقوم به الدولة المعاصرة.

إن هذا الانزياح النظري من منطق الملة، إلى طبيعة النوع الإنساني، هو أخطر محاولة في ثقافتنا الكلاسيكية في فك الارتباط بين خلق الدعوة وخلق السياسة؛ وكذا الانتقال من المعنى الروحي للجماعة إلى المعنى الطبيعي للجمهور.

جدير بالذكر أن مفهوم المجموع في منطق الملة يحتوي على لبس منهجي كبير؛ خص وأن السلطة في دولة الملة تكسب مشروعيتها، من هذا المجموع بوصفه ""السواد الأعظم، الملأ، العامة، الأمة""؛ إن اختيار ابن خلدون لمصطلح ""العصبية""، تخريج فذ، في تفسير سلوك الجماعة السياسية؛ والنأي به من معجم الملة إلى طبيعة النوع الإنساني؛ ومن مسألة فقهية خلافية للسلطة في دولة الملة، إلى اقتصاد حيوي مشترك للسلطة في الدولة المدنية.

ولكن هذا الأمر يطرح علينا السؤال عن المعاني الذي يتقوم بها مفهوم الجمهور ما بعد الحديث كبديل نظري عن مفهوم الشعب التي احتفت به الأنوار الغربية، وذلك وفق محددات مفهوم ""العصبية"" عند ابن خلدون؟

يقول ابن خلدون عن العصبية بأنها من سائر القوى الطبيعية؛ إنها تعني سابق على الوجود والتجربة الإنسانية. ورمي بذلك أن العصبية قوة طبيعية للأجساد في إقليم معين؛ وليست مجرد رابطة عرقية وهي إحدى اختراعات الدولة-الأمة.

وقال في تعريفه للعصبية بأنها في كثرة العدد ووفوره؛ وذلك اكتشاف متقدم لفكرة الجمهور، التي يمثلها الحشد البشري في أقليم معين ومغلق.

وقال أيضا، بأن العصبية ليست في النسب، إذ النسب أمر وهمي في العصبية؛ فهو يعني الالتحام في النسب أو ما في معناه؛ هذه الأخيرة عبارة قلقة جدا؛ وهو إقرار صريح باللحمة في النسب؛ وهو مجاز وليس مفهوما نظريا؛ سوف يعمل المحدثون الإشارة إليه بعبارة مثل قوانين الطبيعة-هوبز، الإرادة العامة-روسو، الروح-هيغل.

يجد المسكيني بأن غياب مقولة الشعب الحديثة عن تراثنا مدخل طريف نحو استئناف جهود ابن خلدون؛ في تأويل مفهوم العصبية من خلال آخر طروحات كتاب ما بعد الحداثة.

ولأن خلق السياسة لم يعد مهما إلا على نحو سالب في فكر ابن خلدون كما تقدم؛ فإنه ذكر في مقدمته جملة من الآداب التي تخص النوع الإنساني، وذلك من أجل اقتراح أفق جماعي جديد للمسلمين للعيش كجيل طبيعي في النوع الإنساني:

  • أدب المعرفة: ذكر في مقدمته ""الحق لا يقاوم سلطانه"" ص3، وأن ""العلوم العقلية التي هي طبيعية للإنسان، من حبث هو ذو فكر، هي غير مختصة بملة"" ص888، وأنه لا ينبغي ""حمل الوجود على ما ليس في طبعه"" ص336.

ويكمن العمق الخلدوني في أدب المعرفة كونه يحررنا من ""إرادة المعرفة""، التي ضخمت الذات الحديثة، واستخدمت بذلك كل أشكال العنف إزاء الموجود.

  •  أدب التأله: ذكر في مقدمته ""إن الإنسان رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذي خلق له"" ص260، وأن ""خلق التأله...في طباع البشر"" ص294.

وهو أدب طريف من خلال التعبير في لغة الملة، عن الحرية الوجودية والجذرية للحيوان البشري على الأرض.

  •  أدب الاختلاف: ذكر في مقدمته ""إن اختلافهم رحمة لمن بعدهم من الأمة"" ص386، وأن ""الخلاف لا بد من وقوعه"" ص818، وأن ""التأثيم مدفوع عن الكل إجماعا"" ص278.

وقدم هنا معني التسامح، ونقله من كونه خلاف في الملة، إلى فرضية طبيعية وأصلية وحسنة في النوع الإنساني.

  • أدب الجليل: ذكر في مقدمته ""أن الموجودات لا تنحصر في مدارك الإنسان"" ص881، وأن ""للعقل حدا يقف عنده ولا يتعدي طوره... فإنه ذرة من ذرات الوجود"" ص825.

وقف هنا كثيرا المسكيني عند أدب الجليل، بالقول أنه ""أرقى وأطرف أدب أنتجه الإسلام، كمغامرة وجودية في الكون، تستبق نزعة الغرب في تحويل الطبيعة إلى هائل قابل للاستفزاز والاستهلاك بلا حدود، بأن تلتزم بإجلال الكون بوصفه آية، لا يتعارض أي تواضع أمامها من معرفتها واستعمالها، وهو أدب يكتسب اليوم مع الهاجس الايكيولوجي طرافة مستجدة"".

وفي المقدمة جملا أخرى من الآداب، ذكرنا نيفا منها هنا.

الاستخلاف عند ابن خلدون

لم يعد اليوم، أي آخر معاصر لنا، أو ماض لأنفسنا، يستطيع أن يدعي لنفسه إنية أو خصوصية عالمه الخاص؛ إن التعامل الصحيح مع ابن خلدون أو أي من الشخصيات التاريخية ليس أن نتسامح معه؛ إن التسامح يحوي على غطرسة تجاه الآخر، هذا بحسب كانط؛ بل يجب أن نستضيفه بشكل ما بعد حديث؛ بحسب مقتضيات زماننا المعاصر.

الطريف أن ""الضيافة"" هي إحدى آدابنا الاجتماعية؛ إن التحول أو المساهمة التي نود تقديمها هو تحويل، هذا الأدب الجليل من حقل الاجتماع إلى الوجود والفلسفة.

من منطلق ما ذكرناه آنفا، أن الحداثة باتت هي الماضي الروحي الوحيد للإنسانية الحالية؛ فنحن مدعوون بشكل لا تأخر فيه، إلى الإقرار بأن المعرفة الإنسانية واحدة، لأن الفعل الإنساني واحد؛ ولأن المصير الإنساني واحد؛ مصير الإنسان على ظهر المعمورة، وليس مصير الإنسان الأخير؛ وهذا المصير بات ملحا بشكل أكبر بعد آخر فايروس ألمّ بالإنسان covied19.

أي محاولة لتفسير الذات الإنسانية في فضاء الملة وحسب؛ إن هذه المحاولة ليست سوى محاولة لتأجيل ولادتنا الذاتية؛ مولد الإنسان الحديث؛ ذات بلا هوية. لم تعد الإجابات النهائية حول ""من نحن؟"" و""ماذا نريد؟"" إجابات كافية؛ يجب أن نؤشكل السؤال حول مصادر أنفسنا؛ ونجعله في موضع توتر؛ لذا جاء هايدغر ليقول بأن الإجابة هي ""نحن""؛ من غير أقنعة سردية أو تطمينات هووية.

تعاني الذات الإنسانية اليوم من تشتت غير مسبوق في بناها النظرية؛ خص بعد آخر واقعة في موت الإله التوحيدي على يد نيتشه؛ دأبت النفس الإنسانية بعدها في محاولة العثور على ذاتها في كيانات سردية وهويات متصارعة، لم نبرح اليوم نعيش فداحة هذه التجربة؛ فدأبت النفس الإنسانية تبحث عن سند ذاتي أصلي لنفسها؛ كما أن العقل البشري بات جملة من العقول المفرقة، بحيث لم يعد من الممكن التنقيب عن بناها النظرية إلا على أرضية تفكر بشكل كلي تجمعها؛ وأخيرا بات التقدم التكنولوجي خطرا محدقا أدى إلى نتائج بيئية وكارثية، يهدد بها وجود الحيوان على الأرض، مما يدعونا للبحث عن مصير ايكيولوجي مشترك.

إن هذا الشكل من استحقاق التفلسف يدعونا لقراءة نصوص ابن خلدون ونظرية الاستخلاف عنده، من خلال آخر استشكال فلسفي نفسي في إطار المنجز الفلسفي لما بعد الحداثة.

إن الشكل الذي تتقوم به ما بعد الحداثة؛ هي ثلاث أمارات:

  • أزمة السرديات الكبرى؛ بحيث أن الحل هو بلورة تصر ما بعد هووي، لجميع الثقافات، هو شرط إمكان حوار أصيل بينها.
  • التطور التقني الهائل؛ بحيث أن الحل هو العمل على فبول تحدي عصر التقنية من داخله؛ وليس السقوط في مقاومة عدمية له.
  • بداية تبلور موقف أيكيولوجي؛ بحيث يشمل الأعضاء الآخرين على ظهر المعمورة؛ من حيوان ونبات وجماد؛ للحد من المركزية الإنسانية على الطبيعة.

س/ كيف نفهم مسألة الاستخلاف التي طرحها ابن خلدون في ضوء الأمارات الثلاث لثقافة ما بعد الحداثة:

- ""إن الإنسان رئيس بطبعه بحسب مقتضى الاستخلاف الذي خلق له : وهي ذا دلالة هووية، تتعلق بمسألة الرئاسة بالطبع التي لدى الإنسان؛ وبمسألة الخلافة العامة التي للآدميين

 ""وأما تسميته خليفة لكونه يخلف النبي في أمته : وهي ذا دلالة نظرية؛ تخص استيلاء الفكري البشري على عالم الحوادث عن طريق السببية

""واستولت أفعال البشر على عالم الحوادث؛ وهذا معنى الاستخلاف : وهي ذا دلالة معيارية؛ تشير إلى أن الاستخلاف هو الأفق الأخلاقي المدني الأخير للعمران البشري على الأرض

س/ هل هناك علاقة نظرية سابقة أو لاحقة في معجم الإنسانية يدور حول معنى الاستخلاف عند ابن خلدون؟

- عرف اليونان معنى المدينة والمدنية، بوصفه تدبير المنزل الكبير؛ أما صيغة ""الاستخلاف"" الخلدونية فجاءت على نحو تدبير الأرض أو المعمورة؛ إنها عناية بالوجود والبيئة والإنسان بوصفه إنسان، بعيدا عن مكان إقامته وهويته

جاءت الكثير من الصيغ الحداثية لمفهوم الاستخلاف الخلدوني، لكن بصيغ معلمنة؛ مثل الواجب عند كانط؛ أو مبدأ المسؤولية إزاء مستقبل الأرض كما حفره جوناس -

وهنا سوف يكف ""الاستخلاف"" أن يأتي بمظهره في تعبير الملة؛ وأمكن تأويله بشكل حداثي، وأخلاقي، ووجودي.

من هو المستخلف؟

في معرض دفاع هابرماس عن الحداثة بوصفها لم تستنفد وعودها بعد؛ وبأن ما بعد الحداثة ليست سوى حداثة غيرت شيئا من أفقها؛ في هذا الزخم من الصراع بينهما؛ لأننا لم نفعل شيئا في هذه المقاربة، ولأن الحداثة وقعت علينا، كما بينا، فإننا مؤهلين الآن أكثر من أي وقت مضى للمساهمة في انتشال الحداثة من قلقها الغربي، والانتقال من النزعة الذاتية في وعي الحاثة الغربي تجاه الإله، الآخر، والبيئة، إلى فضاء ما بعد الذات؛ الذات المتنوعة، المفارقة، والمتعددة.

يقترح المسكيني علينا في هذا المقام أن نفهم الاستخلاف بوصفه أدبا من آداب الانتماء ما بعد الحديث؛ من حيث العودة إلى الدرجة الصفر من الذات الإنسانية؛ إن هذا الصفر نمط الانتماء المشترك مع أعضاء الإنسانية الحالية.

إن هذا التأسيس للانتماء لا يهدف لتأسيس ذاتا إنسانية معينة، إنما يرمي بغية تأسيس موقف وجودي لشكل مقام الإنسان في العالم؛ وهي دلالة ليس لها أي مضمون سوى أنها تدبير لمن كان ينبغي أن يحضر في العالم.

س/ من كان ينبغي أن يحضر في العالم؟

إن الوجود الأول والأصلي هما آدم والعالم؛ وليس هناك صفة مقومة لآدم سوى الأدمة، أي التربة، وكذا العالم ليس له صفة مقومة سوى أن يعلم، بمعنى بروزه؛ وهنا تخلص أن معنى الخلافة العامة التي للآدميين، حسب ابن خلدون أن كل بشر من حيث آدمي هو يملك قيمة أصلية مثل أي بشر آخر، وذلك يعني ههنا مساواة أصلية بين الناس إزاء الغائب الأصلي، تسقط بذلك كل مرجعية روحية أو سياسية له؛ إذن ليس هناك لأي وجود سوى الانتماء للآدمية؛ من حيث صيغة هووية فارغة صارت ترعف منذ كانط ب""الشخص"".

ما هو الاستخلاف؟

إن الخيط الناظم لدولة الملة في مدونة ابن خلدون هي دولة مثل باقي الدول؛ وعصرها مثل باقي العصور؛ فهو أرخ لما قبل دولة الملة، ومدة بقاء دولة الملة، وبعدها تكلم عن نهاية دولة الملة؛ فهو يرى في دولة الملة دولة أسوة بباقي الدول في التاريخ الإنساني؛ لها شروط بداية، ومدة بقاء تكون في أوجها، وعصر تفنى بها؛ وكلها معطيات تاريخية، وعناصر طبيعية، وليست مشكلا في الملة، أو وجودها وبقاءها، يتعلق بضعف الإيمان وقوته.

يأتي التساؤل هنا، عن سبب حديث ابن خلدون لغتين، لغة في إطار الملة، من حيث هو قرآن وفقه، وبين مصطلحات العصر، من منطق وطبيعيات والهيات ورياضيات؟

قد يبدو عند النظر للمرة الأولى أنه اعترى ابن خلدون خللا في نظام الخطاب، أو أنه حاول أن يزاوج بين معجمين، ولم يكسب رهان أي منهم، لكن كل ما في الأمر أن ابن خلدون عمل ذلك عن عمد محض؛ حيث رأى في معجم الملة صلاحية داخلية وأن لا يزال قادرا على الاشتغال، وفي العلوم الإنسانية بوصفها البرنامج الحقيقي للمعاش البشري.

إن ابن خلدون في طرحه مقاربة الاستخلاف، لم يتملك التقليد النظري اليوناني الكلاسيكي في فهم النوع الإنساني بوصفه ""حيوانا عاقلا""، بل ذهب إلى أبعد من ذلك؛ حيث جعل مدار التميز الإنساني مفكرا؛ مفكرا في شكل الحياة الخاصة به؛ من خلال ""السببية""؛ وفي هذا نقل التميز الإنساني من المعطى البيولوجي إلى فن إنسانية الإنسان؛ من خلال عنوانين عريضين: مشكل تعمير العالم، وتدبير المقام البشري.

أي شكل من الإقامة يعدنا به ابن خلدون من خلال مقدمته؟ أو ""العمران"" أفقا للإنسانية.

كان مشروع ابن خلدون بالتوازي هو الخروج من عصر الملة الخاص بنا؛ ونظام المدينة الخاص بالآخر؛ إلى أفق مشترك وهو ما بعد الملة، وما بعد المدينة. وهذا يعني أن العمران هو شكل المدينة التي تسكن بها كل الخليقة؛ أو ""الكافة""؛ كما في اصطلاح ذكره في مقدمته.

إن العمران جاء من عَمَرَ؛ من قبيل سكن وأقام؛ المقصود هنا أن العمران مثله مثل مصطلح الايكولوجيا ما بعد الحديث؛ وهو قائم على النظر، إلى الأرض كونها معمورة بالناس كافة.

هذه الدعوة الخلدونية تجعل من الأرض منزلا كبيرا عامرا بالناس؛ وأنهم متى أرادوا حفظ النوع الإنساني، عليهم أن يحافظوا على المنزل الكبير؛ وهو المجال الحيوي الوحيد الذي يخصهم؛ وأي خلل سوف يعمم على الجميع.

مما سلف حاول ابن خلدون أن يعين مضمونا مدنيا لمعنى ""الأمانة"" القرآني؛ فهو ليس أكثر أو أقل من ترجمة إيكيلوجية لمعنى ""الأمانة"" في عصر الملة.

المراجع

 الهوية والحرية. نحو أنوار جديدة. فتحي المسكيني. دار جداول. لبنان-بيروت. الطبعة الأولى. فبراير سنة 2011 -

 الدين والامبراطورية. أو في تنوير الإنسان الأخير. فتحي المسكيني. مؤمنون بلا حدود. المملكة المغربية-الرباط. الطبعة الثانية. سنة 2016 -

 فلسفة النوابت. فتحي المسكيني. دار الطليعة. لبنان-بيروت. الطبعة الأولى. أكتوبر من سنة 1997 -

 

مقالات ذات صلة