الكاتبة: الدكتورة دايان كويل جامعة كامبرج
جدة - الثلاثاء 28 محرم 1445هـ الموافق 15 أغسطس 2023م
في الوقت الذي تزداد فيه سلطات مكافحة الاحتكار قلقاً بشأن القوة السوقية المهيمنة للذكاء الاصطناعي في التأثير على الحكومات والمجتمعات والاسواق، يقوم اللاعبون المهيمنون في الصناعة الآن بنشر نماذج ذكاء اصطناعي لتعزيز مكانتهم وضمان سيطرتهم من خلال قدراتهم على النفاذ الى مستخدمي تطبيقاتهم وبرامجهم والتأثير على خياراتهم وتوجهاتهم من خلال القدرات الضخمة التي أتاحها الذكاء الاصطناعي لهذه الشركات المهيمنة.
و لكي تخدم هذه التقنيات الجديدة القوية الجميع بعدالة وشفافية، يجب على صانعي السياسات وضع القواعد الأساسية لحماية الحكومات والمجتمعات والاسواق من القدرات الاستثنائية التي يوفرها الذكاء الاصطناعي للشركات والمؤسسات المحتكرة للبيانات.
يتحرك الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة يصعب السيطرة على آثارها و يستخدم الناس الذكاء الاصطناعي التوليدي ونماذج اللغة الكبيرة لبناء خدمات جديدة و تطوير الأداء للمهام ونماذج العمل التي تتسارع تطبيقاتها و يزداد إحكامها على العملاء والاسواق والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية مع تقدم التقنيات الداعمة للذكاء الاصطناعي كما يلاحظ الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل مايكل سبنس، فإن هذه الموجة من التبني يمكن أن تسفر عن مكاسب إنتاجية كبيرة، بعد ما يقرب من عقدين من النمو الباهت. يجلب كل يوم أخباراً مثل إعلان جوجل الأخير بأن الذكاء الاصطناعي الخاص بها ساعد الخطوط الجوية الأمريكية على تقليل المسارات بنسبة 54 ، مما يقلل من البصمة المناخية لكل رحلة.
لكن الأخبار ليست كلها جيدة على هذا المنوال، من المرجح أن يساعد الذكاء الاصطناعي شركات التكنولوجيا الكبرى التي تمتلك الموارد التقنية والتطويرية لبناء قدرات فائقة اعتماداً على التقدم العلمي للخوارزميات و تقنيات و تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتسارعة و نماذج اللغة الكبيرة التي يقومون بدمجها مع خدماتهم الحالية السيطرة على الزبائن والاسواق والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية.
تأتي هذه التطورات في وقت تشعر فيه سلطات مكافحة الاحتكار في جميع أنحاء العالم بالفعل بقلق متزايد بشأن القوة السوقية لتلك الشركات المهيمنة
من المؤكد أن بعض المعلقين - بما في ذلك مهندسي جوجل، في مذكرة داخلية - يجادلون بأن هذا الخوف مبالغ فيه، بسبب وجود نماذج اللغة الكبيرة مفتوحة المصدر تسمح تقنياً لأي شخص بالتنافس في السوق. ولكن حتى لو كان هناك ازدهار للاعبين الجدد الأصغر حجماً من الشركات الناشئة، فإن هيمنة الشركات التقنية الكبرى لا تزال هي صاحبة اليد الطولى المسيطرة
وجدت ورقة حديثة تقارن نماذج المصدر المفتوح بخدمات واجهة برمجة تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تقدمها شركات التكنولوجيا الكبيرة لأطراف ثالثة أن أداء الأخير أفضل بكثير في ذلك. ولكن، في الوقت الحالي، يستمر أداء نماذج اللغة الكبيرة التي طورتها الشركات المهيمنة هو العامل الرائد في التحسن مع زيادة الاستثمارات لترسيخ أقدامهم و تعزيز قدراتهم التنافسية وتعكس التطورات التي جاء بها الذكاء الاصطناعي التوليدي انهم سيكونون قادرين على إظهار قدرات جديدة وغير متوقعة
نظرا للقوة الخارقة لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في العديد من البلدان، فلا عجب أن يكافح صانعو السياسات من أجل ابتكار استجابات قوية وفعالة ومتماسكة في بعض ردات الفعل الجماعية، يقف صانعو السياسات وقادة الشركات المهيمنة بالفعل في مواجهات سياسية كما هو الحال في حظر ميتا (فيسبوك) مؤخراً روابط الاخبار التي يكون مصدرها الوكالات الاعلامية الكندية استجابة المتطلبات الحكومة الكندية بأن تعوض المنصات بما فيها ميتا ناشري الأخبار مالكي الحقوق الفكرية الاصليين. حدث خلاف مماثل سابقا في أستراليا، حيث أعلنت الحكومة منذ ذلك الحين عن خطط جديدة لغرامة المنصات عبر الإنترنت لاحد من انتشار المعلومات المضللة
في المملكة المتحدة، دفعت فاتورة السلامة عبر الإنترنت"" التي تم انتقادها بشدة بعض شركات التكنولوجيا إلى التهديد بالانسحاب من السوق تماماً. وفي الولايات المتحدة، نظر الكونغرس في التدخلات المؤيدة للمنافسة مثل قانون الأسواق المفتوحة المقترح، وجلبت سلطات مكافحة الاحتكار الناشطة حديثاً داخل إدارة بايدن دعاوى مختلفة ضد جوجل وأمازون وميتا وأبل
ولكن في حين أن بعض صانعي السياسات لديهم معرفة عميقة بالذكاء الاصطناعي، فإن خبراتهم تميل إلى أن تكون ضيقة، ومعظم صانعي القرار الآخرين ببساطة لا يفهمون القضية جيداً بما يكفي لصياغة سياسات معقولة وقادرة على الاستجابة للتحديات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.معظم المعايير، ربما سيتغير.
