القائمة الرئيسية

إطلالة على الماضي

إطلالة على الماضي
ملخص المقال

في مقابلة مع البروفيسور جيري غيلمور، يعبر نايجل واربرتون عن شغفه بالفضاء مستندًا إلى قول كانط. يوضح غيلمور أن إلهامه يأتي من البحث عن المعرفة حول الكون، وأن علم الفلك يعتمد على الرياضيات والنظريات التي تتناول الزمان والمكان.

مقابلة مع: نايجل واربرتون

أجراها: البروفيسور جيري غيلمور، من معهد علم الفلك في جامعة كامبردج

ترجمة: معنى

نايجل واربرتون: ""لقد قضيتَ معظم سِني حياتك محدقًا في الفضاء، وتحضرني مقولة شهيرة لإيمانوئيل كانط وهي مكتوبة أيضًا على شاهد قبره: «شيئان ينيران وجداني بإعجاب ورهبة لا انتهاء لهما ولا أمد، وهو شعور لا يفارقني كلما أمعنتُ التفكير فيهما: السماء المرصعة بالنجوم من فوقي، والقانون الأخلاقي في صدري». إنني معجب بصدقه في الأولى، ولكن لي شكوكي تجاه الثانية. السماء المرصعة بالنجوم تبعث الإلهام؛ إذ يحب الناس العاديون -أمثالي- النظر في النجوم في سماء الليل الساحرة. لكنني لا أعرف ما أراه معرفة تامة، ولا ما هو موجود في أقاصي الكون. ولستُ متأكدًا أيضًا هل يستحق أن أنذر حياتي القصيرة لشيء ما بعيدًا عن الأرض كل البعد؟ إذن، سأبدأ الحوار بهذا السؤال: ما الذي يبعث فيك الإلهام؟

جيري غيلمور: الذي يلهمني طلبُ المعرفة؛ إذ يحث الكثير من الناس في جميع المجالات. إنَّ سعينا في البحث عن إجابات الأسئلة الكبرى من قبيل: أين نحن؟ ومن أين أتينا؟ وما نحن جزء منه؟ من أكبر التحديات، وهذا فضول طبيعي. في الحقيقة، هذا مصدرُ إلهامي. وكما تعلم، يمكنك أن تفعل الشيء ذاته على مستوى متناهي الصِّغَر، وتنغمس في ميكانيكا الكم والفيزياء الجزيئية، أو تزاوله مزاولة مجردة في الرياضيات، أو بالتجريب كالكيمياء والأحياء وما شابه. لكن الصورة الكُبرى: ما كل شيء؟ إنه علم الفلك والفضاء

أليس أكثر علم الفلك الآن مستقلًا عن الفلسفة؟

بلى. خلال القرن الماضي أو نحوه، صارت دراسة الكون مبنية على قواعد رياضية سليمة ومتينة. هذه هي النظرية النسبية العامة في جوهرها التي بلغ عمرها مئة سنة، والتي علمتنا كيف ينبغي لنا أن نصف الفضاء، وأن نقيس فيه الأشياء، وكيف للأشياء أن تتحرك وتتطور وتتبدل فيه. ولهذا، نمتلك نظامًا علميًّا منضبطًا يُحدِّد كيف نقيس الأمور. أصبحت غاية علم الفلك في القرن الأخير قياس الأشياء قياسًا دقيقًا، وتمحيص ما نعرفه منها وما لا نعرفه معرفة دقيقة

هل يمكنك أن تخبرنا عمَّا أنجزته في اختصاصك بكلمات موجزة ؟  فإني أعرف أنك شاركتَ في  كثير من مشاريع الفضاء

ينصبُّ جل اهتمامي في دراسة درب التبانة -مجرتنا الأمّ- اكتشفتُ في بداية مسيرتي أنَّ لمجرة درب التبانة بنية مزدوجة لا بنية واحدة. أتَرَى درب التبانة؟ وهي عنقود من النور يلتمع في السماء، وأسطوانة حيث تقطن الشمس. اكتشفت مُبكِّرًا أنَّ لمجرتنا الأم قُرصَين: قرص ثخين وقرص دقيق. وتبيَّن أنَّ هذا يُشير إلى تكوُّن مجرة درب التبانة وأصلها ؛ إذ بدأت مجرة لها قرص صغير، ثم ارتطمت بمجرات أخرى مشابهة مرتين تقريبًا. نتج عن الاصطدام الأول المجرة الأصلية فصارت في القرص الأثخن، ومن ثم نما قرص جديد داخله. لذا بالنظر إلى الهيكل ثلاثي الأبعاد للمجرة، ومن تتبع  كثير من الدراسات الفنية للعناصر الكيميائية وما إلى ذلك، نستطيع أن نجزم بمعرفة تاريخ مجرتنا -درب التبانة- جزمًا تامًّا

هذا مدهش حقًّا. أفترض أنَّ هذا هو الاستنتاج: رأيتَ درب التبانة، فصارت لديك ملاحظات عنها بناءً على وجود القرص الأول الذي تحدثت عنه للتو، والذي يعتقد الناس أنه كل شيء، فاستنبطت وجود شيء أسبق؟

صحيح. يمكننا أن نتجاوز هذا الآن؛ لأن آخر تقدُّم في هذا الموضوع حدث في الشهر الماضي. هناك مشروع يُسمى «قمر غايا الاصطناعي الأوروبي» الذي يرسم خرائط عالية الدقة لكل ما نراه من نجوم - أو الصواب: ملياريْ نجم- وليس كل ما يمكننا أن نراه. ولقد حُسِّنت الدقِّة لدرجة غير مسبوقة حتى يومنا هذا، ومكنتنا -لأول مرة- من تحديد مواقع النجوم ومعرفة طريقة حركتها. حركة النجوم تعتمد على شيئَين: أولهما: تاريخ النجم؛ فعلى سبيل المثال، هل شهدت ارتطام مجرتين استثارتها إلى التحرك على نحو مميز أم لا؟ أما الآخر، فمبني على كمية الكتلة المحيطة، أي: الجاذبية التي تمسك الكل وتربطه ببعضه. ومشروع آخر كنتُ مشاركًا فيه، وهو تصميم أول مقياس دقيق لكمية المادة في مجرة درب التبانة التي تبيَّن أنَّ معظمها مادة مظلمة. وهذا عمل اشتركت فيه مع كون كوجكن طالب دكتوراة في بواكير التسعينات، وما توصلنا إليه صار هو النتيجة القياسية؛ إذ إنها أنسب ما يمكن عمله تجاه الشطر المُترابط بالنجوم والكواكب وما شابه في مجرة درب التبانة الذي يمكنك مشاهدته، وتجاه الشطر الآخر الذي يربطه شيء غامض. والجواب أنَّ هذا الغامض هو الأهم. لذا كان هذا من الاكتشافات العظيمة في الفضاء خلال  آخر مائة عام: إدراك أنَّ ما نراه يكاد لا يكون شيئًا مقارنة بما هو موجود

عندما كنتُ طفلًا، اعتقدت وأقراني أنَّ القمر قريب؛ وفي تلك الحقبة سافر إليه بعض الناس، أمَّا ما عداه فبعيد جدًّا. ومن السهولة وقتها الاعتقاد أنَّ الفضاء ممتد إلى ما لا نهاية له. أهذا ما يعتقده علماء الفلك أيضًا أنَّ الفضاء لا يتوقف عن التمدد؟

هذا من الاكتشافات العظيمة في الفضاء خلال آخر مئة عام: إدراك أنَّ ما نراه يكاد لا يكون شيئًا مقارنة بما  هو موجود الآن

كلا. إنه لا يمتد إلى ما لا نهاية، بل العكس تمامًا؛ فحينما تنظر بعيدًا، فإنك تنظر نحو الماضي؛ لأنَّ سرعة الضوء محدودة -إنه سريع، لكنه محدود- حيث يستغرق الضوء مدةً من الزمن  حتى يصل إلينا.  أمَّا الشمس، فلا يستغرق الأمر إلا بضعة دقائق؛ ومع ذلك لا نرى إلا ما كانت عليه الشمس. هذا يثير تساؤلًا شبه فلسفي عن معنى كلمة «الآن»؛ فالآن في لحظة رصدي للشيء، أم الآن الوقت الذي حصل فيه الشيء الذي أراه في مكان بعيد؟ وهلم جرًّا. تتداخل تأويلات كلمة «الآن» ومعانيها، وترتبط مع كلمات «هنا» و«هناك» و«متى». هذه هي النظرية النسبية الخاصة، وأعتقد أن  كثيرًا من المراهقين متوقدي الذهن يفهمون فحوى هذا بأنفسهم

مرة أخرى رتَّب آينشتاين الرياضيات. لذا هذا هو النهج الذي نستخدمه، أن تتعلَّم التفكير على هذا النحو. كلما أمعنا النظر إلى البعيد، رجعنا إلى الماضي أكثر فأكثر، ونحن نستطيع الرجوع لبداية الكون، لكن ليس لأكثر من ذلك. يمكننا أن نرى الضوء فور تكوُّن الكون؛ أيْ قبل بضع مئات ملايين السنين، لكن مع استخدام موجات الراديو، نستطيع أن نرى الكون فور وجوده، بما يُسمَّى إشعاع الخلفية الكونية الميكروي.... أيْ: عند بدايته قبل 13.8 مليار سنة. لهذا؛ فنحن نستطيع النظر إلى الوراء، لكن ليس بعيدًا؛  بل في الزمن فقط

كلما أمعنّا النظر إلى البعيد، رجعنا إلى الماضي أكثر فأكثر

فهمتُك. لكن هل من الصحيح أنَّ بعض علماء الفلك يظنون أنَّ شيئًا ما كان قبل الانفجار الكبير؟ لا أدري إن كان هذا منطقيًّا من الناحية التصوُّرية، لكن هل هذا  وارد؟

هنا ندخل سريعًا في الفلسفة؛ إذ يجب أن نتساءل: «ما الذي تعنيه بكلمة قبل؟» بحكم التعريف، كانت البداية عندما حصل ما نسميه انفجارًا كبيرًا؛ أي عندما صار الكون مستقرًّا بما يكفي، وتعلَّق به اتجاه زمني. إذن، قبل أن يصير هناك «قبل» (بين علامتي تنصيص فقط)، لم يكن هناك مقياس للزمن؛ إذ لم يكن لمفهوم الزمن وجود. لكن لنتصور أنَّ الانفجار الكبير لم يظهر من العدم، بل ظهر من الفراغ. هنا ينبغي لك التفريق بين العدم والذي لا شيء؛ إذ إنهما مفهومان مختلفان تمامًا. إنني أقدم محاضرات كاملة في الفرق بين مفهومي العدم والذي لا شيء

يحدث الذي لا شيء عندما تحدق في الفراغ أو أي شيء، فتراه يتجزأ إلى موجبات وسالبات على المستوى الكمومي، وإلى أشياء تظهر إلى الوجود وتنعدم طوال الوقت

هذا ما يحدث الآن في غرفتك؛ إذ يصير الضوء المنبعث -من الشمس أو الإنارة- في طريقه إليك ثقوبًا سوداء صغيرة جدًّا، فيتبخر الضوء، ثم يرجع حتى يصل إليك. هناك وجود وانعدام للأشياء طوال الوقت. يمكنك تخيل بحر لا نهائي من لا شيء؛ حيث تحدث تذبذبات صغيرة هنا وهناك، فتوجد وتنعدم فيه الأشياء، لكن عندما يكون هناك كمية غير منتهية من  غير شيء، فيكون هناك كثير من لا شيء، ومن المحتوم أن يحدث أمرٌ نادر جدًّا، ولذلك يمكن أن تحمل هذه التذبذبات النادرة كمية كافية من المادة والطاقة، فيستقل هذا الشيء، ويصير كونًا

إذن العدم مفهوم مجرد، ليس شيئًا يمكن أن يوجد، إن جاز التعبير

صحيح. يمكن التعبير عن الفرق أنه لو كان لدي شيء، ثم أبعدته، ينتفي؛ هذا شكل من أشكال (لا شيء)، بينما البديل مساحة خالية تمامًا، وهي في الحقيقة كتلة تغلي من الطاقة التي تتذبذب بين الوجود والعدم  تذبذبًا مطردًا، والتشبيه الذي أحب استعماله هو الرقم صفر، فتستطيع أن تخاله واحدًا ناقصًا واحدًا، فيصبح لديك صفربديهةً، لكنَّ الحقيقة أنَّ الصفر تعلوه أرقام موجبة لا تُحصى، وتدنوه أرقام سالبة لا تُحصى. عندما تركز على الصفر، ترى أنه نقطة موازنة بين لا نهائيتين تتنازعان، ونجد هذا التنازع أيضًا في الكتلة بين قوتين تلغيان بعضهما بعضًا، هذا هو الفرق بين لا شيء والصفر، أحدهما لا نهائيتين تلغيان بعضهما بعضًا، والآخر عدم

لكنَّ الفضاء الذي نتحدث عنه بعلاقته مع مجرتنا ليس مملوءًا بهذه الاحتمالات فقط، بل بالكواكب والنجوم والنيازك والمذنبات

في الواقع هذا شيء لم نفهمه بعد إن كان من الممكن تشكل أكوان أخرى، لكن لتحري الدقة كلامك صحيح؛ فكوننا برمته شرارة صغيرة اتقدت في الانفجار الكبير، لكنَّنا موجودون داخله. هذا ليس شيئًا يمكننا أن نراه من الخارج، ونقول: «أوه، هذا هو الكون»، فنحن داخله وجزء منه، ويحيط بنا من جميع الجهات. إذن، نحن جزء من هذا التذبذب الكمومي الصغير. لهذا، الذي لا شيء الذي أتينا منه كان في مكان آخر في أبعاد أخرى

من السهل رؤية جمال علم الفلك؛ لأنك تنتقل سريعًا من مراقبة نجم أو كوكب أو مذنب؛ لتتساءل عن ماهية الزمن والفضاء وما لا شيء. هل تظنٌّ علماء الفلك قادرين على نقل ما يشتغلون به نقلًا وافيًا؟ أعلم أنَّ هناك محاولات شهيرة بنقل علم الفلك، لكنني أتساءل: هل يمكن إيصال اكتشافات سليمة قائمة على براهين فنية مبنية على معادلات رياضية معقدة؟

في الحقيقة، هذا يعتمد على جمهورك. كما أوضحت، فإنَّ عملية إثبات نظرية كهذه تستوجب معرفة فنية عميقة ورياضيات معقدة وآلات دقيقة؛ فإن كنتَ تريد إثباتها لنفسك من المبادئ الأولى، فلن تكفيك حياة واحدة، ولا أحد يستطيع فعل هذا، لكنَّ هذا هو عمل المتخصصين، وما دام الناس على ثقة كافية في أنك تصف ما وقع عليه الإجماع حقًّا، وليس أفكارك الخاصة المجنونة، فمن الممكن حينها أن تنقل هذا نقلًا وافيًا، وهناك كثير من الناس الجيدين في شرح هذه المفاهيم شرحًا يجذب انتباه العامة؛ يمكنك سماعهم على الراديو طيلة الوقت، ويفعله كثير من زملائي، وهم بارعون فيه

لقد شاركتَ  منذ زمن قريب في تأليف مقالة عن حدث في علم الفلك بدا أنَّ الفلاسفة فيه تجاوزوا حدودهم في الشك فيه. هل  يمكن أن تعلق على هذا الموضوع ؟

لا بأس. الحدث الذي أشهر آينشتاين وخلد اسمه كان دليلًا لكون الزمكان متقوِّس، كما تنبأت بهذا النظرية النسبية العامة، وليس مسطحًا كما تخيله إسحق نيوتن. لقد جاء آينشتاين بهذه النظرية ونشرها في نهاية عام 1915م، ثم اختُبرت في كسوف بعدها بأربع سنوات، في 1919م، ونُشرت نتائجها في لندن في نوفمبر 1919م، أي: قبل قرن من الآن. ثم ذاع الخبر في الصحف بعدها حول العالم. هذا ما جعل آينشتاين اسمًا مشهورًا، وخلق أسطورة العبقري الباطني الذي لا يفهم أحد كتاباته

خلق هذا الحدث أسطورة العبقري الباطني الذي لا يفهم أحد كتاباته

لكن هذه التجربة جرت على يد مجموعتين، إحداهما من المرصد الملكي الذي كان حينها في لندن ببلدة غرينتش، أما الأخرى من كامبردج حيث أعمل، وقُدِّمت النتائج في تقرير واحد، ومنذ ذلك الحين، قال علماء الفيزياء وعلماء الفلك: «حسنًا، لقد أُقصي نيوتن؛ إنَّ وصف آينشتاين للطبيعة أدق في وصف حركة الضوء داخل الفضاء حين يمرُّ بجانب الشمس مما كان لدينا سابقًا». صحيح أنَّ النظرية صعبة الفهم وصعبة التقدير، ولكنَّ التجارب كشفت أنَّ هذه هي كيفية عمل الطبيعة

تعليقًا على هذا الموضوع، من المفترض أنَّ معاصريهم محصَّوا النتائج تمحيصًا؛ لأنهم انقلبوا على أعظم عالم فيزياء، وربما أعظم عالم على مرِّ التاريخ، في أمر بدا من المُسلَّمات

أحسنت. لقد كان هناك اهتمام واسع تجاه النتائج حقًّا؛ فقد تفحص كبار المهتمين هذا الموضوع ما استطاعوا تفحصًا شاملًا، وأجمعوا على صحة النتائج حينئذٍ، ولم تكن النتائج مثالية، ولكن يُعتمد عليها اعتمادًا أثبت تلك الاستنتاجات [أنَّ نظرية آينشتاين تتغلب على نظرية نيوتن حول حقيقة الزمان والمكان] بمنأى عن هذا، لم يفهم أكثر الناس النظرية النسبية العامة؛ لأنها مكتوبة بلغة رياضية جديدة نشأت في ألمانيا قبل الحرب العالمية الأولى، ولم يكن أحد تقريبًا يعرف هذه الرياضيات. استغرق العالَم وقتًا طويلًا لفهم النظرية النسبية العامة فهمًا واضحًا، ولكن في ذلك الوقت اختُبرت ومُحصِّت حتى قُبلت تلك الملاحظات والتجارب. ثمة رحلة استكشافية أمريكية كبيرة في عام 1922م حصلت على نفس النتائج مجددًا، وكانت نهاية الجدال حول النظرية. قال الناس: «حسنًا، هذا ما يفعله الضوء، وهذه طريقة تقوُّس شكل الزمكان». وكانت نتيجة لا غبار عليها

حتى جاءت سنة 1980م، عندما أعاد فيلسوفا علم مهتمان بتغيُّر النظريات العلمية وفي فلسفة العلم، وقالا: «أوه، لقد أخطؤوا؛  لأنَّ الإتيان بهذه النتائج بمقاييسهم دون لبس محال، ويبدو جليًّا أنهم زيفوها؛ إذ كانوا شديدي الحرص للحصول على هذه النتيجة، لاعتقادهم أنَّ قائد الرحلة الاستكشافية -وهو إنجليزي من دعاة السلام- يُريد أن يري الناس أنه من الممكن أن تصيب نظرية عالم ألماني بعد الحرب العالمية الأولى. كان الأمر برمته سياسيًّا ومتحيزًا»

هل قالوا: إنه زيفها حقًّا أم أنه كان منحازًا لنتيجة محددة فتعامى عن رؤية الدلائل الأخرى ؟

كلا، لم يستخدموا كلمة زيَّف، بل قالوا: إنه منحاز. وقالوا: لولا انحيازه، لرأينا نتيجة أخرى. راجت كلمة «تزييف» بعد طرح كتاب الغوليم لكاتبَيه هاري كولينز وكولين بينتش، حيث كان من الأكثر مبيعًا حول العالم، ويدور هذا الكتاب حول أمثلة عديدة عن كيف حدث العلم؟ أو لم يحدث؟ لقد بالغوا في مزاعمهم، وجعلوها تبدو حقيقة مطلقة، واستخدموا مفردة «تزييف»، وهي الآن في كل مكان. تسلسلت الكتب بعدها، وتراها في الكثير من الدراسات العلمية في التاريخ وفلسفة العلم

حقًّا؟

نعم، لقد اقتُبست مرارًا وتكرارًا، عندما أخبرني زميلي الذي قرأ هذا الكتاب أن آرثر إدينغتن زيف النتائج، تساءلت: «من أين أتى هذا الكلام؟ لقد كان إدينغتن ضليعًا في الرياضيات؛ ومن الغريب أنَّ فلاسفة علم عثروا على خطأ حسابي لم يكتشفه أحد طوال هذا الوقت». فقرأتُ مقالتهم، وعلى الفور كان جليًّا أنهم لم يفهموا أوليات علم الإحصاء. لقد خلطوا المصطلحات، ثم فشلوا في فهم الفرق بين نوعين من الأخطاء. أولهما: الأخطاء العشوائية التي تُعنى بدقة قراءتك للقياس. وثانيها: الأخطاء المنهجية، أي: دقة المقياس نفسه، كاستخدامك لمسطرة تم مطُّها

 لقد أساؤوا فهم كل هذا، ثم سألت هنا وهناك، وتعجبت أن لا أحد أشار إلى هذا مسبقًا. أنا وزميلي غودرون تاوش-بيبودي الحاصل على دكتوراة في الفلسفة الكلاسيكية والذي من حسن الحظ يتحدث بالألمانية، ألقينا نظرة؛ لنتمكن من فهم التجارب الأصلية، واكتشفنا أنهما إن سارا على النهج العلمي -كما ينبغي- فسيحصلان على النتائج نفسها. أمَّا لو أردت ابتداع طريقتك الخاصة، فلن تحصل على نتائج سليمة كالنتائج التي قدمها النهج العلمي، وخصوصًا عندما تُقدِم على قياس طبيعة الزمكان قياسًا دقيقًا؛ فتطبيق النهج العلمي والفهم السليم لعلم الإحصاء، هما طريقك الوحيد إلى الحصول على إجابة مقنعة.

ما تحاول قوله الآن أنَّ فيلسوفَي العلم هذين كان لديهما سلسلة من الانحيازات التأكيدية عن الانحيازات التأكيدية عند غيرهما، وأنت أثبت خطأهما

كان هناك جدل قائم في فلسفة العلم حول طبيعة الثورات العلمية، وكان توماس كُون معنيًّا بهذا. هل هناك تجربة علمية مطلقة تُغيِّر قناعات الناس ليقبلوا نموذجًا جديدًا أم لا؟ في العادة، العلم فوضوي؛ إذ نكتشف ببطء أنَّ بعض الأشياء لا تبدو صحيحة، وتتكاثر هذه الملاحظات حتى ينتهي بنا المطاف إلى القول: «لا، هذا ليس صحيحًا». لم تكن أكبر الاكتشافات في علم الفلك والزمكان من شخص قال «يوريكا»، بل من شخصٍ قال «كلا، هذا لا يبدو صحيحًا»

وفي العادة، هذه هو المنهج المتبع، لكن في هذه الحالة، لم يجر أحد تلك التجربة من قبل؛ إذ لم يفكَّر بها مسبقًا، فلا أحد كان يعرف ما الجدوى، لكنهم كانوا محظوظين في كسوف عام 1919م مع كثير من النجوم اللامعة في المواضع المُناسبة، وهو حدث يقع مرة كل ثلاثمئة سنة، فابتسم الحظ لهم آنذاك، لكن كانت هذه التجربة حاسمة حقًّا؛ لأنها غيرت من فهم الناس للكون

هذا هو برهان الشيء الآخر. نشر آينشتاين نفسه النتيجة الأولى لاختبار النسبية العامة؛ لأنه وجد أنَّ مسار كوكب عطارد حول الشمس لا يتوافق مع قوانين نيوتن تمامًا. يعود هذا السبب إلى أنَّ عطارد قريب جدًا من الشمس، ويستشعر بتقوُّس الزمكان من الشمس؛ لذا لا يتطابق مداره مع التوقع النيوتني. هذا الشذوذ معروف منذ زمن بعيد، وقال آينشتاين في ورقته البحثية الأصلية: «أوه، بالمناسبة: هذا يفسر حركة عطارد تفسيرًا تامًّا». ثم أردف قائلًا: «لكننا في حاجة لقياس مقدار تقوُّس الضوء بفعل الشمس». وعندما سنحت الفرصة وأثبتت التجربتان كلامه، لم يعترض الناس، ولم يهتم سوى القلة؛ إذ لم يكن هناك كثير ممن يشتغلون بالزمكان عندئذٍ، لكنَّ الرياضيون والفلاسفة والباحثون -الذين هم اليوم ميكانيكا الكم والميكانيكا العادية- فهموها

لقد أثرت فضولي. ما نوع الاستقبال الذي لُوقيت به مقالتك؟ فوفقًا لنظرية التنافر المعرفي نجد الذين أقاموا مسيرتهم المهنية على زعم أنَّ فرضية آينشتاين غير مُثبتة بتلك التجربة، ربما يظلون متمسكين بآرائهم قائلين: «حسنًا، يظهر أنَّ لك تحيزاتك أيضًا. أنت فقط عدت إلى سنة 1919م  مرة أخرى»

في الواقع فاجأتنا الردود عليها؛ إذ قالت جماعة من فلاسفة العلم: «إنكم تنفخون في قربة مثقوبة. لا نريد أن نفكر بهذا الأمر بعد الآن، وسنتجاوزه، وننساه». وقالوا: «إننا لا نهتم بما تقول؛ إذ نعلم أنَّ العلم فوضوي، والعلماء منحازون، فلسنا قلقين جدًّا حيال هذا الموضوع، وكلامك لن يغير هذا». من اللافت أنَّ بعضهم تغاضى عن مسألة ترويج الآراء المنحازة التي لا تقوم على دليل، فيما رأوه مجرد «مصادر علمية فرعية»

أما في المجتمع العلمي، فقد لاقت المقالة حفاوة كبيرة، ومنهم من قال «عظيم جدًّا؛ هذا لافت حقًّا ورائع»، ومنهم من قال: «هذا تقدم حقيقي. أخيرًا، استطاع أحدهم إثباتها. يا لبراعتك! هذه ورقة علمية أصيلة. أحسنت». ثم حصلنا على رد عجيب من مؤلفي الغوليم؛ إذ قالوا: «هذا ماتع، ومثير للاهتمام حقًّا، هذا لا يؤثر علينا ألبتة؛ لأنَّ في حوزتنا  كثير من الأمثلة التي بمقدورنا توظيفها؛ فبإمكاننا إزالة هذا المثال من الكتاب ووضع مثال جديد». هذا مثال على قوة المفاهيم المسبقة على المرء، وكأنه يقول: «أنا واثق أنني أعرف الإجابة، وفي جعبتي كثير من الأمثلة، وسأظل أبحث عن أمثلة أخرى حتى أصل إلى المناسب منها»

هذا مثال رائع على الاستخدام الانتقائي للأدلة، وهذا أمر يتحدث فيه العلماء كثيرًا، أليس كذلك؟ فالانتقاء هو كل شيء في بعض السياقات العلمية

بلى، إنك على حق

لإثبات فرضية أنَّ كل ما ينبغي لك هو إيجاد تجارب تقوي من فرضيتك حينها تكون مستعدًّا

بالضبط أن تعثر على الأمثلة المناسبة؛ إنَّ العبرة أن تعي انحيازاتك، أو على الأقل أن تدرك إمكانية وجود انحيازيات عندك... وهذا ما فعلناه. يركز الإحصاء البايزي على حساب هذا موضوعيًّا

إنَّ العبرة أن تعي انحيازاتك، أو على الأقل أن تدرك إمكانية وجود انحيازيات عندك

يوجد سؤال أخير: عندما تحدق في النجوم الآن -لا أعني بمنظار ولا أي وسيط- عندما تحدق إلى أعلى، ماذا تشعر؟

قضيتُ سنوات عديدة من عمري على أعالي الجبال في برد قارس أدرسُ النجوم. إنَّ جمع البيانات عمل شاق

لكن بعد هذه السنين الطوال، بل عمرٍ  كامل، كل ما يمكنني أن أقوله: «واو». لقد كان كانط مُحقًّا.

مقالات ذات صلة