القائمة الرئيسية

لماذا قد تكون موجة التقاعد فرصة الحكومات الكبرى لاحتضان الذكاء الاصطناعي؟

لماذا قد تكون موجة التقاعد فرصة الحكومات الكبرى لاحتضان الذكاء الاصطناعي؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن لموجة تقاعد الموظفين الحكوميين أن تتحول إلى فرصة استراتيجية لإحداث ثورة في القطاع العام بفضل الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن تشكل تحدياً يهدد استمرارية الخدمات. وتسلط الضوء على إمكانية استغلال هذا التحول الديموغرافي لإعادة تصميم الوظائف وأتمتة المهام الروتينية، وتحسين الإنتاجية والحفاظ على المعرفة المؤسسية، دون اللجوء إلى تسريح الموظفين أو المساس بأهمية الدور البشري. فهل يصبح التقاعد المفتاح لإعادة ابتكار الحكومات وبناء إدارات أكثر ذكاءً وكفاءة واستعداداً للمستقبل؟

  • بينما يتركز النقاش حول الذكاء الاصطناعي والعمل عادةً على مسألة إزاحة الوظائف، فقد لا يكون هذا هو المنظور الأنسب عندما يتعلق الأمر بالحكومات والقطاع العام.
  • مع تقاعد الموظفين العموميين، هل ينبغي للحكومات أن تستبدل تلقائياً كل موظف يغادر، أم أن الأجدى هو إعادة تصميم العمل نفسه بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي؟
  • قد يشكل التناقص الطبيعي في أعداد الموظفين فرصة مثالية لإعادة تصميم المؤسسات من خلال تبني الذكاء الاصطناعي، بدلاً من إعادة إنتاج الهياكل نفسها كما هي.

يميل النقاش حول الذكاء الاصطناعي والعمل إلى التركيز على سؤال مألوف: ما الوظائف التي سيحل الذكاء الاصطناعي محلها؟ لكن عندما يتعلق الأمر بالحكومات والقطاع العام، فقد لا يكون هذا هو السؤال الصحيح الذي ينبغي الانطلاق منه.

هناك سؤال أكثر فائدة بدأ يبرز انطلاقاً من واقع ديموغرافي أصبح واضحاً بالفعل في العديد من البلدان: مع تقاعد الموظفين العموميين، هل ينبغي للحكومات أن تستبدل كل موظف يغادر بشكل تلقائي، أم ينبغي لها أولاً إعادة تصميم طبيعة العمل نفسه؟

وفقاً لتقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «الحكومة في لمحة 2025»، كان 27.1% من العاملين في الإدارات المركزية في دول المنظمة يبلغون من العمر 55 عاماً أو أكثر في عام 2023، مقارنة بـ19.1% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً.

وفي اليونان وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا، تجاوزت نسبة من تبلغ أعمارهم 55 عاماً أو أكثر 40% من القوى العاملة في الحكومة المركزية. ولا تقتصر المخاطر على عدد الأشخاص الذين قد يغادرون وظائفهم خلال السنوات المقبلة، إذ يشغل العاملون الذين تبلغ أعمارهم 55 عاماً فما فوق، في المتوسط، 42% من المناصب الإدارية العليا في الإدارات المركزية بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يعني أن التقاعد قد يؤدي أيضاً إلى فقدان عقود من المعرفة المؤسسية المتراكمة.

ويحدث هذا التحول في القوى العاملة في وقت تشهد فيه المجتمعات التي تخدمها الحكومات بدورها ارتفاعاً في متوسط الأعمار. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ترتفع نسبة إعالة كبار السن في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من نحو 33 شخصاً مسناً لكل 100 شخص في سن العمل عام 2025 إلى 52 شخصاً بحلول عام 2050، كما يقدر أن شيخوخة السكان قد تزيد الإنفاق العام على المعاشات التقاعدية والرعاية الصحية بنحو 3% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الخمس والعشرين المقبلة.

وبالتالي، سيُطلب من الحكومات تقديم مزيد من الخدمات لمجتمعات تتجه نحو الشيخوخة، في الوقت الذي تقترب فيه نسبة كبيرة من موظفيها من سن التقاعد، بينما يصبح إيجاد الحيز المالي اللازم للإنفاق أكثر صعوبة.

إعادة تصميم المؤسسات الحكومية مع تقاعد القوى العاملة

هنا يغير الذكاء الاصطناعي المعادلة، ليس باعتباره ذريعة لتسريح أعداد كبيرة من الموظفين، وإنما من خلال استخدام التناقص الطبيعي في القوى العاملة باعتباره فرصة لإعادة تصميم المؤسسات قبل إعادة إنتاج الهياكل والأدوار نفسها بشكل تلقائي.

وقد بدأت الأدلة توضح ما يمكن أن يعنيه ذلك عملياً. ففي عام 2025، نشرت هيئة الخدمات الرقمية الحكومية في المملكة المتحدة نتائج تجربة شارك فيها 20 ألف موظف حكومي من 12 مؤسسة استخدموا أداة Microsoft 365 Copilot.

وأفاد المشاركون بأنهم وفروا في المتوسط 26 دقيقة يومياً، أي ما يعادل نحو 13 يوم عمل في السنة، وقال أكثر من 70% منهم إن الأداة قللت الوقت الذي يقضونه في البحث عن المعلومات وإنجاز المهام الروتينية، وزادت في المقابل الوقت المتاح للأنشطة ذات الطابع الاستراتيجي.

وفي تقييم لاحق أجرته وزارة العمل والمعاشات البريطانية وشمل أكثر من 3,500 موظف، مع استخدام مجموعة للمقارنة وتحليل اقتصادي قياسي، قُدرت وفورات الوقت بمتوسط 19 دقيقة يومياً في المهام الروتينية، مع تسجيل بعض أكبر المكاسب في البحث عن المعلومات وكتابة رسائل البريد الإلكتروني. ولا تقيس هذه النتائج مدى استبدال الوظائف، لكنها توضح أن أجزاءً من العمل في القطاع العام يمكن بالفعل تنفيذها بطرق مختلفة.

وتشير أبحاث معهد آلان تورينغ إلى الاتجاه نفسه. فباستخدام بيانات حول كيفية استخدام الوقت في القطاع العام البريطاني، قدر الباحثون أن نحو 41% من وقت العمل في القطاع العام يُقضى في أنشطة يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي دعمها، وترتفع النسبة إلى 47% بين الموظفين الذين لا يعملون في الخطوط الأمامية، بينما تنخفض إلى 38% لدى العاملين في الخطوط الأمامية.

وهذا التمييز مهم، لأن كون مهمة ما مناسبة لدعم الذكاء الاصطناعي لا يعني أن الشخص الذي يؤديها أصبح زائداً عن الحاجة. بل يعني أن الحكومات تستطيع البدء في الفصل بين الأعمال التي تتطلب الحكم البشري والتعاطف والتقدير وتحمل المسؤولية، وبين الأعمال التي تقوم إلى حد كبير على البحث والتحقق والصياغة والتصنيف ونقل المعلومات عبر مراحل الإجراءات المختلفة.

ويكتسب هذا التحول في المنظور أهمية خاصة لأن الوحدة الأساسية للأتمتة قد تصبح بصورة متزايدة «المهمة» وليس «الوظيفة».

وقد شاهدت هذا التحول بشكل مباشر في مدينة نيتيروي بالبرازيل، حيث تستخدم البلدية طبقة الذكاء الاصطناعي الحكومية التابعة لشركة Colab في عملية التسجيل المسبق في المدارس. ومن بين 14,985 طلباً تمت معالجتها عبر خدمات تستخدم الذكاء الاصطناعي، أجرى النظام 11,733 عملية تحليل للوثائق، بما في ذلك مستندات إثبات الإقامة والتقارير الطبية.

وفي الخدمات الثلاث التي تعتمد مخرجات موحدة، قدم الذكاء الاصطناعي تصنيفاً حاسماً في 8,759 حالة من أصل 10,908 عمليات تحليل، أي بنسبة 80.3%، وحدد ما إذا كانت الوثائق تستوفي المتطلبات المحددة لكل خدمة.

ولا تزال المراجعة البشرية والخطوات الإدارية جزءاً من سير العمل، لكن دلالة ذلك أصبحت واضحة بالفعل: فالذكاء الاصطناعي لا يساعد الموظفين العموميين على العمل بشكل أسرع فحسب، بل بدأ أيضاً في تنفيذ أجزاء من العمل الإداري نفسه.

وإذا افترضنا أن كل تصنيف حاسم كان سيستغرق أربع دقائق من العمل اليدوي، فإن هذا الحجم من العمليات يعادل نحو 584 ساعة من وقت الموظفين، ويقدم مثالاً ملموساً على كيفية مساهمة الأتمتة على مستوى المهام في استيعاب جزء من عبء العمل الذي كان سيتعين على الحكومات إعادة توفير الموارد البشرية اللازمة له مع تقاعد الموظفين.

نموذج مختلف لأتمتة القطاع العام

يشير ذلك إلى نموذج مختلف لأتمتة القطاع العام، يمكن وصفه بأنه «الأتمتة المدفوعة بالتناقص الطبيعي للقوى العاملة».

لنتخيل مؤسسة يعمل فيها 100 شخص يؤدون مزيجاً من المهام، مثل معالجة الملفات، ومراجعة الوثائق، والبحث في قواعد البيانات، والصياغة، والتحقق، والتواصل مع المواطنين.

إذا تقاعد 20 موظفاً على مدى عدة سنوات، فإن الافتراض التقليدي هو الحاجة إلى توظيف 20 شخصاً ليحلوا محلهم. أما النهج المختلف فيبدأ أولاً بدراسة الأعمال التي كان هؤلاء الموظفون يؤدونها، وتحديد الأجزاء التي يمكن أتمتتها أو تعزيزها بالتكنولوجيا، والإبقاء على المراجعة البشرية عندما تكون للقرارات عواقب مهمة، ثم تحديد القدرات التي تحتاج المؤسسة بالفعل إلى إعادة توظيفها.

وقد تكون النتيجة أن المؤسسة لا تزال بحاجة إلى 20 شخصاً، لكنها قد تحتاج إلى 15 أو 10 فقط. وربما يكون من الأفضل إعادة توجيه الميزانية نفسها نحو توظيف ممرضين أو معلمين أو مفتشين أو أخصائيين اجتماعيين أو غيرهم من أصحاب الوظائف التي لا تزال القدرات البشرية فيها محدودة ومطلوبة بشدة.

ولا ينبغي أن يكون الهدف هو خفض عدد الموظفين باعتباره غاية في حد ذاته، وإنما تخصيص الجهد البشري بطريقة أكثر وعياً وتخطيطاً.

وقد يساعد التحول نفسه الحكومات أيضاً على معالجة مشكلة فقدان الذاكرة المؤسسية المصاحبة للتقاعد. فكثيراً ما يحمل الموظفون العموميون ذوو الخبرة معرفة واسعة بالإجراءات والاستثناءات والقواعد والممارسات غير الرسمية التي لم يجر توثيقها بشكل كامل.

ويمكن للحكومات استغلال الفترة التي تسبق مغادرة هؤلاء الموظفين لالتقاط هذه المعرفة وتوثيقها، وإعادة تصميم مسارات العمل، وبناء أنظمة تجعل تلك المعرفة متاحة للجيل المقبل من الموظفين العموميين.

وبهذا المعنى، يمكن للذكاء الاصطناعي ألا يكون مجرد أداة لزيادة الإنتاجية، بل أن يصبح أيضاً جزءاً من استراتيجية مدروسة لتعاقب الموظفين ونقل الخبرات، تساعد المؤسسات على الاحتفاظ بقدراتها حتى مع تغير الأشخاص الذين يعملون فيها.

المساءلة تظل أساسية في أي عملية لإعادة التنظيم

لا يلغي أي من ذلك الحاجة إلى ضمانات وضوابط. فاستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام يتطلب وضوحاً في المساءلة، وإمكانية التدقيق والمراجعة، والأمن، وإمكانية الاعتراض على القرارات، والإشراف البشري، خصوصاً عندما تؤثر القرارات على الحقوق أو المزايا أو إمكانية الوصول إلى الخدمات.

كما أن أتمتة عملية سيئة التصميم قد لا تؤدي إلا إلى تسريع البيروقراطية السيئة. ولذلك ينبغي أن يكون الهدف هو إعادة تصميم العمل قبل أتمتته، مع التحديد الواضح للمجالات التي يجب أن يظل فيها الحكم البشري عنصراً محورياً.

موجة التقاعد قادمة سواء كانت الحكومات مستعدة لها تكنولوجياً أم لا. وبدلاً من إعادة إنشاء البيروقراطية الحالية موظفاً بعد آخر مع كل حالة تقاعد، يمكن للحكومات استخدام التناقص الطبيعي في القوى العاملة لإعادة التفكير في كيفية تنظيم العمل الإداري، والمهام التي يمكن تنفيذها بطرق مختلفة، والمجالات التي يضيف فيها الحكم البشري أكبر قيمة.

ومن ثم، قد لا يبدأ أهم تحول في القوى العاملة سيحدثه الذكاء الاصطناعي داخل الحكومات بعملية تسريح للموظفين، بل بعملية تقاعد.

المصدر

مقالات ذات صلة