تتخلف الشركات الأوروبية الرائدة عن نظيراتها الأمريكية بفارق كبير بسبب قوانين العمل التقييدية.
خلال العقود الأخيرة، تراجعت أوروبا عن الولايات المتحدة. ففي عام 2000، كانت دخول الدول الست المؤسسة للاتحاد الأوروبي أقل من دخول الأمريكيين بنحو 10 في المئة فقط. أما اليوم، فقد اتسعت الفجوة لتصل إلى 20 في المئة. ويُعد ضعف الابتكار في الشركات الأوروبية أحد العوامل التي تقف وراء هذا التراجع. وإلى حد لافت، تفتقر أوروبا إلى عمالقة التكنولوجيا مثل جوجل وميتا وأمازون. لكن حتى في الصناعات التي تفوقت فيها تقليديًا، مثل صناعة السيارات، لم تتمكن أوروبا من مواكبة التقدم. فقد أصبحت القيمة السوقية لشركة تسلا اليوم أكبر من القيمة السوقية لتسع من أكبر شركات صناعة السيارات في العالم مجتمعة. كما باتت سيارات الأجرة ذاتية القيادة التي تصنعها شركة وايمو تعمل في ست مدن أمريكية. ومن المهم فهم أسباب افتقار أوروبا إلى شركة مثل جوجل، لكن فهم أسباب افتقارها إلى شركة مثل تسلا مسألة تتعلق بمستقبلها الاقتصادي ووجودها الصناعي.
هناك تفسيرات جزئية عديدة لهذه المشكلة، منها ارتفاع أسعار الطاقة، وغلاء المساكن، والمبالغة في الإجراءات البيروقراطية، وارتفاع الضرائب، ونفوذ جماعات المصالح التي تسعى إلى استخلاص المكاسب على حساب الآخرين، والسياسيون الذين يميلون إلى تبني سياسات تقليص النمو الاقتصادي. لكن جميع هذه المشكلات موجودة أيضًا في كاليفورنيا، ومع ذلك فهي موطن شركة وايمو، كما أنها شهدت نشأة تسلا قبل أن تنقل الشركة مقرها الرئيسي إلى تكساس عام 2021. وكثيرًا ما تُعزى المشكلة إلى ضعف الإنفاق الأوروبي على البحث العلمي، غير أن الحكومات الأوروبية تنفق على البحث والتطوير أكثر مما تنفقه الحكومات الأمريكية. ولا توجد على مستوى العالم سوى سبع شركات تنفق سنويًا على البحث والتطوير أكثر مما تنفقه فولكس فاجن، وهي جوجل وآبل وأمازون وميتا ومايكروسوفت وسامسونج وهواوي.
لكن العامل الذي يميز أوروبا فعلًا عن ولايات مثل كاليفورنيا مختلف عن ذلك كله. فمقارنةً بمستويات الدخل، تتحمل الشركات الكبرى تكلفة فصل الموظفين الألمان والفرنسيين تزيد بأربعة أضعاف على تكلفة فصل الموظفين الأمريكيين، ويعود هذا الفارق بالكامل إلى اختلاف النهج التنظيمي. ونتيجة لذلك، نادرًا ما يحدث الفصل من العمل في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة، إذ تزيد احتمالات تعرض الأمريكيين للفصل من العمل على احتمالات تعرض الألمان له بعشرة أضعاف في أي سنة معينة. ومن هذه الناحية، يختلف الاقتصاد الأوروبي اختلافًا كبيرًا عن الاقتصاد الأمريكي. فوفقًا للمعايير الأمريكية، لا بد أن تكون الشركة الأوروبية واثقة بدرجة استثنائية من رغبتها في الاحتفاظ بالموظف مدة طويلة قبل أن تقدم على توظيفه.
قد يبدو ذلك ميزة كبيرة للحياة في أوروبا، وهو كذلك من بعض النواحي. لكنه ينطوي على تكاليف. فإذا كان فصل الموظفين مكلفًا، فقد تضطر الشركات إلى دفع أجور أقل لتحقيق التوازن في تكاليف التوظيف، أو قد تحجم عن توظيفهم من الأساس. غير أن هناك أثرًا ثالثًا أكثر أهمية لفهم فجوة الابتكار. فعندما يكون الاستغناء عن الموظفين مكلفًا، يتجنب أصحاب العمل إنشاء وظائف قد يضطرون إلى إلغائها لاحقًا. والابتكار بطبيعته ينطوي على التجربة والمخاطرة، ولذلك تكون الوظائف في القطاعات المبتكرة من الاقتصاد أكثر عرضة للإلغاء من الوظائف في القطاعات الأخرى. وهكذا، تؤدي تكاليف التعويضات المرتفعة عند إنهاء الخدمة إلى خلق حافز أساسي يدفع الشركات الأوروبية إلى الابتعاد عن المجالات المبتكرة والتركيز على المجالات الآمنة التي لا تتغير كثيرًا. وعلى المدى الطويل، تمثل هذه المعادلة وصفة للتراجع.
يتمسك الأوروبيون بوظائفهم المستقرة، وهذا أمر مفهوم. لكن ربما يكون بإمكانهم الحصول على معظم مزايا النموذج الأمريكي دون تبنيه بالكامل. فقد اعتمدت بعض الاقتصادات الأوروبية الأصغر نماذج تُعرف باسم «المرونة والأمان الوظيفي»، وهي نماذج تحمي المواطنين من انعدام الأمان الاقتصادي دون أن تثبط الابتكار. ويتطلب إنشاء شركة تسلا أوروبية إصلاحًا مؤسسيًا، لكنه لا يستلزم التخلي عن أهم ما يقدره الأوروبيون في منظومتهم التنظيمية.
تكاليف الإخفاق
ترتكب جميع الشركات أخطاءً. وغالبًا ما يتطلب التخلص من آثار هذه الإخفاقات التخلي عن أصول مادية، مثل شطب الاستثمارات من الدفاتر وإنهاء عقود استئجار المصانع. لكن الجزء الأكبر من تكاليف الإخفاق لدى كثير من الشركات ينشأ من الاستغناء عن الموظفين. وتكون هذه المدفوعات مرتفعة حتى في البلدان التي تتبنى قواعد عمل قائمة على حرية السوق، مثل الولايات المتحدة. فعندما أعادت جوجل هيكلة أعمالها عام 2023، أنفقت 2.1 مليار دولار لتسريح 12 ألف موظف، أي نحو 175 ألف دولار لكل موظف. أما ثاني أكبر نفقاتها، وهي تكاليف إنهاء عقود استئجار المكاتب، فقد بلغت 1.8 مليار دولار.
ومهما بلغت تكلفة الفصل من العمل في الولايات المتحدة، فإنها أعلى بكثير في أوروبا. وتُعد تشريعات سوق العمل الأمريكية متحررة وفقًا للمعايير العالمية. وتميل الولايات الأمريكية إلى الاعتراف بثلاثة استثناءات من مبدأ التوظيف القائم على الإرادة الحرة، الذي يسمح بإنهاء علاقة العمل دون الحاجة إلى إبداء سبب محدد. ويتمثل الاستثناء الأول في استثناء السياسة العامة، الذي يمنع فصل الموظفين بسبب قيامهم بواجبات عامة، مثل المثول أمام هيئة المحلفين. أما الاستثناء الثاني فهو استثناء العقد الضمني، الذي يمنع الفصل إذا وُجد اتفاق ضمني بين الطرفين يحد من حق صاحب العمل في إنهاء الخدمة. ويتمثل الاستثناء الثالث في استثناء حسن النية، الذي يمنع صاحب العمل من فصل الموظف بغرض التهرب من التزام جديد، مثل استحقاق أسهم الموظف التي أوشك موعد اكتسابها على الحلول. وباستثناء هذه القيود والقيود التي تفرضها قوانين مكافحة التمييز، يستطيع صاحب العمل الأمريكي عادة إنهاء خدمة الموظف فورًا، دون الحاجة إلى تقديم أي سبب.
يقدم بعض أصحاب العمل الأمريكيين حزم تعويضات سخية عند الاستغناء عن الموظفين، مثلما فعلت جوجل في المثال السابق. لكن ذلك يحدث لأن الشركات الأمريكية ترغب في الحصول على تنازلات مقابل هذه التعويضات، مثل اتفاقيات عدم الإفصاح واتفاقيات التحكيم، فضلًا عن رغبتها في الظهور بمظهر أكثر جاذبية أمام المرشحين المحتملين للوظائف. ولا تفرض وزارة العمل الأمريكية، ولا معظم حكومات الولايات، هذه التعويضات فعليًا.
أما في معظم البلدان الأوروبية، فالوضع على النقيض من ذلك. إذ ينص القانون في كثير من الأحيان على دفع تعويضات نهاية الخدمة، وتكون قيمتها أعلى بكثير مما هي عليه في الولايات المتحدة. ففي ألمانيا، يحق للموظف الذي يُفصل فصلًا قانونيًا لأسباب تتعلق باحتياجات الشركة الحصول على تعويض يعادل أجر 15 يومًا عن كل سنة قضاها في العمل لدى صاحب العمل.
لكن حتى الوصول إلى مرحلة دفع هذه التعويضات قد يمثل تحديًا لأصحاب العمل الألمان. فبموجب قانون الحماية من الفصل، المعروف باسم «كونديغونغشوتسغيزيْتس» (Kündigungsschutzgesetz)، يجب أن تخضع عمليات الاستغناء عن أكثر من عشرة موظفين لاختبار الاختيار الاجتماعي، المعروف باسم «سوتسيال أوسفال» (Sozialauswahl). ولا يستطيع أصحاب العمل اختيار الموظفين الذين سيغادرون بحرية، بل يتعين عليهم ترتيب الموظفين وفقًا لأعمارهم، وعدد سنوات خدمتهم، والتزاماتهم بإعالة أسرهم، ودرجة إعاقتهم، ثم إعطاء الأولوية لفصل الموظفين الذين يتمتعون بأضعف مبررات اجتماعية للاحتفاظ بوظائفهم. وإذا فُصل موظف لأسباب تشغيلية، بينما أعلنت الشركة عن وظيفة مشابهة في موقع آخر، فعادة ما يُعد الفصل غير قانوني.
ولا يجوز فصل الموظفين ذوي الإعاقة إلا بعد الحصول على موافقة مكتب الاندماج، وهو هيئة عامة تُعرف باسم «إنتغراتسيونزامْت» (Integrationsamt). ويقيّم المكتب الأسباب التي يقدمها صاحب العمل، ومدى اتخاذه التدابير الكافية لدمج الموظف في بيئة العمل، وإمكانية نقله إلى وظيفة أخرى داخل المؤسسة. أما الموظفون الذين يصبحون مسؤولين عن رعاية أشخاص آخرين، فلا يجوز فصلهم مطلقًا لمدة تصل إلى عامين كاملين بعد إبلاغ رؤسائهم بأنهم يؤدون هذا الدور.
وتزداد هذه الصعوبات كلما كبرت الشركة وحاولت الاستغناء عن عدد أكبر من الموظفين في الوقت نفسه. ففي كثير من البلدان الأوروبية، تُلزم الشركات التي يتجاوز عدد موظفيها حدًا معينًا، يبلغ 50 موظفًا في هولندا وخمسة موظفين في ألمانيا، بإنشاء مجلس عمالي يمثل الموظفين. وفي بعض البلدان، يجب أن يوافق هذا المجلس على القرارات التي يرغب صاحب العمل في اتخاذها بشأن الموظفين، بما في ذلك عمليات التسريح والزيادات في الأجور أو تخفيضها.
وقد حالت المجالس العمالية دون تنفيذ بعض التغييرات في أكبر الشركات الأوروبية. ففي عام 2024، عرقل المجلس العمالي لشركة فولكس فاجن خطة الشركة لخفض التكاليف من خلال إغلاق ثلاثة مصانع في ألمانيا. وبعد أن نظم اتحاد العاملين في الشركة ما يُعرف باسم «الإضرابات التحذيرية»، وافقت فولكس فاجن على إبقاء مصانعها مفتوحة وتعليق عمليات التسريح الإجباري حتى عام 2030.
وحتى عندما يُسمح للشركات بفصل الموظفين وتكون قادرة على تحمل تكاليف التعويضات، فإنها تظل مضطرة إلى الانتظار ودفع رسوم إضافية. ففي ألمانيا، تبدأ إجراءات الفصل الجماعي عندما تتجاوز حالات مغادرة الموظفين 30 حالة خلال شهر واحد. وبمجرد تفعيل هذه الإجراءات، تصبح الشركة ملزمة بإجراء مفاوضات إضافية مع المجلس العمالي، والالتزام بفترة انتظار، ووضع «خطة اجتماعية» تتضمن تعويضات إضافية للموظفين المغادرين. وعندما أغلقت شركة أوبل مصنعها في مدينة بوخوم الألمانية، توصلت إلى اتفاق مع المجلس العمالي لإنفاق 552 مليون يورو على تعويضات نهاية الخدمة لنحو 3300 موظف متضرر. وشمل الاتفاق مدفوعات فردية تصل إلى 250 ألف يورو، إلى جانب خطة بقيمة 60 مليون يورو لمساعدة الموظفين في العثور على وظائف جديدة.
ويشترط القانون الفرنسي الحصول على موافقة جهة تنظيمية خاصة، إلى جانب مراجعة المجلس العمالي خلال اجتماعين يمتدان على مدى عدة أشهر، قبل تنفيذ أي عملية إعادة هيكلة تشمل أكثر من عشرة موظفين خلال شهر واحد، حتى لو كانوا يعملون في أقسام مختلفة من الشركة. ولا يُسمح بتنفيذ هذه العملية إلا بعد محاولة جادة وبحسن نية لحماية وظائف الموظفين المعنيين، وذلك من خلال السعي إلى توفير وظائف أخرى لهم داخل الشركة، أو إبقائهم على أساس الدوام الجزئي، أو تشجيع شركات أخرى على توظيفهم. ولإثبات أن الأوضاع المالية تبرر عمليات التسريح، تلجأ الشركات الفرنسية في كثير من الأحيان إلى تجميد التوظيف على مستوى الشركة بأكملها عندما تستغني عن موظفين في أحد أقسامها.
وإذا قررت المحكمة أن الوضع المالي للشركة التي سرحت موظفين لم يكن يبرر الاستغناء عنهم، فإنها تملك صلاحية إعادة تصنيف حالات الفصل باعتبارها حالات فصل تعسفي، وفرض تعويضات أعلى بوصفها غرامة. وقد حاولت شركة كونتيننتال لصناعة الإطارات تقليص عدد موظفيها في فرنسا خلال الأزمة المالية، لكن المحكمة خلصت إلى «غياب مبرر اقتصادي للفصل في ضوء الوضع العام ونتائج مجموعة كونتيننتال العالمية». وأُلزمت الشركة بدفع تعويضات تصل إلى ما يعادل رواتب ثلاث سنوات للموظفين البالغ عددهم 680 موظفًا.
وتفرض هذه القواعد مجتمعة، بما فيها تعويضات نهاية الخدمة، وفترات التفاوض، والمجالس العمالية، واتفاقيات شراء عقود العمل، وفترات الانتظار، تكاليف مرتفعة على الشركات الأوروبية التي تحاول الاستغناء عن موظفيها. وتبلغ تكاليف إعادة الهيكلة حدًا يجعل الشركات تلجأ في كثير من الأحيان إلى تقديم حوافز مالية لموظفيها كي يغادروا طواعية. ففي عام 2023، عرضت أمازون على موظفيها في فرنسا رواتب سنة كاملة مقابل المغادرة الطوعية، حتى لا تضطر إلى فصلهم والخضوع لإجراءات إعادة الهيكلة القانونية. وفي عام 2024، عرضت شركة باير الألمانية للصناعات الكيميائية على الموظفين الذين أمضوا سنوات طويلة في العمل لديها تعويضات تعادل رواتب 52.5 شهرًا، أي أكثر من أربع سنوات، مقابل الاستقالة.
ووفقًا لتقدير تقريبي أعده أوليفييه كوست ويان كوتانليم، فإن إعادة هيكلة الشركات تكلف ما يعادل رواتب 31 شهرًا عن كل موظف يُستغنى عنه في ألمانيا، و38 شهرًا في فرنسا، عند جمع جميع التكاليف المذكورة. وترتفع هذه التكلفة إلى 52 شهرًا في إيطاليا، و62 شهرًا في إسبانيا. أما في الولايات المتحدة، فلا تتجاوز التكلفة سبعة أشهر من راتب الموظف الواحد.
ومن المفهوم على نطاق واسع أن قوانين العمل التقييدية في أوروبا تنطوي على مفاضلات، إذ توفر للموظفين قدرًا إضافيًا من الأمان مقابل فرض قيود على أصحاب العمل. وتقول الرواية التقليدية إن هذه القواعد تؤدي إلى انخفاض الأجور عندما يستطيع أصحاب العمل التفاوض مباشرة مع الموظفين الأفراد، أو إلى انخفاض مستويات التوظيف عندما تضطر الشركات إلى التفاوض مع الموظفين بصورة جماعية، ولا تستطيع ببساطة احتساب تكلفة الفصل ضمن الأجور. لكن الركود الأوروبي، ولا سيما في شمال القارة، لم يعد في المقام الأول مشكلة تتعلق بالبطالة. ففي منطقة اليورو، يعمل نحو 71 شخصًا من كل 100 شخص في سن العمل، وهي نسبة تكاد تماثل النسبة في الولايات المتحدة، حيث يعمل نحو 72 شخصًا من كل 100 شخص في سن العمل.
وبدلًا من تقليص التوظيف استجابة لارتفاع تكلفة الفصل، أعادت الشركات الأوروبية توجيه أنشطتها بعيدًا عن المجالات التي يُرجح أن تضطر فيها إلى تسريح الموظفين. وبالنسبة إلى العاملين الأوروبيين، أصبحت الأولوية هي الحصول على عمل مستقر ومضمون. وينجح هذا النهج في فترات ضعف الابتكار، أو عندما يحدث الابتكار بصورة تدريجية. لكن القارة الأوروبية غير مهيأة جيدًا لمراحل التجريب الواسع والمخاطرة الكبيرة.
الأعمال المحفوفة بالمخاطر
تطلب تطوير السيارات ذاتية القيادة المرور بتجارب إخفاق عديدة. فقد أنفقت آبل 10 مليارات دولار على مشروعها لتطوير سيارة ذاتية القيادة قبل أن تتخلى عنه، من دون أن تنقل سيارة واحدة عميلًا يدفع مقابل الخدمة. وفي عام 2016، استحوذت جنرال موتورز على شركة كروز، المتخصصة في سيارات الأجرة ذاتية القيادة، مقابل مليار دولار، لكنها أغلقتها في عام 2024. ولم تتجاوز قيمة الرحلات التي باعتها الشركة 102 مليون دولار في عام 2023، بينما تكبدت خسائر بلغت 3.4 مليار دولار في العام نفسه.
لكن مثل هذه الإخفاقات لا يمكن تجنبها عند السعي إلى تحقيق ابتكارات ناجحة. إذ يُقدّر أن شركة وايمو تستحوذ على خُمس سوق خدمات النقل عبر التطبيقات في سان فرانسيسكو، وكانت تنقل، حتى أبريل 2025، ربع مليون راكب أسبوعيًا في خمس مدن. أما أوبر وليفت، اللتان أوقفتا مشروعاتهما للسيارات ذاتية القيادة في عامي 2020 و2021 بعد سنوات من الخسائر، فقد دخلتا في شراكات مع شركتي وايف وبايدو لتقديم بدائل ذاتية القيادة تنافس خدمات وايمو وسيارة الأجرة الروبوتية التي تطورها تسلا، والمعروفة باسم «سايبركاب».
تتشابه المكاسب المحتملة من نجاح هذه الاستثمارات بالنسبة إلى الشركات الأمريكية والأوروبية. لكن الخسائر المحتملة الناجمة عن إخفاقها أكبر بكثير بالنسبة إلى الشركات الأوروبية. فإلى جانب خسارة الأموال المستثمرة، تواجه كثير من الشركات الأوروبية تكاليف كبيرة لتعويض الموظفين الذين تستغني عنهم، ومفاوضات مع ممثلي العمال، ومتطلبات لنقل الموظفين الذين لم تعد تحتاج إليهم إلى وظائف أخرى داخل الشركة، فضلًا عن ضرورة الحصول على موافقة الجهات التنظيمية على عمليات التسريح.
في عام 2018، أطلقت أودي سيارة «كيو 8 إي ترون»، وهي سيارة رياضية متعددة الاستخدامات تعمل بالكهرباء بالكامل. ولم يكن هذا المشروع في حد ذاته رهانًا جريئًا بصورة استثنائية، إذ أعلنت بورشه وجاغوار وبي إم دبليو وفولكس فاجن جميعها عن طرازات كهربائية رئيسية في العام نفسه.
لكن مبيعات إي ترون جاءت ضعيفة، فأُوقف إنتاجها في عام 2024. وكان من المقرر إغلاق المصنع الذي تُنتج فيه السيارة، وهو مصنع أودي في بروكسل. غير أن أودي لم تستطع ببساطة شطب قيمة المصنع والتخلي عنه، كما كانت ستفعل شركة أمريكية، بل اضطرت إلى وضع خطة ضخمة لتعويض الموظفين المغادرين. وبعد أشهر من المفاوضات، وافقت أودي على إنفاق 610 ملايين يورو على تعويضات نهاية الخدمة، أي ما يزيد على 200 ألف يورو لكل موظف. وقد تجاوزت المدفوعات المقدمة للموظفين ضعف تكاليف إغلاق مصنع السيارات، إذ فاقت تكلفة شطب جميع أصول المصنع.
وربما يتضح في نهاية المطاف أن تطوير سيارة رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية فاخرة كان فكرة جيدة، وربما تكون أودي هي الشركة القادرة على إنتاج أفضل سيارة من هذا النوع. لكن مسؤولي أودي التنفيذيين استوعبوا الدرس. فقد أشاروا إلى أن أي طراز مستقبلي من إي ترون سيُصنع في مصنع بالمكسيك.
وتدفع تكاليف الإخفاق بعض الشركات الأوروبية إلى محاولة تجنب الابتكار من الأساس. فعلى مدى سنوات، رفضت صناعة السيارات الألمانية الاعتراف بأن مستقبل السيارات التقليدية التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي أصبح مهددًا. وفي عام 2013، استبعد مارتن فينتركورن، الرئيس التنفيذي لفولكس فاجن آنذاك، فكرة أن تكون السيارات الكهربائية مناسبة للسفر لمسافات طويلة. وبدلًا من النظر إلى هذا القصور بوصفه مشكلة مؤقتة يمكن حلها يومًا ما من خلال تطوير بطاريات أفضل أو توسيع البنية التحتية لمحطات الشحن، تجاهلت الشركة السيارات الكهربائية طوال السنوات الخمس التالية.
وبعد سنوات من التأخير، قررت فولكس فاجن تغيير مسارها بالفعل. ففي أكتوبر 2018، توقع رئيسها التنفيذي الجديد هربرت ديس أن تتمكن الشركة بحلول عام 2020 من إنتاج سيارات كهربائية «تقدم كل ما تقدمه تسلا وبنصف السعر». وكانت السيارة التي أُعدت لتحقيق هذا الطموح هي «آي دي.3»، التي حملت هذا الاسم لأنها كانت ترمز إلى «العصر الثالث» في تاريخ العلامة التجارية، بعد سيارتي بيتل وغولف. وضخت فولكس فاجن 50 مليار دولار في مجموعة سياراتها الكهربائية، لتصبح من بين أغلى مشروعات السيارات في التاريخ. لكن المشروع أخفق مرة أخرى.
وكان أحد أسباب هذا الإخفاق شعور الشركة بالرضا عن وضعها القائم. فقد تعاملت قيادة فولكس فاجن، التي تشكلت من مسؤولين تنفيذيين تقليديين في صناعة السيارات، مع تطوير البرمجيات باعتباره مجالًا أدنى شأنًا من التصنيع التقليدي. كما التزمت الشركة بجداول زمنية طموحة للغاية أعلنت عنها للجمهور، وأصرت على تطوير جميع البرمجيات داخليًا. لكن فريق البرمجيات الداخلي كان يعاني نقصًا في الموظفين، ولم يتمكن من تلبية الطلب. ووصف أحد المطلعين على المشروع الوضع آنذاك بأنه «كارثة بكل المقاييس». وخلال الأشهر التي سبقت إطلاق السيارة، كان الفريق يكتشف ما يصل إلى 300 خلل برمجي جديد يوميًا.
وكان الإخفاق أيضًا نتيجة عجز الشركة، على مدى عقود، عن توزيع الموظفين وإعادة توزيعهم بفاعلية. فمنذ عام 1994، ضمنت فولكس فاجن استمرار وظائف العاملين في مصانعها الألمانية، نتيجة اتفاق تفاوضت عليه مع النقابة العمالية. وبدلًا من فصل الموظفين، خفضت الشركة التكاليف من خلال التحول إلى أسبوع عمل من أربعة أيام، وهو ترتيب ظل ساريًا حتى عام 2006. وكانت النتيجة أن الحصول على وظيفة في الشركة أصبح، عمليًا، بمثابة تعيين مدى الحياة على مدى العقود الثلاثة التالية.
وفي يونيو 2024، أقرت فولكس فاجن بإخفاقها، وأعلنت إنشاء مشروع مشترك مع شركة ريفيان الأمريكية الناشئة المتخصصة في السيارات الكهربائية. ومقابل استثمار يصل إلى خمسة مليارات دولار، حصلت فولكس فاجن على إمكانية الوصول الفوري إلى برمجيات ريفيان لاستخدامها في سياراتها. وبعبارة أخرى، اضطرت فولكس فاجن إلى ترخيص تكنولوجيا أساسية من منافس أمريكي صغير، لأنها وجدت صعوبة كبيرة في الابتكار بنفسها.
ولم يكن هربرت ديس، الذي عُيّن لقيادة التحول نحو السيارات الكهربائية، موجودًا ليرى هذه النتيجة. فقد تسببت خلافاته مع المجلس العمالي بشأن إغلاق المصانع، وتحذيراته المتكررة من تخلف فولكس فاجن عن تسلا، في دخوله في صدام مع عائلتي بورشه وبيش اللتين تمتلكان حصة الأغلبية في الشركة. وأُقيل من منصبه في يوليو 2022.
ويمتلئ التاريخ الأوروبي الحديث بأمثلة لشركات كبرى أخفقت في تبني الابتكار التالي. فقد صنعت نوكيا أول هاتف ذكي لها في عام 1996، وطورت نموذجًا أوليًا لهاتف مزود بشاشة تعمل باللمس واتصال بالإنترنت في أواخر التسعينيات أو مطلع الألفية، ثم أطلقت لاحقًا أجهزة مبكرة تعمل بشاشات اللمس. لكنها لم تطور البرمجيات اللازمة لإنجاح هذه الأجهزة.
وليس من المستغرب أن تكون نوكيا قد أحجمت عن تحمل مزيد من المخاطر، بالنظر إلى التكاليف التي واجهتها عندما أعادت هيكلة أعمالها. ففي عام واحد فقط، هو عام 2012، أنفقت الشركة 1.8 مليار يورو لإعادة تنظيم أعمال الهواتف والاتصالات، وكان الجزء الأكبر من هذا المبلغ مخصصًا لتعويضات إنهاء خدمة الموظفين. وعلى الرغم من تعذر تحديد المبلغ الذي أنفقته الشركة عن كل موظف خلال ذلك العام، فإنها أنفقت 200 مليون يورو في عام 2008 لتسريح ألفي موظف فقط عندما أغلقت مصنعًا للهواتف المحمولة في ألمانيا.
يتطلب الابتكار الدخول في رهانات ضخمة لا يمكن التنبؤ بنتائجها. وقد أثبتت الشركات الأوروبية قدرتها على الابتكار، كما أظهرت نوكيا في السابق، لكنها نادرًا ما تخوض سلسلة من المخاطر المتكررة على النحو الذي تفعله الشركات الأمريكية الرائدة.
وينطبق هذا التفسير أيضًا على مشكلات أخرى في أوروبا. فكثيرًا ما يُعتقد أن المشكلة التي تواجه رأس المال الجريء الأوروبي تتمثل في نقص المعروض من الأموال. لكن إذا كانت تكلفة الإخفاق مرتفعة، فإن العوائد المتوقعة تنخفض أيضًا، وبالتالي يصبح انخفاض حجم الاستثمارات أمرًا مفهومًا. ويُظهر تقدير أعده كوست وكوتانليم أن متوسط معدل العائد الداخلي، وهو مقياس للربحية، لدى شركات رأس المال الجريء الأوروبية خلال الفترة من 1998 إلى 2022 كان أقل بنحو خمس نقاط مئوية من نظيره لدى الشركات الأمريكية. ويتفق ذلك مع الرأي القائل إن المستثمرين الأوروبيين ينفقون مبالغ أقل بسبب نقص الفرص الاستثمارية، وليس بسبب نقص رأس المال.
إبقاء الشركات الصغيرة صغيرة
غالبًا ما يأتي الابتكار الكبير من شركات جديدة، وليس من شركات قديمة تحاول تغيير مسارها. فتسلا هي التي تقود التطور في مجال السيارات الكهربائية، لا فورد أو جنرال موتورز أو كرايسلر. ويدرك السياسيون الوطنيون في البلدان الأوروبية الآثار السلبية لقوانين العمل التي يتبنونها، ولذلك يعفون الشركات الصغيرة والشركات الناشئة منها في العادة. وعلى وجه الخصوص، لا تسري القواعد المنظمة للفصل الجماعي في كثير من الأحيان إلا على الشركات التي يتجاوز حجمها حدًا معينًا، وتعتزم الاستغناء عن عدد كبير بما يكفي من الموظفين.
لكن الغرض الأساسي من إنشاء شركة ناشئة هو النمو. وعندما تنجح الشركة، تصبح خاضعة للقواعد التي تنظم عمل الشركات الكبرى، مما يضر بقدرتها على التوسع إلى ما يتجاوز بضع مئات من الموظفين. كما يضر ذلك بعمليات الاستحواذ، لأن أي شركة تستحوذ على شركة أخرى تصبح خاضعة لقواعد التوظيف نفسها، وبالتالي تتردد بدورها في الدخول في رهانات تنطوي على توظيف أعداد جديدة من العاملين.
ونتيجة لذلك، تقل عمليات الاستحواذ في أوروبا. فبين عامي 2012 و2016، جرت 79 في المئة من جميع عمليات الاستحواذ على الشركات الناشئة التي رصدتها قاعدة بيانات كرانشبيس في الولايات المتحدة. ومن بين عمليات الاستحواذ التي حدثت في أوروبا، استحوذت شركات أمريكية على 44 في المئة منها. أما الشركات الأوروبية، فلم تنفذ سوى سبعة في المئة من عمليات الاستحواذ على الشركات الناشئة الأمريكية.
وتختار كثير من الشركات الواعدة المغادرة. فقد كان مقر شركتي غرامرلي وهاجينغ فيس في أوروبا في وقت سابق. وكانت شركة بيرد، المتخصصة في المراسلة، حتى وقت قريب واحدة من أنجح الشركات الناشئة في هولندا. وفي عام 2024، اشتكى الموظفون من أن الشركة تجاوزت منذ فترة طويلة الحد القانوني الذي يوجب إنشاء مجلس عمالي، وهو 50 موظفًا. ولتجنب الامتثال لهذا الالتزام، نقل مؤسس الشركة الملياردير أعمالها إلى نيويورك وسنغافورة ودبي. ووفقًا لأحد التقديرات، يوجد مؤسس أوروبي مشارك في 11 في المئة من الشركات الناشئة الأمريكية العاملة في مجال التكنولوجيا. وهذا يدل على أن المشكلة لا تكمن في افتقار الأوروبيين إلى روح المبادرة وريادة الأعمال، بل في اختيارهم ممارسة هذه الأنشطة خارج أوروبا.
عندما تخرج العجلات عن الطريق
قد يبدو أن شركة فولكس فاجن لم يكن ينبغي لها أن تنجح أصلًا، بالنظر إلى وجود ممثلين للحكومة في مجلس إدارتها، وضمانات الوظائف، والمجلس العمالي، وإجراءات الاختيار الاجتماعي، والخطة الاجتماعية. لكن النموذج الأوروبي يحقق نتائج جيدة في مجال الابتكار التدريجي، وهو النوع الذي هيمن على قطاع التصنيع في العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
فعلى مدى أكثر من قرن، تمثل جانب كبير من تطوير السيارات في تحسين كفاءة التصاميم الموجودة. فعلى سبيل المثال، تشترك سيارة فولكس فاجن بولو التي أُنتجت عام 1975، وهي الطراز الأول، مع سيارة بولو لعام 2025، وهي الطراز الأحدث، في منظومة الدفع الأساسية نفسها، أي محرك الاحتراق الذي يعمل بالمكابس. ومع ذلك، فإن الطراز الأحدث يتسارع بسرعة تعادل ضعف سرعة الطراز الأول، كما أنه أكثر كفاءة في استهلاك الوقود بنسبة الثلث.
وتُعد محركات الاحتراق الداخلي الأوروبية الحديثة إنجازات هندسية مذهلة. إذ تستطيع فولكس فاجن استخراج قوة حصانية من أحدث محركاتها التي تبلغ سعتها لترًا واحدًا، تكاد تعادل القوة التي كانت شركة باكارد تستخرجها من محرك تبلغ سعته خمسة أضعاف هذه السعة قبل 90 عامًا. كما انخفض متوسط استهلاك الوقود لكل كيلومتر تقطعه السيارات الجديدة العاملة بمحركات الاحتراق الداخلي والمباعة في أوروبا بنحو الثلث منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
وحتى الشركات الأقل كفاءة، مثل رينو، تمكنت منذ فترة طويلة من التفوق على منافسيها الأمريكيين في كفاءة محركات البنزين والديزل. ومن اللافت أن هذه التحسينات تحققت في كل عام تقريبًا، مع طرح شركات السيارات الأوروبية طرازات أفضل قليلًا من الجيل السابق.
ومن المفترض أن تساعد قوانين العمل الأوروبية على تحقيق هذه التحسينات. إذ تستطيع الشركات الاستثمار بدرجة أكبر في تدريب العاملين وتأهيلهم، لأن تكاليف هذا الاستثمار تتوزع على فترات توظيف طويلة. ويتلقى جميع العاملين في قطاع التصنيع الألماني تدريبًا مرتين، مرة بوصفهم متدربين في المدارس، ومرة أخرى داخل شركة محددة، ضمن نظام يُعرف باسم «التدريب المهني المزدوج» (duale Ausbildung). ويبلغ متوسط عمر الموظف في فولكس فاجن 45 عامًا، ولا تتجاوز نسبة الموظفين الألمان الذين يُفصلون في شهر معين 0.1 في المئة، مقارنة بنحو واحد في المئة في الولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، تصبح القواعد التي قد تبدو غريبة للأجانب أكثر قابلية للفهم.
تمتلك الشركات الأوروبية معارف متخصصة هائلة. لكن المشكلات تظهر عندما تصبح الحاجة إلى الابتكار الجذري ملحة، كما حدث عند الانتقال من البنزين إلى السيارات الكهربائية. فقد كانت الشركات الرائدة في صناعة السيارات الكهربائية إما شركات جديدة دخلت السوق، مثل تسلا وبي واي دي، أو شركات قديمة أُعيد تشكيل بنيتها الداخلية جذريًا، مثل إم جي. وحتى عندما تؤدي شركة سيارات أوروبية دورًا محوريًا في نشر تكنولوجيا جديدة كبرى، كما حدث عندما صنعت جاغوار أسطول سيارات الأجرة التابع لشركة وايمو، فإن ذلك يكشف عن ضعف أوروبا. فقد صُنعت السيارات في مصنع بالنمسا، ثم شُحنت إلى ولاية أريزونا لتزويدها بتكنولوجيا القيادة الذاتية التي طورتها وايمو. واليوم، بعدما لم تعد الخبرات السابقة مفيدة بالقدر نفسه، وأصبح النجاح في صناعة السيارات يتطلب خوض رهانات كبيرة على أساليب جديدة في العمل، أدت صلابة قوانين العمل الأوروبية إلى وصول شركات السيارات في القارة إلى طريق مسدود.
الحصول على أفضل ما في النموذجين
إذا أرادت أوروبا امتلاك شركة تسلا، أو أي شركة ستصبح بمثابة تسلا العقد المقبل، فستحتاج إلى اتباع نهج جديد في التوظيف وإنهاء الخدمة. ويخشى كثير من الأوروبيين أن يكون ذلك غير قابل للتوفيق مع «النموذج الاجتماعي» الأوروبي، الذي يقوم على رغبة المجتمع في منح العاملين الاستقرار وحمايتهم من تقلبات دورة الأعمال الاقتصادية.
لكن هناك أمثلة لبلدان أوروبية نجحت في الجمع بين الأمرين. ففي النمسا، يمتلك العاملون حساب ادخار قابلًا للنقل بين الوظائف، يُعرف باسم «أبفيرتيغونغ نوي» (Abfertigung Neu)، ويُستخدم لدفع تعويضات نهاية الخدمة، وتموله مساهمات أصحاب العمل، مما يقلل تكاليف إعادة الهيكلة التي تتحملها الشركات. أما سويسرا، فتحافظ على مجالس عمالية ذات صلاحيات محدودة نسبيًا، إلى جانب شبكة أمان اجتماعي سخية، لكنها لا تفرض تعويضات نهاية خدمة إلزامية.
وفي الدنمارك، يُطبق نموذج المرونة والأمان الوظيفي، الذي يسمح لأصحاب العمل بإنهاء خدمة الموظفين بسهولة تكاد تقترب من الفصل دون قيود، بينما يستطيع الموظفون الاستفادة من تأمين بطالة سخي يغطي ما يصل إلى 90 في المئة من دخلهم السابق لمدة عامين. وفي مقابل تقليص الأمان الوظيفي، تنفق الحكومة الدنماركية ما يعادل اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الإعانات والحوافز الأخرى لإعادة تدريب العاطلين عن العمل ومساعدتهم على العودة إلى الوظائف.
وقد يصعب تصور تخلي فرنسا أو إيطاليا عن حماية العاملين في سوق العمل، لكن الهدف من هذه النماذج جميعها هو حماية دخول الموظفين من تقلبات الرأسمالية غير المتوقعة. وتحقق معظم البلدان الأوروبية ذلك من خلال إجبار الشركات على الاحتفاظ بموظفيها إلا في الظروف الاستثنائية، بينما تتحمل الحكومة هذه التكلفة في الدنمارك والنمسا وسويسرا. ومن غير المرجح أن يقبل الأوروبيون تبني النموذج الأمريكي، لكنهم قد يتقبلون النموذج الدنماركي.
واللافت أن الاقتصادات الأوروبية الأكثر مرونة هي الأكثر ابتكارًا. فقد قدمت الدنمارك وسويسرا للقارة شركات مثل نوفو نورديسك وروش ونستله ونوفارتس. فالبلدان القليلة والصغيرة التي تبنت نموذجًا أكثر مرونة تُعد من القوى الأوروبية الرائدة في مجال الابتكار. وفي المقابل، تأتي البلدان التي تفرض أشد القيود على التوظيف، مثل إسبانيا وإيطاليا، ضمن البلدان الأضعف أداءً وفقًا لهذا المعيار.
وإذا قررت مزيد من الدول الأوروبية إصلاح أسواق العمل لديها، فقد لا تتبنى بالضرورة نموذج المرونة والأمان الوظيفي الدنماركي بصورته الكاملة، لكنها ستحتاج إلى الاستفادة من بعض مبادئه. وبما أن الابتكار يعتمد في المقام الأول على أصحاب المواهب الاستثنائية، وليس على الموظف المتوسط، فمن الممكن أن تحقق إصلاحات محدودة كثيرًا من الفوائد نفسها. فربما يقتصر تطبيق قواعد العمل الدنماركية على الموظفين الذين يتجاوز دخلهم حدًا معينًا. وحتى السماح لجميع العاملين الذين تقع دخولهم ضمن أعلى عشرة في المئة بالتنازل عن بعض الحماية التي توفرها تشريعات العمل سيجعل قطاع الخدمات الألماني أكثر قدرة على المنافسة في السوق الأمريكية. ففي عام 2022، بلغ الدخل السنوي للعاملين الألمان الذين كانوا ضمن أعلى عشرة في المئة من حيث الدخل نحو 80 ألف دولار قبل الضرائب، محسوبًا بقيمة الدولار اليوم، مقارنة بنحو 147 ألف دولار في الولايات المتحدة.
كانت لدى أوروبا شركات شبيهة بتسلا في الماضي
حتى القرن التاسع عشر، ظلت أسواق العمل في كثير من بلدان أوروبا القارية خاضعة للنظام الإقطاعي. وكما هو معروف، لم يكن بإمكان الأقنان في النظام الإقطاعي مغادرة خدمة أسيادهم متى أرادوا. لكن ما يُنسى في كثير من الأحيان هو أن هذه القاعدة كانت تسري في الاتجاهين أيضًا، إذ كان الأقنان مرتبطين بالأرض، وعلى الرغم من امتلاك ملاك الأراضي الإقطاعيين سلطات واسعة عليهم، فإنهم لم يكونوا يملكون عمومًا الحق في طردهم منها. وهكذا، كان صاحب العمل والعامل عالقين في علاقة عمل مستمرة، حتى عندما يكون إنهاؤها أفضل لكليهما.
وكما أوضح مصلحون من عصر التنوير، مثل وزير الدولة الفرنسي آن روبير جاك تورغو والإمبراطور هابسبورغ جوزيف الثاني، فإن هذا الترتيب كان غير كفؤ اقتصاديًا. فقد أعاق انتقال العمال إلى أصحاب عمل أو مناطق أو قطاعات أكثر إنتاجية، كما أعاق قدرة ملاك الأراضي على إعادة هيكلة أنشطتهم الزراعية أو إدخال ابتكارات تتعارض مع حقوق المستأجرين.
ولن يكون من المبالغة كثيرًا وصف النظام الأوروبي الحالي بأنه «إقطاع من طرف واحد». فالموظفون يملكون الحق في ترك أصحاب العمل، كما هو الحال في جميع المجتمعات الحرة. لكن أصحاب العمل لا يملكون سوى حق محدود للغاية في الاستغناء عن موظفيهم. وكما رأينا، بلغت تكاليف إنهاء علاقة العمل حدًا جعل أصحاب العمل الأوروبيين يتوقفون إلى حد كبير عن الإقدام على ذلك.
قد يبدو النظام الأوروبي الحالي سمة عميقة الجذور في الثقافة الأوروبية، وموروثًا من النظام الإقطاعي الذي ساد في الماضي. لكن الشركات الأوروبية ظلت، على مدى أكثر من قرن بين نهاية عصر التنوير والحرب العالمية الثانية، تبتكر بوتيرة محمومة، تمامًا كما تفعل الشركات الأمريكية اليوم.
في ثمانينيات القرن التاسع عشر، اقتنعت شركة دي ديون بوتون الفرنسية بأن مستقبل النقل يكمن في المركبات الآلية. واستثمرت بكثافة في تطوير سيارات تعمل بالبخار. وكان من الممكن نظريًا أن تصل سرعة هذه السيارات البخارية إلى 35 ميلًا في الساعة، لكنها كانت تحتاج إلى نحو 30 دقيقة لبدء التشغيل، كما تطلبت وجود عامل متخصص لإضافة الوقود باستمرار والحفاظ على استمرار عملها. وفي عام 1894، تخلت دي ديون بوتون عن التجربة وأوقفت تطوير سياراتها البخارية.
لكن القصة لم تنته عند هذا الحد. فقد خاضت الشركة محاولة ثانية، مستخدمة هذه المرة تكنولوجيا تجريبية لمحركات البنزين. ونجحت المحاولة. ونما إنتاج دي ديون بوتون نموًا هائلًا، وبحلول أوائل القرن العشرين، أصبحت أكبر شركة لصناعة السيارات في العالم. كما وظفت في إنتاج سيارات البنزين عددًا من العاملين يفوق بكثير عدد من سبق أن وظفتهم في خط إنتاج السيارات البخارية، وأسهمت في تطوير أحد الاختراعات الرئيسية في القرن العشرين.
لا تمتلك أوروبا اليوم شركات تضاهي تسلا، لكنها امتلكت مثل هذه الشركات في الماضي. وبإمكانها امتلاكها مرة أخرى، دون التخلي عن القيم التي يعتز بها الأوروبيون في نموذجهم الاقتصادي.
