القائمة الرئيسية

كيف يمكن سد فجوة التمويل أمام المشاريع في الاقتصادات الناشئة؟

كيف يمكن سد فجوة التمويل أمام المشاريع في الاقتصادات الناشئة؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة التحديات التي تواجه المشاريع في الاقتصادات الناشئة للحصول على التمويل المناسب، في ظل توجه المستثمرين نحو تحقيق عوائد مالية مرتفعة وتقليص استعدادهم لتحمل المخاطر، مما يترك العديد من المشاريع الواعدة خارج دائرة الاستثمار. وتسلط الضوء على الفجوة بين احتياجات هذه المشاريع ومعايير التمويل التقليدية، موضحةً أهمية بناء منظومة تمويل مرنة تراعي مختلف مراحل نمو المشاريع، وتجمع بين رأس المال الصبور والاستثمار المؤثر والتعاون بين المستثمرين ورواد الأعمال. كما تستعرض حلولاً عملية لسد هذه الفجوة، وتطرح تساؤلاً محورياً: هل ينبغي للمشاريع أن تتكيف مع شروط المستثمرين، أم حان الوقت لإعادة تصميم أدوات التمويل لتتناسب مع احتياجاتها الفعلية؟

  • بات رأس المال الموجّه لإحداث أثر يُقيَّم بشكل متزايد وفق معايير العائد السوقي التقليدية، ما يترك المشاريع في مراحلها المبكرة، والمشاريع التي تسهم في بناء الأنظمة والأسواق، من دون تمويل مناسب.
  • في العديد من الاقتصادات الناشئة، يتعين على الشركة أن تبني أعمالها في ظل غياب البنية التحتية والثقة والتنسيق في السوق، قبل أن تتمكن من إثبات المؤشرات التي يطلبها المستثمرون.
  • يتطلب سد هذه الفجوة إنشاء سلسلة متكاملة من أدوات رأس المال تتناسب مع المرحلة الفعلية التي يمر بها المشروع، مع الفصل بين أنواع المخاطر التي لا ينبغي أن تتحملها ميزانية واحدة بمفردها.

تستهدف 89% من الأصول المدارة في مجال الاستثمار المؤثر اليوم تحقيق عوائد بمعدلات السوق، وفقاً لمسح "حالة السوق لعام 2025" الصادر عن الشبكة العالمية للاستثمار المؤثر، وهو أكبر مجموعة بيانات ذاتية الإبلاغ في هذا القطاع. ولا تستهدف سوى 2% من هذه الأصول تحقيق عوائد تقل عن معدلات السوق.

وكان من المفترض أن يشكّل التمويل المختلط، أي الجمع بين أموال الجهات المانحة أو المنح ورأس المال التجاري لجعل الصفقة عالية المخاطر قابلة للاستثمار، الآلية التي تبقي رأس المال المؤثر معرضاً لمخاطر الخسارة الأولى، بينما يتبعه رأس المال التجاري بعد خفض مستوى هذه المخاطر وتسعيرها بصورة أكثر ملاءمة.

وعزز تحليل صادر عن منصة Convergence في عام 2025 هذه الخلاصة، إذ أشار إلى أن الاستثمار المؤثر أصبح يشبه الاستثمار التجاري التقليدي الساعي وراء عوائد السوق. وقد دفع تطوران رئيسيان نحو هذا التحول.

أولاً، تدفع اقتصاديات تمويل الديون نحو زيادة أحجام الاستثمارات في كل صفقة. ويتجه العديد من صناديق الاستثمار المؤثر من الاستثمار في الأسهم إلى الديون لأنها توفر قدراً أكبر من الوضوح وإمكانية التنبؤ فيما يتعلق بالسيولة والعوائد. ففي حالة الاستثمار في الأسهم، قد يظل رأس المال مرتبطاً بشركة لسنوات بينما ينتظر المستثمرون عملية استحواذ أو بيع أو طرح عام. أما الديون، فتوفّر في المقابل جداول سداد محددة ومساراً أوضح لاسترداد رأس المال.

لكن الديون تغيّر الحسابات المتعلقة بمن يمكنه التأهل للحصول على التمويل. فإذا كنت تستهدف عائداً سنوياً يبلغ 8% بدلاً من عائد يبلغ ثلاثة أضعاف رأس المال المستثمر، فيجب استرداد تكاليف العناية الواجبة من هامش عائد أقل بكثير. ونتيجة لذلك، قد يرتفع حجم الاستثمار في الصفقة من 300 ألف دولار سابقاً إلى مليوني دولار أو أكثر. وهذا يعني أن المؤسسات الكبيرة التي تحقق أرباحاً بالفعل هي وحدها التي تصبح مؤهلة. وقد يكون قرار أي صندوق منفرد باتباع هذا النهج منطقياً تماماً. لكن عندما يتخذ سوق رأس المال بأكمله القرار نفسه، من خلال سلسلة من القرارات الفردية المعقولة، ينتهي به الأمر إلى تجنب المرحلة نفسها التي أُنشئ لتمويلها.

ثانياً، يتحرك القطاع كقطيع واحد، متجهاً نحو التقارب في الوقت الذي تحتاج فيه السوق إلى تباين في أساليب المستثمرين. وقد تكون لدى كل مؤسسة على حدة أسباب وجيهة لتشديد معايير الاستثمار الخاصة بها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحرك مؤسسات كثيرة في الاتجاه نفسه في الوقت ذاته.

توجيه رأس المال لإحداث أثر اجتماعي

استخدام رأس المال الاستثماري لتحقيق أهداف اجتماعية ليس أمراً جديداً. فقد كانت المؤسسات الخيرية تختبر منذ ستينيات القرن الماضي ما يُعرف بالاستثمارات المرتبطة بالبرامج، مستخدمة القروض والضمانات والاستثمار في الأسهم إلى جانب المنح، من دون السعي بالضرورة إلى تحقيق عوائد بمعدلات السوق. وما تغير خلال العقد الأول من الألفية الجديدة هو ظهور الاستثمار المؤثر كسوق استثمارية أوسع بكثير، تجمع بصورة صريحة بين تحقيق أثر اجتماعي أو بيئي وتحقيق عوائد مالية.

وقد أدى هذا التوسع إلى جذب مصادر جديدة لرأس المال إلى القطاع، لكنه قرّب الاستثمار المؤثر أيضاً من هياكل وتوقعات أسواق الاستثمار التقليدية. وفي مرحلة ما من هذا الانتقال، تغيرت طريقة التفكير أيضاً، من سؤال: "ما الذي يحتاج إليه هذا النظام؟" إلى سؤال: "ما العائد الذي أحتاج إليه؟". ولا يوجد خطأ جوهري في أي من السؤالين. لكن المشكلة تظهر عندما ينتهي الأمر بعدد كبير جداً من المستثمرين إلى طرح السؤال الثاني بالشروط نفسها.

وتتمثل النتيجة بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة في أن هذا التراجع يصيب بأشد صورة الأماكن التي لا ينبغي أن يصيبها.

فعلى سبيل المثال، أظهر تحليل معياري أجرته شركتا Dalberg وAceli Africa لتمويل المؤسسات الزراعية الصغيرة والمتوسطة في شرق أفريقيا أن مستوى المخاطر في هذا القطاع يبلغ ضعف مستواه في القطاعات الأخرى على الأقل، في حين تقل العوائد بما يتراوح بين 4 و5 نقاط مئوية. وإذا فُرض شرط تحقيق الربحية مسبقاً على هذا النوع من العلاقة بين المخاطر والعوائد، فإن معظم القطاع سيُستبعد قبل أن يبدأ النقاش بشأن تمويله أصلاً.

وقد قدّرت المؤسستان فجوة التمويل بنحو 65 مليار دولار سنوياً في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء، مع وجود ثلاثة من كل أربعة من المؤسسات الزراعية الصغيرة والمتوسطة في ما يعرف بـ"الوسط المفقود"، أي أنها أكبر من أن تعتمد على التمويل الأصغر، لكنها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يجعلها قابلة للتمويل من البنوك التجارية. وهذه هي الفجوة نفسها التي سبق وصفها من منظور حجم الاستثمار في الصفقة، لكنها هنا مقاسة على مستوى سوق بأكمله بدلاً من صفقة واحدة.

ويزيد توقيت هذه التحولات من حدة المشكلة. فقد جرى تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في عام 2025، كما تتراجع المساعدات الإنمائية على نطاق أوسع، وذلك في الوقت نفسه الذي يقلص فيه رأس المال المؤثر استعداده لتحمل المخاطر. ولا يقتصر هذا النمط على شرق أفريقيا.

بناء مشاريع ضمن نظام لا يمكن اختصار مساره الزمني

لكن جانب التمويل ليس المكان الوحيد الذي ابتعدت فيه النوايا عن الأدوات المستخدمة. فشركات بناء المشاريع والمؤسسون يتحملون أيضاً جزءاً من المسؤولية عن نوع آخر من عدم التوافق، إذ جرى تصميم وتقديم عدد كبير جداً من المشاريع كما لو كانت شركات برمجيات. لكن العديد منها في الواقع أعمال تشغيلية كثيفة البنية التحتية، ولا يمكن اختزال الوقت اللازم لبناء الثقة والتنسيق وديناميكيات السوق فيها ضمن الجدول الزمني التقليدي لصناديق رأس المال الجريء المغلقة.

وفي ظل ندرة رأس المال، يصبح الانضباط المرتبط بمنهجية الشركات الناشئة الرشيقة أكثر أهمية، ولكن بشرط طرح سؤال مختلف عن السؤال الذي تطرحه وادي السيليكون. فلا ينبغي الاكتفاء بالسؤال: "هل ينجح المنتج؟"، بل يجب أيضاً السؤال: "هل يعزز هذا المشروع النظام المحيط به أم يضعه تحت مزيد من الضغط؟". ففي بعض الأحيان، تتمثل الخطوة الاستراتيجية في تعميق التنسيق أو تعزيز البنية التحتية للثقة قبل السعي وراء النمو. وقد يبدو ذلك بطيئاً وفق المعايير التقليدية، لكنه أيضاً المسار الأكثر قدرة على الصمود.

فعلى سبيل المثال، أطلقت Dietplastik في عام 2022 مبادرة لإعادة الاستخدام في إندونيسيا بالتعاون مع Plastic Solutions Fund. وبدلاً من دفع المشاريع الفردية نحو النمو، جرى العمل بالتوازي على بناء المنظومة المحيطة بها، بهدف دفع السياسات والممارسات ورأس المال للتحرك في اتجاه متناسق.

لكن التنسيق وحده لا يسد فجوة التمويل. فالسؤال الأصعب هو: ماذا يحدث عندما يحرز مشروع في اقتصاد ناشئ تقدماً، لكنه لا يتناسب بصورة واضحة مع شروط جولة استثمارية تقليدية؟

يتطلب ذلك تعاوناً حقيقياً في التصميم بين الأشخاص الذين يبنون المشاريع والأشخاص الذين يمولونها، من خلال تكوين فهم مشترك لما يحتاج إليه المشروع في الوقت الراهن، والمخاطر التي لا تزال قائمة، والشروط التي يجب أن تتحقق حتى يصبح الانتقال إلى شكل جديد من رأس المال ممكناً. وبعبارة أخرى، ينبغي أن يتدفق رأس المال عبر سلسلة متصلة من المراحل، لا أن يكون مجرد بوابة واحدة يتعين اجتيازها.

وفي كولومبيا، كانت شركة Siembra Viva، وهي إحدى شركات محفظة Acumen الاستثمارية، تعمل مع صغار المزارعين الذين كان الوصول إلى الأسواق يمثل عائقاً أمامهم. واستجابت Acumen من خلال المساعدة في ربط الشركة بمشترين كبار، من بينهم Crepes & Waffles وÉxito، اللذان أصبحا لاحقاً من عملائها وساهما في مساعدة Siembra Viva على الوصول إلى نقطة التعادل المالي.

والمهم هنا هو المنطق الكامن وراء هذا النهج. فقد نظر المستثمر إلى ما يتجاوز الميزانية العمومية للشركة لفهم العوامل التي كانت تعيق النموذج. وكان رأس المال جزءاً من الحل، لكن العلاقات والوصول إلى السوق والتنسيق كانت أيضاً أجزاء أساسية منه.

وينبغي تصميم استراتيجية التمويل بالتوازي مع استراتيجية المشروع. وهذا يعني التفكير في المسار التمويلي الكامل الذي يحتاج إليه مشروع قادر على الصمود:

  • رأس مال تحفيزي وصبور يمول مرحلة ما قبل تحقيق الإيرادات، بما في ذلك بناء الثقة والبنية التحتية.
  • تمويل بالنمو عبر الأسهم بمجرد إثبات جدوى اقتصاديات الوحدة.
  • رأس مال عامل وديون موجهة للمشاريع بمجرد بدء ارتفاع حجم النشاط.
  • وفي نهاية المطاف، بيع استراتيجي أو تخارج عبر الاستثمار في الملكية الخاصة، بما يعيد رأس المال ويسمح بإعادة تدويره لتمويل المشروع التالي.

ويجب أن تتدفق السيولة بين كل مرحلة من هذه المراحل، بدعم من مستثمرين ومؤسسين يتفقون مسبقاً على معنى أن يصبح المشروع "جاهزاً للمرحلة التالية"، بدلاً من انتظار جميع الأطراف عند خط النهاية نفسه المرتبط بالربحية، أملاً في أن يقوم طرف آخر بخفض المخاطر أولاً.

أربع طرق لسد الفجوة

عملياً، يتطلب سد الفجوة بين ما تحتاج إليه المشاريع في الاقتصادات الناشئة فعلياً وما يوفره سوق رأس المال الحالي أربعة أمور:

  • أن يعمل المستثمرون في مجال الاستثمار المؤثر ومؤسسات تمويل التنمية على تحديد العلاقة المناسبة بين المخاطر والعوائد بالتعاون مع الأشخاص الذين يبنون المشاريع، بدلاً من وضع معيار ثابت وانتظار معرفة من سيتمكن من تجاوزه.
  • أن يتحلى المؤسسون وبناة المشاريع بالشفافية بشأن الأجزاء من أعمالهم التي أصبحت بالفعل جاهزة للاستثمار، والأجزاء التي ما زالت بحاجة إلى رأس مال صبور وإلى مزيد من أعمال التصميم والتطوير.
  • أن يتوقف الطرفان عن التعامل مع عبارة "لم نصل إلى الربحية بعد" باعتبارها نهاية النقاش، وأن يبدأا في التعامل معها باعتبارها العمل الفعلي الذي يجب القيام به.
  • أن يتفق المستثمر وباني المشروع مسبقاً على الاستراتيجية، وأن يحددا ما إذا كانت الربحية في هذه المرحلة أكثر أهمية من النمو أم العكس.

يستغرق تغيير طرق التفكير والأنظمة وقتاً، لكن هناك خطوة يمكن للمستثمرين اتخاذها: قبل توقيع اتفاقية الاستثمار التالية، يمكنهم الجلوس مع المشروع المحتمل الاستثمار فيه والسؤال عن الكيفية التي يمكن بها تعديل الأداة الاستثمارية نفسها لتناسب احتياجاته، بدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن الكيفية التي ينبغي للمشروع أن يتكيف بها مع أداة صُممت مسبقاً. ومن هنا يبدأ ظهور أشكال أكثر مرونة وقدرة على التكيف من رأس المال.

المصدر

مقالات ذات صلة