تُعد السكك الحديدية اليابانية الأفضل في العالم، ويمكن للدول الأخرى أن تحذو حذوها وتستفيد من النموذج الذي تتبعه اليابان.
اليابان هي أرض القطارات بامتياز. إذ تُقطع 28% من إجمالي كيلومترات رحلات الركاب في اليابان باستخدام السكك الحديدية، وهي نسبة تفوق ما تحققه أي دولة أخرى في العالم المتقدم. وتبلغ هذه النسبة 10% في فرنسا، و6.4% في ألمانيا، ولا تتجاوز 0.25% في الولايات المتحدة. وبذلك، يزيد احتمال استخدام السكك الحديدية في التنقل داخل اليابان بأكثر من مئة مرة مقارنة بالولايات المتحدة.
تتوزع شبكة السكك الحديدية اليابانية الواسعة على عشرات الشركات، تكاد تكون جميعها شركات خاصة. وتحمل أكبر هذه الشركات، وهي شركة JR East، من الركاب ما يفوق إجمالي عدد الركاب الذين تنقلهم منظومة السكك الحديدية في أي دولة أخرى باستثناء الصين والهند. ففي كل عام، تنقل JR East عددًا من الركاب يعادل أربعة أضعاف ما تنقله شبكة السكك الحديدية البريطانية بأكملها، على الرغم من أن طول خطوطها الحديدية أقل، وأنها تخدم عددًا من السكان يقل بنحو عشرة ملايين نسمة، فضلًا عن منافستها ثماني شركات أخرى. وتحقق منظومة السكك الحديدية اليابانية فائضًا تشغيليًا كبيرًا، كما تعتمد على إعانات الدعم العام بدرجة أقل بكثير من نظيراتها الأوروبية والأمريكية.
في معظم الدول المتقدمة، واجهت السكك الحديدية صعوبات منذ صعود السيارات في خمسينيات القرن العشرين. فمنذ ذلك الحين، شهدت أمريكا الشمالية إحلال السيارات والطائرات محل قطارات الركاب بصورة شبه كاملة. أما في أوروبا، فقد أدى ذلك إلى اضطرار الحكومات إلى تقديم دعم مالي ضخم للإبقاء على خطوط السكك الحديدية قيد التشغيل.
غالبًا ما يُعزى المسار المختلف الذي اتبعته اليابان إلى الثقافة؛ إذ يُقال إن اليابانيين يميلون إلى الامتثال للأعراف الاجتماعية، ويشعرون بالرضا عن استخدام وسائل النقل العام، على خلاف الأمريكيين المحبين للحرية الذين يفضلون قيادة سياراتهم إلى كل مكان. أما الأوروبيون، فيُفترض أنهم يقعون في منزلة وسطى بين الطرفين. وتُستخدم الثقافة أيضًا لتفسير الدقة المذهلة في مواعيد القطارات اليابانية.
لكن هذه التفسيرات الثقافية خاطئة. فاليابانيون يحبون السيارات، إلا أنهم يستخدمون القطارات لأن اليابان تمتلك أفضل منظومة للسكك الحديدية في العالم. وقد تفوقت هذه المنظومة بفضل السياسات العامة السليمة؛ إذ أسهم هيكل الشركات، وقواعد استخدام الأراضي، والأنظمة المنظمة للقيادة، والنماذج الأفضل للخصخصة، والتنظيم الحكومي الرشيد في إنشاء شبكة سكك حديدية يابانية استثنائية.
وهذه أخبار سارة لكل المهتمين بتطوير السكك الحديدية. فالثقافة تتشكل على مدى قرون، ويصعب استنساخها. أما السياسات العامة الناجحة، فيمكن لحكومة واحدة تتمتع بالكفاءة أن تتبناها وتحاكيها. ويمكن تطبيق جوانب عديدة من منظومة السكك الحديدية اليابانية في مختلف أنحاء العالم.
شركات السكك الحديدية اليابانية
تتمثل أبرز السمات المؤسسية للسكك الحديدية اليابانية اليوم في ملكيتها الخاصة وتوزعها على عدد كبير من الشركات المتنافسة.
وصلت السكك الحديدية إلى اليابان عام 1872، خلال فترة إصلاحات ميجي التي فتحت البلاد أمام التجارة والأفكار والتقنيات الأجنبية. وكما حدث في معظم الدول الغربية، أممت اليابان سككها الحديدية في أوائل القرن العشرين، وأنشأت ما عُرف لاحقًا باسم السكك الحديدية الوطنية اليابانية (JNR). غير أن التأميم لم يشمل جميع الخطوط، بل اقتصر على الخطوط الرئيسية ذات الأهمية الوطنية، مع استمرار السماح بإنشاء خطوط حديدية خاصة جديدة.
شهدت اليابان، بين عام 1907 والحرب العالمية الثانية، طفرة في إنشاء خطوط السكك الحديدية الكهربائية الخاصة، بالتزامن مع تسارع التحضر. ومن الناحية التقنية، تشابهت معظم هذه الخطوط الخاصة مع خطوط السكك الحديدية بين المدن الأمريكية الشهيرة، المعروفة باسم «الإنترأوربان» (Interurbans). فقد كانت في الأساس خطوط ترام كهربائية تمتد بين المدن، إلى جانب تشغيلها داخل المدن نفسها. وفي نهاية المطاف، تراجعت شبكة الإنترأوربان الأمريكية، ولم يبقَ منها اليوم سوى القليل جدًا. أما في اليابان، فقد توطدت هذه الشبكة تدريجيًا، وتطورت خطوط الترام الخفيفة بمرور الوقت إلى خطوط سكك حديدية ثقيلة تربط المدن بعضها ببعض.
تُعرف هذه الشركات اليوم باسم «شركات السكك الحديدية الخاصة العريقة»، لأنها كانت مملوكة للقطاع الخاص منذ نشأتها. ويوجد في منطقة طوكيو الحضرية ثماني شركات من هذه الفئة، وخمس شركات في التجمع الحضري الممتد بين أوساكا وكوبي وكيوتو، وشركتان في ناغويا، وشركة واحدة في فوكوكا، رابع أكبر المدن اليابانية. كما توجد عشرات الشركات الأصغر في مناطق أخرى من البلاد. وفي أكبر ثلاث مناطق حضرية، تستحوذ هذه الشركات على ما يقارب نصف إجمالي أطوال خطوط السكك الحديدية ومحطاتها، فضلًا عن استحواذها على الحصة الأكبر من عدد الركاب مقارنة بكل شركة على حدة. وتُعد شركة كينتيتسو (Kintetsu)، وهي الأكبر بينها، مثالًا بارزًا؛ إذ لا تقتصر عملياتها على خدمات النقل داخل المدن، بل تدير أيضًا شبكة كاملة من الخطوط بين المدن تمتد من أوساكا إلى ناغويا.
وتتنافس هذه الشركات في كثير من الأحيان بصورة مباشرة. ففي أحد أبرز الأمثلة على ذلك، تتنافس ثلاثة خطوط مستقلة لنقل الركاب على حركة التنقل بين أوساكا ومدينة كوبي الساحلية، حيث تسير الخطوط الثلاثة في مسارات متوازية، وتفصل بينها أحيانًا مسافات تقل عن 500 متر.
في المقابل، كانت السكك الحديدية المؤممة تُدار من خلال هيئة السكك الحديدية الوطنية اليابانية (JNR). وفي فترة ما بعد الحرب، تولت الهيئة مسؤولية إنشاء شبكة شينكانسن الشهيرة، إلى جانب تشغيل خطوط نقل الركاب داخل المدن وخطوط المسافات الطويلة في مختلف أنحاء اليابان. لكن الهيئة خضعت لعملية خصخصة واسعة النطاق عام 1988، وقُسمت إلى ست شركات إقليمية تتمتع كل منها باحتكار خدمات نقل الركاب في منطقتها، إلى جانب شركة وطنية واحدة متخصصة في نقل البضائع. وتُعرف هذه الشركات مجتمعة باسم مجموعة السكك الحديدية اليابانية (JR).
ونتيجة لذلك، أصبح لدى اليابان ست شركات للسكك الحديدية تعود أصولها إلى منظومة السكك الحديدية المؤممة، وست عشرة شركة خاصة كبيرة عريقة ظلت مملوكة للقطاع الخاص منذ تأسيسها، إلى جانب مجموعة من شركات السكك الحديدية المحلية الأصغر سنًا أو حجمًا، فضلًا عن عدد كبير من شبكات المترو تحت الأرض، بعضها خاص وبعضها مملوك للبلديات، وشبكات القطارات أحادية السكة وأنظمة الترام.
ويُعد هذا التنوع المؤسسي لافتًا في حد ذاته، لكن اللافت بالقدر نفسه هو نموذج الأعمال المتماسك الذي تطور وسط هذا التعدد، وهو نموذج تقوم فكرته على أن شركة السكك الحديدية لا تكتفي بتشغيل القطارات، بل تتولى أيضًا بناء المدن.
التنمية الحضرية التي تقودها السكك الحديدية
إذا استقللت قطارًا للذهاب في نزهة منفردة في الريف، تستطيع شركة السكك الحديدية تحصيل جزء من القيمة التي توفرها لي من خلال أجرة الرحلة، تمامًا كما تحصل الشركات الأخرى على قيمة السلع والخدمات التي تقدمها عن طريق بيعها. لكن إذا استقللت القطار لزيارة أفراد عائلتي، أو عملائي، أو أحد المسارح، أو متجر، فإن اختلافًا جوهريًا يظهر. تستطيع شركة السكك الحديدية تحصيل أجرة مقابل القيمة التي توفرها لي، لكنها لا تستطيع تحصيل القيمة التي توفرها للأشخاص الموجودين في الوجهة التي أقصدها. ولأن البنية التحتية للنقل تحقق منافع لا تدر إيرادات مباشرة على الجهات التي توفرها، فإن الأسواق الحرة نادرًا ما تنتج منها كميات كافية.
وقد عالجت اليابان هذه المشكلة جزئيًا من خلال تمكين شركات السكك الحديدية من ممارسة مجموعة واسعة من الأنشطة إلى جانب تشغيل القطارات. ولنأخذ شركة توكيو (Tokyu)، إحدى شركات السكك الحديدية الخاصة العريقة في جنوب طوكيو، مثالًا على ذلك. فبإمكانك استخدام قطارات توكيو، وركوب حافلاتها، والسكن في منزل بنته الشركة، والعمل في أحد مجمعاتها المكتبية، ومراجعة طبيب في مستشفى تابع لها، وشراء احتياجاتك من أحد متاجرها الكبرى، وقضاء فترة ما بعد الظهر في مجمع يضم متحفًا ومسرحًا ودورًا للسينما تابعًا لها، واصطحاب أطفالك إلى مدينة الملاهي التي تديرها، بل وحتى الإقامة في أحد مرافق رعاية المسنين التابعة لها في نهاية حياتك.
وتستفيد توكيو من الآثار الإيجابية غير المباشرة التي توفرها السكك الحديدية لهذه الأنشطة، لأنها تمتلكها وتديرها بنفسها. وقد أوضح رئيس الشركة هذا التوجه بقوله:
«أعتقد أننا، على الرغم من كوننا شركة للسكك الحديدية، ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا شركة تسهم في تشكيل المدن. ففي أوروبا، على سبيل المثال، تقتصر وظيفة شركات السكك الحديدية على ربط المدن بعضها ببعض من خلال محطاتها النهائية. وهذه طريقة طبيعية جدًا للعمل في هذا القطاع، لكن ما نقوم به مختلف تمامًا؛ فنحن ننشئ المدن أولًا، ثم نضيف إليها المحطات والسكك الحديدية باعتبارها مرافق خدمية تربط هذه المدن بعضها ببعض».
بدأ تطبيق هذا النموذج في خمسينيات القرن العشرين على يد الشركة التي أصبحت تُعرف لاحقًا باسم سكك حديد هانكيو (Hankyu Railways). وتربط شبكة هانكيو وسط أوساكا بضواحيها الشمالية، وكذلك بمدينتي كيوتو وكوبي. وقد اتبع مؤسسها المبتكر، كوباياشي إيتشيزو، نهجًا غير تقليدي؛ إذ بدأ ببناء مساكن في الضواحي، ثم أنشأ متجرًا متعدد الأقسام في المحطة النهائية للخط، وبعد ذلك أسس منتجعًا للينابيع الساخنة وحديقة حيوانات، وأنشأ كذلك فرقة مسرحية موسيقية خاصة به تؤدي النساء جميع أدوارها، عُرفت باسم فرقة تاكارازوكا (Takarazuka Revue). كما بدأ تشغيل خدمات الحافلات من محطاته وإليها.
وحذت شركات أخرى حذو هانكيو؛ فمدينة طوكيو ديزني لاند الترفيهية، على سبيل المثال، هي ثمرة تعاون بين شركة ديزني وشركة كيسي للسكك الحديدية (Keisei Railway)، بينما تمتلك شركة هانشين (Hanshin) في أوساكا فريق هانشين تايغرز للبيسبول.
تحقق عمليات السكك الحديدية الأساسية أرباحًا لدى جميع شركات السكك الحديدية الخاصة اليابانية، لكنها لا تمثل عادةً سوى أكبر حصة منفردة من الإيرادات، أو أغلبية محدودة منها. أما بقية الإيرادات، فتأتي من مجموعة الأنشطة التجارية المساندة التي تمتلكها هذه الشركات. وتوجد علاقة تكامل مالي طبيعية بين التدفقات النقدية المستقرة نسبيًا، وإن لم تكن استثنائية، الناتجة عن أجور القطارات، وبين الأنشطة العقارية والتجارية الأكثر ربحية، وإن كانت تنطوي على مخاطر أكبر. كما تجذب الأنشطة التجارية المساندة الناس إلى السكن والعمل على امتداد خطوط السكك الحديدية التابعة للشركة، مما يعزز قاعدة عملائها لخدمات القطارات نفسها.
وتتيح التنمية الموجهة نحو النقل العام نشوء هذه الحلقة الإيجابية المتكاملة. فالقواعد اليابانية المرنة نسبيًا لاستخدام الأراضي تجعل إنشاء أحياء سكنية جديدة بجوار خطوط السكك الحديدية أمرًا مباشرًا، مما يتيح للركاب الوصول بسهولة إلى مراكز المدن. كما تسمح هذه القواعد بزيادة الكثافة العمرانية في مراكز المدن، وهو ما يوفر للركاب مزيدًا من الوجهات التي يرغبون في الوصول إليها.
تتطلب السكك الحديدية تكاليف مرتفعة للإنشاء، لكنها تستطيع بعد اكتمال بنائها نقل أعداد هائلة من الأشخاص، تفوق بكثير ما يمكن لطريق مماثل لها في الحجم نقله. ولذلك، فإنها تعمل بأفضل كفاءة في المدن التي تتميز بكثافة مرتفعة من السكان والوظائف والأنشطة الأخرى. وفي عام 2019، كانت مدينة نيويورك الأمريكية المدينة الوحيدة في الولايات المتحدة التي تجاوزت فيها حصة السكك الحديدية من وسائل التنقل المستخدمة حصة السيارات، ويعود ذلك جزئيًا إلى أن مانهاتن تضم 2.5 مليون وظيفة، ومليوني نسمة، وخمسين مليون زيارة سياحية، ضمن مساحة لا تتجاوز 59 كيلومترًا مربعًا.
ولا يعني ذلك أن المدن التي تعتمد على السكك الحديدية يجب أن تتخذ شكل المدن الصينية، التي تتألف من تجمعات منفصلة من الأبراج السكنية الشاهقة، تربط بينها شبكات المترو وتفصلها الطرق السريعة. فاليابان تسجل أدنى كثافة سكنية على مستوى المناطق السكنية في آسيا، كما أن نسبة كبيرة من اليابانيين يعيشون في منازل مستقلة، غالبًا ما تكون منفصلة عن المنازل المجاورة. وتقل الكثافة السكانية المرجحة بحسب توزيع السكان في المنطقة الحضرية لطوكيو، وهي أكثر المدن اليابانية كثافة سكانية، عن نظيرتها في مدن أوروبية عديدة، منها باريس ومدريد وأثينا. وتضم المدن اليابانية ضواحي واسعة منخفضة الارتفاع، يغلب عليها الطابع السكني، وتُبنى بكثافات قد تكون أعلى مما هو معتاد في الولايات المتحدة، لكنها تُعد طبيعية تمامًا في شمال أوروبا.
وعليه، فإن ما يجعل المدن اليابانية ملائمة على نحو خاص للسكك الحديدية ليس أحياؤها السكنية، بل مراكزها الحضرية الضخمة والشديدة الكثافة. فهذه المراكز استثنائية بالفعل؛ إذ لا يوجد في أوروبا أو أمريكا الشمالية ما يماثل قلبَي طوكيو وأوساكا من حيث الحجم والتكوين العمراني. وتشتهر هذه المناطق عالميًا بخصائص عديدة، منها المباني الرأسية متعددة الاستخدامات المعروفة باسم «زاكيو»، والشوارع الممتدة تحت الأرض، ومناطق التسوق الواقعة أسفل مسارات السكك الحديدية، والممرات التجارية المسقوفة، والساحات المرتفعة المحيطة بالمحطات، والمدن الرأسية التي تتوزع فيها الأنشطة على مستويات متعددة.
وهنا تحديدًا تتفوق السكك الحديدية؛ إذ تتمثل المهمة في نقل ملايين الركاب والمتسوقين إلى مراكز المدن. وبفضل كفاءتها المكانية الاستثنائية، تستطيع البنية التحتية التي تشغل مساحة محدودة نسبيًا نقل أعداد هائلة من الأشخاص إلى منطقة صغيرة.
لم تنشأ هذه الظروف نتيجة خطة رئيسية متكاملة للتنمية الموجهة نحو النقل العام، على غرار خطة الأصابع في كوبنهاغن أو النظام الثلاثي للطرق في كوريتيبا. بل إن التوجه السائد في اليابان خلال فترة ما بعد الحرب كان يدعم اللامركزية، سواء من خلال نقل الأنشطة إلى الأطراف الريفية أو إلى الضواحي، وذلك عبر إنشاء الأحزمة الخضراء والطرق السريعة والمدن الجديدة.
وبدلًا من ذلك، أصبح هذا التنوع والقدرة على التكيف في المناطق المحيطة بالسكك الحديدية ممكنين بفضل الطريقة التي يعمل بها التخطيط الحضري الياباني. فمنذ عام 1919، تمتلك اليابان نظامًا وطنيًا موحدًا لتقسيم المناطق إلى نطاقات تنظيمية، لكنه أكثر مرونة بكثير من أنظمة ضبط التنمية العمرانية في الدول الغربية. ولم تكن السلطات اليابانية تستهدف بالضرورة إنشاء مراكز حضرية كثيفة، بل لم تكن تسعى إليها حتى، لكنها لم تمنع ظهورها أيضًا، على نحو يشبه ما حدث في الدول الغربية خلال القرن التاسع عشر.
ويتعزز هذا النظام المرن لتقسيم المناطق من خلال إتاحة بعض صلاحيات التخطيط الحضري للجهات الخاصة. فقد خضع 30% من الأراضي الحضرية في اليابان لعمليات إعادة تنظيم الأراضي، وهي آلية يكفي فيها الحصول على موافقة ثلثي السكان وملاك الأراضي في منطقة معينة للسماح بإعادة تخطيطها، بما يشمل الاستحواذ الإلزامي على الأراضي وهدم المنشآت لتوفير المرافق والبنية التحتية.
في البداية، استُخدمت إعادة تنظيم الأراضي لتجميع الأراضي الريفية وتهيئتها للتوسع الحضري. لكن استخدامها اتسع تدريجيًا ليشمل إعادة تطوير المناطق الحضرية القائمة، كما ظهرت أشكال جديدة من هذه الآلية أتاحت إنشاء ناطحات السحاب المحيطة بالمحطات الرئيسية في وسط طوكيو.
ويمكن كتابة تاريخ شركات السكك الحديدية الخاصة باعتباره سلسلة من مشروعات إعادة تنظيم الأراضي. فقد جرى إنشاء الخطوط الأولية خلال الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين من خلال تنفيذ مشروع لإعادة تنظيم الأراضي تلو الآخر. أما التحسينات التي أُدخلت بعد الحرب، مثل إنشاء مسارات مزدوجة، وإطالة الأرصفة، وإعادة تطوير المحطات باستمرار والمناطق المحيطة بمداخلها ومخارجها، فلم تكن ممكنة إلا بفضل قدرة شركات السكك الحديدية على تأمين الأراضي اللازمة من خلال التعاون مع الشركات المحلية وملاك الأراضي.
ولعل أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة هو ما قامت به شركة توكيو. ففي عام 1953، قررت الشركة إنشاء خط دين إن توشي، أو خط مدينة الحدائق، لخدمة منطقة ريفية تقع جنوب غرب طوكيو. وكان تنفيذ المشروع يعتمد على سلسلة من مشروعات إعادة تنظيم الأراضي التي شكّلت مجتمعةً بعضًا من أكبر هذه المشروعات في تاريخ اليابان.
وعلى مدى ثلاثين عامًا، شملت هذه المشروعات مساحة قدرها 3,100 هكتار، لم يُخصص للتطوير السكني والتجاري منها سوى 36%. أما الغابات والحدائق فاستحوذت على 20%، والطرق على 17%، فيما خُصص جزء كبير من المساحة المتبقية للمجاري المائية. وارتفع عدد سكان المنطقة الخاضعة لإعادة التنظيم من 42 ألف نسمة عام 1954 إلى أكثر من 500 ألف نسمة عام 2003.
ومن خلال ربط الضواحي الجنوبية الغربية الميسورة الحال بالمركز العقاري الرئيسي لشركة توكيو المجاور لمحطة شيبويا، التي أصبحت ثاني أكثر محطات السكك الحديدية ازدحامًا في العالم، مكّن خط دين إن توشي الشركة من أن تصبح أكبر شركة سكك حديدية خاصة من حيث الإيرادات وعدد الركاب. وتعد الحكومة اليابانية والأوساط الأكاديمية هذا الخط عمومًا أفضل نموذج للتنمية الموجهة نحو النقل العام في اليابان.
لكن نموذج شركة السكك الحديدية التي تتولى بناء المدن ليس السبب الوحيد وراء نجاح السكك الحديدية اليابانية. فقد منعت الدول الأوروبية شركات السكك الحديدية عادةً من ممارسة أنشطة عقارية جانبية، في حين كان هذا النموذج واسع الانتشار للغاية في الولايات المتحدة وكندا خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وطُورت من خلاله ضواحٍ سكنية شهيرة عديدة بمحاذاة خطوط السكك الحديدية. ومع ذلك، انهارت خدمات نقل الركاب بالسكك الحديدية في هذه الدول خلال منتصف القرن العشرين. ويعود جزء من هذا الاختلاف إلى أن اليابان لم تقدم للسيارات الإعانات الضمنية نفسها التي قدمتها الحكومات الغربية.
تسعير استخدام السيارات
اليابان، موطن شركات تويوتا ونيسان وهوندا، ليست جنة معادية للسيارات. بل تمتلك طرقًا سريعة ممتازة، وتشكل رحلات السيارات نسبة صغيرة تتجاوز نصف إجمالي الرحلات في البلاد. لكن اليابان تتميز بأن السيارات وأنماط الحياة المعتمدة عليها تتنافس في ظل ظروف أكثر تكافؤًا.
وتُعد اليابان من الدول القليلة التي خصخصت مواقف السيارات. ففي أوروبا وأمريكا الشمالية، تخضع مساحات واسعة من مواقف السيارات للإدارة العامة؛ إذ تمتلك البلديات الشوارع وتسمح للناس بركن سياراتهم فيها بتكلفة منخفضة أو من دون مقابل. أما اليابان، فقد جعلت ركن السيارات في الطرق والأرصفة العامة من دون تصريح خاص أمرًا غير قانوني، وكان الهدف الأولي من ذلك تشجيع توفير المزيد من مواقف السيارات. ولذلك، يتعين على أي شخص يرغب في شراء سيارة أن يثبت امتلاكه مكانًا مخصصًا لركنها ليلًا على أرض خاصة، سواء كانت مملوكة له أو مستأجرة.
وبما أن ركن السيارات في الأراضي العامة محظور، فلا تشعر البلديات بالقلق إزاء انتقال السيارات إلى الشوارع المجاورة للمشروعات التي لا توفر مواقف خاصة كافية. ولذلك، لا تجد هذه البلديات سببًا لفرض حد أدنى إلزامي لعدد مواقف السيارات في المشروعات الجديدة، بل يُترك للسوق تحديد ما إذا كان تخصيص الأرض لمواقف السيارات هو الاستخدام الأكثر قيمة لها.
وحيث تتوافر الأراضي بكثرة، كما في المناطق الريفية والضواحي والبلدات الصغيرة، تكون مواقف السيارات الخاصة متاحة بوفرة. أما في مراكز المدن، فتجد هذه المواقف نفسها في منافسة مع استخدامات أخرى للأراضي، غالبًا ما تكون أكثر ربحية.
ووفقًا لدونالد شوب، الباحث الراحل في مجال تخطيط النقل واستخدام الأراضي، تضم طوكيو المركزية 23 موقفًا للسيارات لكل هكتار، و0.04 موقف لكل وظيفة، مقارنة بـ263 موقفًا لكل هكتار و0.52 موقف لكل وظيفة في لوس أنجلوس. وحتى مانهاتن، وهي المنطقة الحضرية الأكثر كثافة في أمريكا الشمالية والأقل من حيث معدلات امتلاك السيارات، تضم نحو 60 موقفًا للسيارات لكل هكتار.
ومن المفترض أن تمول الطرق اليابانية تكاليفها بنفسها. فالطرق السريعة تُدار من خلال هيئات عامة مستقلة ماليًا، تشبه إلى حد كبير السلطات القانونية التي كانت تدير الطرق والقنوات الإنجليزية بين عام 1660 وأواخر القرن التاسع عشر، وتعتمد في تمويلها على الرسوم التي يدفعها مستخدموها. كما تبلغ قيمة ضرائب تسجيل المركبات، التي تُخصص للجهات المحلية لتمويل إنشاء الطرق وصيانتها، ما يعادل 3% من ميزانية الحكومة اليابانية.
لم يكن الهدف من هذه التدابير، التي اعتُمدت في خمسينيات القرن العشرين، الحد من استخدام السيارات، بل تمويل توسع ضخم في شبكة الطرق. لكنها أدت إلى إلزام مستخدمي المركبات الخاصة بتحمل جزء كبير من تكاليفها الخفية بدلًا من نقلها إلى المجتمع. ففي المنطقة الحضرية لطوكيو، تنفق الأسرة المتوسطة 71 ألف ين، أي نحو 450 دولارًا سنويًا، على أجور النقل العام، مقابل 210 آلاف ين، أي نحو 1,350 دولارًا، على شراء السيارات وصيانتها.
ومع ذلك، لم تكن السيارات الخاصة المنافس الوحيد الذي واجهته شركات السكك الحديدية الخاصة. فعلى مدى ثمانية عقود من القرن العشرين، اضطرت هذه الشركات أيضًا إلى مواجهة القوة الهائلة التي مثلتها هيئة السكك الحديدية الوطنية اليابانية. وقد أدت خصخصة الهيئة عام 1988 إلى إزالة العقبة الأخيرة أمام إنشاء أفضل منظومة للسكك الحديدية في العالم.
الخصخصة
قوبلت خصخصة السكك الحديدية في بريطانيا ونيوزيلندا والأرجنتين والسويد بردود فعل متباينة، واتخذت جميع هذه الدول، باستثناء السويد، خطوات للتراجع عن الخصخصة. أما في اليابان، فقد حققت الخصخصة نجاحًا كبيرًا إلى درجة أن الحكومة أقدمت لاحقًا على خصخصة شبكات المترو في طوكيو وأوساكا.
حققت هيئة السكك الحديدية الوطنية اليابانية إنجازات حقيقية في فترة ما بعد الحرب. فقد أنشأت شبكة شينكانسن الثورية، التي كانت أول شبكة للسكك الحديدية فائقة السرعة في العالم. كما عملت الهيئة على كهربة الخطوط الرئيسية وتحويلها إلى خطوط مزدوجة بوتيرة مكثفة، وزيادة عدد المسارات إلى أربعة في الخطوط المؤدية إلى المدن الكبرى والخارجة منها، وإضافة خطوط دائرية داخل مراكز المدن وخطوط بديلة مخصصة للشحن لتجاوز المناطق المزدحمة.
لكن هذه الإنجازات طغت عليها مشكلتان أساسيتان.
تمثلت المشكلة الأولى في السياسة. فقد تعاملت دول عديدة مع صعود السيارات من خلال إغلاق الأجزاء الأقل ربحية من شبكات نقل الركاب بالسكك الحديدية، كما حدث عند دمج قطاع نقل البضائع بالسكك الحديدية في الولايات المتحدة ضمن الشركات الكبرى المعروفة باسم الفئة الأولى، أو عند تنفيذ خطة بيتشينغ في بريطانيا لإغلاق عدد كبير من خطوط السكك الحديدية. أما في اليابان، فقد استمد الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم دعمه من الدوائر الانتخابية الريفية، وحافظ على هذا الدعم من خلال سياسات توزيع الإنفاق العام على المشروعات المحلية لكسب التأييد السياسي.
وقد حالت مجموعة داخل الحزب تُعرف باسم «قبيلة السكك الحديدية»، ويقودها نواب عن المناطق الريفية، دون تمكين الهيئة من التكيف مع الانتشار الواسع للسيارات.
ونتيجة لذلك، لم تتخلص الهيئة من خدمات السكك الحديدية الريفية وخدمات الشحن المتعثرة التي كانت تستنزف مواردها وتتكبد تكاليف باهظة مقابل منافع محدودة. والأسوأ من ذلك أنها واصلت إنشاء خطوط ريفية جديدة خاسرة، عُرفت باللغة اليابانية باسم «غادن إنتيتسو»، وهو تعبير يُستخدم لوصف خطوط السكك الحديدية التي تُمد إلى حقول الأرز.
أما المشكلة الثانية، فكانت النقابات العمالية المنظمة. فعلى الرغم من أن النقابات اليابانية عمومًا تُعرف بالاعتدال وتحمل المسؤولية، وهو ما ينطبق أيضًا على نقابات شركات السكك الحديدية الخاصة العريقة، فإن نقابات هيئة السكك الحديدية الوطنية اتخذت موقفًا أكثر تشددًا، مطمئنة إلى أن أصحاب العمل المؤممين لن يتعرضوا للإفلاس أبدًا. وقد أدت أكبر سلسلة من الإضرابات التي نظمتها هذه النقابات عام 1973 إلى اندلاع أعمال شغب شارك فيها الركاب.
وفرضت نقابات السكك الحديدية مستويات من التوظيف تفوق الحاجة في خدمات النقل الحضرية المدرة للإيرادات، في وقت كانت فيه الشركات الدولية ومشغلو السكك الحديدية الخاصة المحلية يخفضون احتياجاتهم من العمالة، بالتزامن مع ارتفاع الأجور وتزايد أتمتة أنظمة الإشارات وبيع التذاكر. ونتيجة لذلك، شكلت تكاليف العمالة 78% من إجمالي تكاليف الهيئة، مقارنة بـ40% لدى شركات السكك الحديدية اليابانية الأخرى. وكان متوسط إنتاجية العامل في إحدى شركات السكك الحديدية الخاصة أعلى بنسبة 121% من إنتاجية نظيره في الهيئة.
وبحلول أوائل ثمانينيات القرن العشرين، لم يكن يحقق أرباحًا من بين خطوط الهيئة البالغ عددها 200 خط سوى سبعة خطوط. وأرجأت الحكومات المتعاقبة الإصلاحات الجادة، مما أدى إلى تراكم الديون، وتقليص الاستثمارات في إنشاء خطوط حضرية جديدة، ورفع أسعار التذاكر إلى مثلي أسعار التذاكر في شركات السكك الحديدية الخاصة المماثلة، وزيادة الإعانات الحكومية. واستمرت هذه الإعانات في الارتفاع حتى أصبحت قيمتها السنوية تعادل التكلفة الإجمالية لإنشاء شبكة شينكانسن.
في عام 1982، بدأ رئيس الوزراء ياسوهيرو ناكاسوني تنفيذ خطة لخصخصة السكك الحديدية. وعلى خلاف ما فعلته دول أخرى، عادت اليابان ببساطة إلى نموذج السكك الحديدية الخاصة التقليدي الذي ساد خلال القرنين التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث تمتلك تكتلات إقليمية متكاملة رأسيًا المسارات والقطارات والمحطات وساحات الصيانة والتشغيل.
ويحقق التكامل الرأسي مزايا كبيرة. فالسكك الحديدية منظومة مغلقة يتعين تخطيطها كوحدة واحدة. وقد يؤثر تغيير الجدول الزمني في المحطة «أ» في الجدول الزمني للمحطة «ي»، كما أن شراء قطارات جديدة قادرة على السير بسرعات أعلى قد يستلزم إجراء تعديلات على البنية التحتية حتى تتمكن هذه القطارات من بلوغ سرعتها القصوى، وهو ما قد يتطلب بدوره إعادة صياغة الجداول الزمنية.
وتزداد هذه العملية تعقيدًا عندما تستخدم خدمات مختلفة المسارات نفسها. ولمنع تأخر أحد القطارات من التسبب في تأخير قطارات أخرى، يجب تصميم الجداول الزمنية بعناية لضمان الاستخدام الأمثل للبنية التحتية المتاحة.
وكان الأثر الأوضح للخصخصة يتمثل في الزيادة الكبيرة والفورية في إنتاجية العمال وربحية الشركات مقارنة بشركات السكك الحديدية الخاصة العريقة. بل إن هذه العملية بدأت قبل تنفيذ الخصخصة؛ إذ إن مجرد التهديد بها عزز موقف الحكومة في مفاوضاتها مع النقابات، وأجبر الهيئة على البدء في إغلاق الخطوط الريفية.
وشهدت الخصخصة اتجاهًا عامًا نحو تحسين الإنتاجية، بعد قفزة كبيرة لمرة واحدة بين عامي 1982 و1990، خُفضت خلالها القوى العاملة بأكثر من النصف، وأُغلقت 83 خطًا خاسرًا، ونُقلت ديون الهيئة إلى شركة قابضة.
أما الميزة الكبرى الثانية للخصخصة، فكانت تمكين شركات JR من محاكاة نموذج شركات السكك الحديدية الخاصة العريقة التي تتولى بناء المدن. فعلى سبيل المثال، تمتلك JR East علامتين تجاريتين لمراكز التسوق، ومنتجعًا للتزلج، وسلسلة مقاهٍ، بل وحتى شركة متخصصة في مشروبات آلات البيع الآلي.
ولم تهمل شركات JR أعمال السكك الحديدية الأساسية؛ إذ واصلت إنشاء خطوط جديدة للقطارات فائقة السرعة وأنفاق حضرية، وتحديث المحطات، وتنفيذ مجموعة واسعة من التحسينات الأخرى. ومن أبرز هذه التحسينات إدخال البطاقات الذكية في تسعينيات القرن العشرين، التي تتيح للركاب دفع أجور التنقل بمجرد تمرير البطاقة على جهاز القراءة.
التنظيم الحكومي
لا يعني ذلك أن قطاع السكك الحديدية الياباني نتاج خالص للمشروعات الحرة. فلم توجد في أي وقت منظومة سكك حديدية تعتمد على السوق وحده. لكن النظام الياباني توصل إلى صيغة متوازنة تجعل تدخل الدولة في سياسة السكك الحديدية واضحًا ومحدودًا.
وبصرف النظر عن تنظيم سلامة السكك الحديدية والأنشطة التجارية، توجد أداتان رئيسيتان تستخدمهما السياسة العامة في هذا المجال، هما وضع حدود قصوى لأسعار التذاكر وتقديم إعانات لدعم التوسع في البنية التحتية.
غالبًا ما يُستشهد بضوابط الأسعار بوصفها مثالًا تقليديًا على التدخل الحكومي الخاطئ، سواء تعلق الأمر بتحديد سقف الإيجارات، أو وضع حدود قصوى لأسعار البنزين، أو تجميد الأجور، أو تحديد أسعار دنيا للمنتجات الزراعية. ويُعد الاكتظاظ الشديد الذي تشتهر به قطارات طوكيو أحد أعراض انخفاض أسعار التنقل خلال ساعات الذروة عن مستواها الذي كان يمكن أن تبلغه في ظل ظروف السوق.
تتمتع شركات السكك الحديدية بقوة سوقية لأن البدائل المتاحة للتنقل بالقطار، مثل الحافلات والسيارات والطائرات، تختلف عنه اختلافًا كبيرًا من حيث طبيعة الخدمة. وقد أدى هذا الوضع الاحتكاري تاريخيًا إلى مشكلات عديدة؛ إذ تميل الاحتكارات، سواء كانت خاصة أو عامة، إلى استغلال موقعها لرفع الأسعار وتقديم خدمات رديئة.
ولهذا السبب، فُرضت ضوابط على الأسعار على كثير من الاحتكارات الخاصة التي كانت شائعة في العالم الغربي قبل الحرب العالمية الأولى. فعلى سبيل المثال، كانت معظم شبكات الترام الأمريكية تُدار بموجب امتيازات طويلة الأجل تمنحها المدن، مع إخضاع الأسعار للرقابة.
ولو حُددت الحدود القصوى لأسعار التذاكر عند مستويات منخفضة للغاية، لكان من الممكن أن تتعرض السكك الحديدية اليابانية للانهيار. وهذا ما حدث بالفعل لكثير من خدمات النقل العام الغربية بعد الحرب العالمية الأولى. لكن اليابان اتبعت بعد الحرب نهجًا أكثر سخاءً في تحديد سقوف الأسعار.
فقد صُمم النظام صراحةً للحفاظ على ربحية كل راكب، وهو ما يحفز الشركات بدوره على زيادة أعداد الركاب إلى أقصى حد ممكن. ويسهم ذلك في منح النظام المخصخص شرعية سياسية، وهي ضرورة لاستمرار تقديم إعانات التوسع الرأسمالي في البنية التحتية.
وفي الواقع، خلال فترة الانكماش السعري الطويلة التي امتدت بين عامي 1992 و2022، كان من الشائع أن تفرض الشركات أسعارًا تقل عن الحدود القصوى المسموح بها، بينما استمرت القيمة الحقيقية لأجور السكك الحديدية في الارتفاع.
وتُحدد الحدود القصوى لأسعار التذاكر استنادًا إلى متوسط هياكل التكاليف لدى جميع مشغلي السكك الحديدية في المنطقة. ولذلك، غالبًا ما كانت الشركات التي تقل تكاليفها عن المتوسط، مثل توكيو، تفرض أسعارًا أدنى من السقف المحدد للحفاظ على ميزتها التنافسية، وتجنب ردود الفعل السلبية من الجمهور، وزيادة حركة الركاب نحو أنشطتها التجارية المساندة.
وباستثناء الحدود القصوى لأسعار التذاكر، تتمتع شركات السكك الحديدية بحرية اتخاذ قراراتها بشأن الجداول الزمنية وأنماط الخدمات والعمليات اليومية. وهذه مهام فنية متخصصة للغاية تتطلب خبرة عميقة. ويختلف هذا النهج عن تدخل الحكومة في تفاصيل تشغيل خدمات النقل، كما يحدث عند تدخلها في تحديد مسارات شركة أمتراك الأمريكية.
وتؤدي الإعانات الحكومية المصممة بعناية دورًا مفيدًا أيضًا. فعلى الرغم من أن السكك الحديدية اليابانية لا تتلقى إعانات لتغطية تكاليف التشغيل اليومية، فإنها تحصل على قروض ومنح حكومية لتمويل الاستثمارات الرأسمالية.
وترتبط هذه المساعدات عادةً بأولويات عامة محددة، مثل تحسين إمكانية الوصول للأشخاص ذوي الإعاقة، أو تعزيز قدرة البنية التحتية على مقاومة الزلازل، أو تنفيذ مشروعات تحقق منافع عامة واسعة لا تستطيع شركة السكك الحديدية الاستفادة منها بالكامل، مثل إزالة تقاطعات الطرق مع السكك الحديدية، أو رفع خطوط السكك الحديدية والترام عن مستوى سطح الأرض للحد من الازدحام المروري ومخاطر الحوادث.
وعادةً ما تقدم حكومة المحافظة المحلية تمويلًا مماثلًا للمساهمة التي تقدمها الحكومة الوطنية. أما مشروعات الإنشاء الجديدة الكبرى، فتخضع لشروط تتعلق بالتأجير وإعادة التأجير أو سداد الديون، بحيث يُتوقع أن تغطي إيرادات التذاكر تكاليف التمويل على المدى الطويل.
وصفة نجاح السكك الحديدية
استثمرت شركات السكك الحديدية بكثافة في الأنشطة العقارية، وكثيرًا ما مولت إنشاء الخطوط من خلال بيع الأراضي المخصصة للسكن حول المحطات الجديدة. وقد سمحت السياسات المرنة المتعلقة باستخدام الأراضي بتنفيذ هذه المشروعات بسهولة، بالتزامن مع إتاحة التطوير العمراني الكثيف في مراكز المدن التي تتلاقى فيها خطوط السكك الحديدية الشعاعية.
وكانت شركات السكك الحديدية في الغالب احتكارات إقليمية متكاملة رأسيًا، تمتلك الأراضي والمسارات والقطارات، وتضع جداولها الزمنية بنفسها، وتوظف العاملين لديها. وفرضت الدولة ضوابط لمنع هذه الشركات من استغلال قوتها الاحتكارية، لكنها فعلت ذلك بحذر، بما يسمح لها بتحقيق أرباح كافية للحفاظ على حوافز الاستثمار. كما وُجهت الإعانات الرأسمالية نحو توفير منافع عامة محددة لا تغطيها الأنشطة التجارية المعتادة.
يمكن أن يكتب مؤرخ في المستقبل الفقرة السابقة عن اليابان المعاصرة. لكن كل كلمة فيها يمكن أن يكتبها أيضًا مؤرخ اليوم عن الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، التي يُنظر إليها عادةً باعتبارها النموذج الأبرز للفردية الرأسمالية. وهذه الحقيقة اللافتة تناقض الفكرة القائلة إن النزعة الفردية المفترضة لدى الأمريكيين تجعل الولايات المتحدة محكومة بأن تكون أرض السيارات، أو إن النزعة المجتمعية المفترضة لدى اليابانيين تجعل اليابان محكومة بأن تكون أرض السكك الحديدية.
كما تثير هذه الحقيقة تساؤلات حول الفكرة القائلة إن تراجع السكك الحديدية نتيجة حتمية لانتشار السيارات. فقد شهدت جميع الدول تحولًا جزئيًا نحو استخدام السيارات خلال القرن العشرين، واضطرت قطاعات السكك الحديدية فيها إلى الاستجابة لهذا التحول. لكن السياسات العامة كان لها تأثير هائل في تحديد مدى نجاح هذه القطاعات في التكيف معه.
فمنذ عشرينيات القرن العشرين، أسهم انتشار القيود التنظيمية على الكثافة العمرانية، والمبالغة في فرض ضوابط الأسعار، والتأميم، وخصخصة السكك الحديدية مع تفكيك التكامل الرأسي بين مكوناتها، في إضعاف قدرة السكك الحديدية الغربية على المنافسة مع السيارات.
أما اليابانيون، فمن خلال الحفاظ على المؤسسات التي أسهمت في إنشاء منظومات السكك الحديدية الأولى خلال القرن التاسع عشر واستعادتها، فقد نجحوا في بناء أقوى منظومة للسكك الحديدية في القرن الحادي والعشرين.
