القائمة الرئيسية

كيف تربي أطفالاً يتمتعون بالقدرة والكفاءة في هذا العالم

كيف تربي أطفالاً يتمتعون بالقدرة والكفاءة في هذا العالم
ملخص المقال

يؤكد المقال أن المرونة النفسية لدى الأطفال ليست سمة فطرية، بل مجموعة مهارات يمكن تنميتها عبر تعليمهم التعامل مع المشاعر، وحل المشكلات، وخوض التحديات بدلاً من حمايتهم منها باستمرار. ويحذر من أن الإفراط في إنقاذ الأطفال من المواقف الصعبة يعزز القلق ويضعف ثقتهم بقدرتهم على مواجهة الحياة، بينما تنشأ الثقة الحقيقية من اكتساب الكفاءة من خلال التجربة والفشل والمحاولة المتكررة. كما يدعو الآباء إلى جعل المرونة جزءاً من ثقافة الأسرة، ومشاركة أبنائهم تجاربهم الشخصية مع الإخفاق والتعلم، وتشجيعهم على تقبل الفشل بوصفه خطوة أولى في التعلم، مع الاعتماد على الحكمة والخبرة التربوية أكثر من الإفراط في الاعتماد على المعلومات أو التكنولوجيا، بهدف تنشئة أطفال قادرين على التكيف مع الضغوط ومواجهة تحديات الحياة بثقة واستقلالية.

المرونة ليست مجرد صفة، بل هي منظومة مهارات متكاملة تجمع بين الوعي العاطفي، والقدرة على حل المشكلات، والتحلي بالمرونة الذهنية. هذه المهارات هي التي تمنح الطفل القدرة على تجاوز الأزمات والتكيف مع قسوة الظروف. وبإمكان الآباء غرس هذه الخصال في أطفالهم عبر تزويدهم بالأدوات اللازمة للتعامل مع الصعاب، مما ينمي لديهم شعوراً عميقاً بالثقة والشجاعة والاستقلالية.

إن الفرص لتعليم الأطفال فن المرونة تتوفر في حياتنا اليومية، سواء كان ذلك بمواساة الطفل في خيبة أمل بسيطة، أو مساعدته على ترويض مشاعره الجياشة، أو تشجيعه على خوض تجربة جديدة تبعث في نفسه الرهبة.

ورغم هذه الفرص الثمينة للنمو، يشير خبراء التربية والمعالجون النفسيون ""سيسي غوف"" و""ديفيد توماس"" إلى أننا نعيش حالياً ما يسمونه ""أزمة القدرة"" لدى الأطفال.

وفي كتابهما الأخير ""القدرة"" (Capable)، يستخلص ""غوف"" و""توماس"" حصيلة ثلاثين عاماً من الممارسة السريرية، ليقدما دليلاً إرشادياً يساعد الآباء على تنشئة أطفال يتمتعون بالثبات أمام العواصف، ويؤمنون بقدراتهم الذاتية، ولا يترددون في خوض تجارب بناءة تعزز من مهاراتهم.

جولي فراجا: ما الذي دفعكما لتأليف هذا الكتاب، ولماذا توقيته الآن؟

ديفيد توماس (أخصائي اجتماعي سريري): الصحة النفسية للنشء تعاني من أزمة متفاقمة منذ سنوات. تشير الإحصاءات إلى أن طفلاً واحداً من بين كل خمسة أطفال يعاني من اضطرابات القلق، وأن ثمانية عشر بالمئة من المراهقين بين الثانية عشرة والسابعة عشرة يظهرون أعراضاً اكتئابية.

وقد لاحظنا في ممارستنا أن هذا التراجع في الحالة النفسية ترافق مع ضعف في قدرة الأطفال على الاعتماد على أنفسهم. لقد أصبحنا نستقبل في عياداتنا أطفالاً يشعرون بالعجز عن القيام بأمور بسيطة، كالمبادرة بالتعرف على صديق جديد، أو المشاركة في رياضة لا يضمنون التميز فيها، أو حتى السعي لنيل رخصة القيادة.

جولي فراجا: كيف يؤثر القلق في ثقة الطفل بنفسه؟

سيسي غوف (استشارية تربوية): أثبتت الدراسات أن أبرز استراتيجيتين يلجأ إليهما الآباء للتعامل مع قلق أطفالهم هما ""الهروب"" و""التجنب"". لقد أصبح الآباء يسارعون إلى انتشال أطفالهم من المواقف المزعجة أكثر من أي وقت مضى.

وبحكم تخصصي في قضايا القلق، أرى أن جوهر المشكلة يكمن في ""تضخيم حجم التحدي والتقليل من قدرة الطفل على المواجهة"". فعندما نتدخل لإنقاذ أطفالنا في كل مرة، نحن نرسل لهم رسالة مبطنة مفادها: ""أنت بحاجة إلينا دائماً، ولا يمكنك تخطي الصعاب وحدك"".

جولي فراجا: ما مواصفات الطفل ""القادر"" في نظركما؟

ديفيد توماس: الطفل القادر هو من تدرب على التأقلم وأتقن مهارات مواجهة تحديات الحياة. يجب أن يدرك الآباء حقيقة جوهرية: الضغوط جزء لا يتجزأ من حياتنا، ولا أحد بمنأى عنها، لكننا ننسى أن الضغط قد يكون أحياناً وقوداً للنمو. إذا استوعبنا هذه الفكرة، سننظر إلى ضغوط أطفالنا بوصفها فرصاً لبناء شخصياتهم.

خذ ابنتي مثالاً؛ فقد انضمت لفريق الجري في مدرستها، وظلت تأتي في المركز الأخير لثلاثة مواسم كاملة. كانت تلك المرحلة من أكثر الفترات التي نضجت فيها. لقد صفقت لها بحرارة عندما أتمت ماراثوناً لاحقاً، وهذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا صبرها على تكرار المحاولة رغم الفشل.

إن دعمنا لأطفالنا يجب ألا يقف حجر عثرة أمام فرص نموهم. فالكفاءة أعمق بكثير من مجرد الثقة السطحية بالنفس. نحن نبالغ في مدح الأطفال لنشعرهم بالثقة، لكن الثقة الحقيقية هي نتاج الكفاءة المكتسبة من خوض التجارب الصعبة وتطوير مهارات التعامل معها.

جولي فراجا: هل هناك خطوات عملية بسيطة لتعزيز هذه المرونة؟

ديفيد توماس: تذكر دائماً أنك بطل طفلك الأول. حتى لو تظاهر المراهقون بعدم الاكتراث، فهم يراقبون تصرفاتك ويسمعون كلماتك. اجعل المرونة جزءاً من ثقافة الأسرة، ولا تتردد في مشاركتهم التحديات التي تواجهك شخصياً.

مثلاً، يمكنكم كسر الروتين اليومي بطرق بسيطة، كأن تغيروا أماكنكم على مائدة الطعام، فهذا ينمي لديهم المرونة والقدرة على التكيف مع التغيير، ويوصل رسالة هادئة بأننا جميعاً نتعلم وننمو معاً.

جولي فراجا: في عصر الذكاء الاصطناعي والمعلومات المتدفقة، بماذا تنصحان الآباء المشوّشين؟

سيسي غوف: المشكلة اليوم هي وفرة المعلومات، مما جعل الآباء يثقون في الخبراء والتقنية أكثر من ثقتهم بحدسهم الفطري. قد يلجأ البعض للذكاء الاصطناعي لحل مشاكلهم، لكن التكنولوجيا تقدم ""معلومات"" لا ""حكمة"". نصيحتي هي انتقاء عدد قليل من المصادر الموثوقة التي تساعد الآباء على الثقة بحدسهم وخبرتهم في تربية أبنائهم.

جولي فراجا: ماذا يجد القارئ في كتابكما ليساعده في هذه المهمة؟

(كتاب القدرة: كيف تعلم أطفالك نقاط القوة والمهارات والاستراتيجيات لبناء المرونة - دار نشر بيثاني هاوس، 2026)

ديفيد توماس: وضعنا في الكتاب خمس نقاط قوة، وخمس مهارات، وخمس استراتيجيات أساسية لبناء هذا الطفل القادر.

ومن أهم المهارات كيفية التعامل مع الفشل. نحن نحب تفسير كلمة فشل (FAIL) كاختصار لمصطلح ""المحاولة الأولى في التعلم"". فالفشل هو المحفز الأكبر لنماء الدماغ. كما نشجع الآباء على سرد تجاربهم الشخصية أمام أطفالهم.

لقد أخبرتني أم في الأربعينيات من عمرها أنها بدأت تعلم التنس، وكانت تشعر بالحرج من ضعف مستواها أمام الآخرين، لكنها حولت هذا الموقف إلى درس رائع لأطفالها حين شاركتهم مشاعرها بصدق. إن مشاركة تجاربنا بضعفنا وإخفاقاتنا هي أصدق وسيلة لتعليم أطفالنا أن الحياة ليست سلسلة من النجاحات المتصلة، وأن الشعور بالارتباك أمر طبيعي وعابر.

المصدر

مقالات ذات صلة