القائمة الرئيسية

من الشك إلى الفرصة: كيف ينظر المجتمع إلى العلوم الثورية؟

من الشك إلى الفرصة: كيف ينظر المجتمع إلى العلوم الثورية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف تتحول نظرة المجتمعات إلى العلوم الثورية من الحذر والشك إلى التفاؤل والقبول، مع ازدياد المعرفة وظهور فوائد ملموسة في الحياة اليومية. وتسلط الضوء على التقنيات الجينومية الجديدة في الزراعة بوصفها مثالاً بارزاً، خاصة بعد التحول التنظيمي الأخير في أوروبا، كما توضح أن بناء الثقة لا يعتمد على الأدلة العلمية وحدها، بل أيضاً على التجارب الحياتية، وشفافية الحوكمة، وقدرة المبتكرين على إظهار أثر ابتكاراتهم في تعزيز الأمن الغذائي والاستدامة والقدرة التنافسية.

  • تسهم زيادة المعرفة وظهور الفوائد الملموسة في الحياة اليومية في تعزيز التفاؤل تجاه العلوم الثورية.
  • وينعكس هذا الزخم الإيجابي في تحول تنظيمي بارز شهدته أوروبا مؤخراً بشأن التقنيات الجينومية الجديدة في الزراعة.
  • ويتعين على المبتكرين مواصلة إثبات الآثار العملية الملموسة لهذه التقنيات من أجل بناء ثقة راسخة وتحقيق قبول مجتمعي واسع.

يشعر البشر، بطبيعتهم، بعدم الارتياح تجاه الغموض والمخاطر. وكما يوضح دانيال كانيمان في كتابه «التفكير، السريع والبطيء»، فإن ردود أفعالنا الأولية تجاه الأمور غير المألوفة تميل غالباً إلى السلبية، بينما لا يتشكل الحكم الأكثر تأنياً إلا لاحقاً وبعد بذل جهد ذهني. وفي ظل التحولات الجيوسياسية، وتسارع دورات التغير الثقافي، والتقدم التكنولوجي السريع، أصبحنا نواجه الجديد وغير المألوف بوتيرة متزايدة. ويساعد ذلك على تفسير سبب إثارة الابتكارات الثورية للحماس لدى البعض، والخوف لدى آخرين، فيما يقف معظم الناس في منطقة وسطى بين الموقفين.

وتختلف درجة الانفتاح على الابتكار اختلافاً كبيراً بحسب العمر والتعليم والموقع الجغرافي ونوع التكنولوجيا. فعادةً ما تثير الابتكارات في مجال الرعاية الصحية قدراً أكبر من التفاؤل، في حين تُقابل الابتكارات المرتبطة بالغذاء والزراعة بمزيد من الحذر، ولا سيما في البلدان ذات الدخل المرتفع، حيث لا يشكل نقص الغذاء تهديداً مباشراً. وفي مختلف المجالات، يكون التشكيك أقوى في المجتمعات الأكثر ثراءً. وقد يبدو ذلك متناقضاً، إذ إن معظم الابتكارات، وفقاً لعدد براءات الاختراع والأبحاث العلمية، تنشأ في الدول ذات الدخل المرتفع، مع استثناء بارز يتمثل في الصين.

فهم أسباب التشكيك المجتمعي

كان فهم كيفية تشكل مواقف المجتمع تجاه العلوم الثورية أحد الدوافع الرئيسية وراء إعداد التقرير النوعي الحديث «كيف ينظر المجتمع إلى العلوم الثورية: فهم الأسباب»، الذي طورته شركة «ليبس باي باير» بالتعاون مع مجموعة بوسطن الاستشارية وشركة إبسوس المملكة المتحدة. واستناداً إلى مقابلات معمقة أُجريت في الصين وألمانيا والولايات المتحدة، تستكشف الدراسة العوامل العاطفية الكامنة وراء التفاؤل والحذر والمقاومة تجاه ابتكارات تشمل الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، والعلاجات الخلوية والجينية، والتقنيات الجينومية الجديدة في الزراعة. ويستند التقرير إلى دراسة أُجريت عام 2025 بعنوان «كيف ينظر المجتمع إلى العلوم الثورية»، تناولت المواقف العامة تجاه هذه التقنيات لدى أكثر من 13 ألف مشارك في 13 دولة.

ووفقاً للبحث، يزداد التفاؤل كلما ارتفع مستوى المعرفة، كما يمكن للأدلة العلمية الموثوقة أن تعزز الثقة، خاصةً لدى الأشخاص الذين يتبنون مواقف محايدة. ومن اللافت أن موقف الفرد الواحد قد يختلف بدرجة كبيرة من تقنية إلى أخرى؛ فقد تكون شابة ألمانية شديدة التشكيك في الطريقة التي سيؤثر بها الذكاء الاصطناعي في مستقبلها، لكنها في الوقت نفسه قد تكون منفتحة على استخدام التقنيات الجينومية الجديدة في الزراعة بسبب مخاوفها من نقص الغذاء العالمي.

وفي الواقع، من بين التقنيات الأربع التي تناولتها الدراسة الأولى عام 2025، سُجلت أعلى مستويات الحياد تجاه الابتكارات المرتبطة بالغذاء والزراعة. ويشير هذا الحياد إلى أن كثيراً من الناس لم يشكلوا بعد موقفاً نهائياً، وأن القبول المجتمعي لا يزال بحاجة إلى أن يُكتسب. ويتوقف الكثير على القدرة على توضيح الفوائد الملموسة لهذه التقنيات بوضوح.

نقطة تحول في السياسات الأوروبية

توضح الحاجة إلى تحقيق التوافق المجتمعي والتنظيمي أهمية القرار الأخير الذي اتخذه البرلمان الأوروبي في 17 يونيو، بدعم إطار تنظيمي جديد للنباتات المطورة باستخدام بعض التقنيات الجينومية الجديدة. وبموجب هذا الإطار، أصبح من الممكن زراعة النباتات التي تحتوي على تغيرات جينية كان من الممكن أن تحدث بصورة طبيعية أو من خلال أساليب التربية التقليدية، وبيعها داخل الاتحاد الأوروبي. وبينما لا تزال الكائنات المعدلة وراثياً، المعروفة اختصاراً باسم الكائنات المحورة جينياً، خاضعة للقيود في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا القرار يمثل أهم تحول في السياسة الأوروبية منذ ما يقرب من 30 عاماً. كما يشكل إشارة قوية إلى اعتماد المشرعين وناخبيهم على المنطق القائم على العلم والأدلة.

يفتح الإطار الجديد للاتحاد الأوروبي الباب أمام ابتكارات زراعية من شأنها دعم نظام غذائي أكثر قدرة على الصمود واستدامة وتنافسية. وتتيح أدوات مثل تقنية «كريسبر»، التي تستخدمها شركات ضمن محفظة «ليبس» مثل شركة «بيروايز»، تطوير أصناف من المحاصيل أكثر قدرة على تحمل تغير المناخ، ومقاومة الآفات والأمراض، واستخدام الموارد بكفاءة أكبر. وعلى الرغم من أن الأنظمة الغذائية في أوروبا آمنة نسبياً في الوقت الحالي، فإن تقديرات بنك الاستثمار الأوروبي والمفوضية الأوروبية تشير إلى أن تغير المناخ قد يؤدي إلى زيادة الخسائر الزراعية في الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 66% بحلول عام 2050.

وقد يتيح تحديث الإطار التنظيمي إطلاق ابتكارات مثل محصول «كوفر كريس»، الذي طورته إحدى شركات محفظة «ليبس»، والتي أصبحت الآن مملوكة بحصة أغلبية لشركة باير. وينمو هذا المحصول المعدل جينياً بين دورات زراعة الذرة وفول الصويا، ويُستخدم في الوقت نفسه كمحصول غطاء ومصدر للوقود الحيوي المستخدم في الطيران المستدام، ما يقدم مثالاً عملياً على قدرة الابتكار على تحقيق فوائد للمزارعين والبيئة في آن واحد.

مقالات ذات صلة