القائمة الرئيسية

كيف يمكن للأطفال أن يتعلموا التنمر في المنزل

كيف يمكن للأطفال أن يتعلموا التنمر في المنزل
ملخص المقال

يوضح المقال أن سلوك التنمر لدى الأطفال لا ينشأ بمعزل عن بيئتهم، بل يتشكل إلى حد كبير من خلال تقليد أساليب الكبار في التعامل، مثل التهديد، والتلاعب العاطفي، والانتقاد المستمر، أو حتى الصمت العقابي، إذ يتعلم الأطفال أن هذه الوسائل مشروعة لتحقيق ما يريدون. ويستند المقال إلى أبحاث نفسية تؤكد أن التعرض للعنف أو النزاعات الأسرية في الطفولة يزيد من احتمالات ممارسة العدوان أو التعرض له لاحقًا، بينما يسهم الاحترام المتبادل والتواصل الإيجابي بين الوالدين في غرس مهارات اجتماعية صحية تقلل من التنمر وتعزز قدرة الأبناء على مقاومته. ويخلص المقال إلى أن أفضل وسيلة لحماية الأطفال من التنمر ليست الاكتفاء بتوجيههم، بل أن يكون الوالدان قدوة في اللطف، والتقدير، والتعاون، لأن الأطفال يتعلمون من السلوك الذي يشاهدونه أكثر مما يتعلمون من النصائح التي يسمعونها.

يتشرب الأطفال سلوك التنمر من ممارسات الكبار، وتحديداً عبر أساليب التهديد والتلاعب العاطفي والنقد المستمر التي يشهدونها في محيطهم. وفي هذا السياق، تسلط أخصائية في علم نفس الطفل الضوء على الدور المحوري للوالدين، وكيف يمكنهما تقديم نموذج سلوكي أفضل يحتذي به الأبناء في إدارة علاقاتهم.

""نفذ ما أقوله لك حالاً، وإلا شطبت اسمك من قائمة المدعوين لحفل عيد ميلادي""

""لن أشاركك في إنجاز هذا المشروع المدرسي إلا إذا أعطيتني قطعة الحلوى التي في وجبتك""

تمثل هذه الأنماط من التهديد أدوات شائعة يتوسل بها الكثير من تلاميذ المدارس لفض نزاعاتهم اليومية. وللأسف، يميل الآباء والمعلمون أحياناً إلى غض الطرف عن هذه السلوكيات، ظناً منهم أنها مجرد تصرفات طفولية عابرة ولا تشكل أي خطورة حقيقية.

ولكن إذا أمعنا النظر، فهل تختلف هذه العبارات الصادرة من الصغار عن المناخ العام الذي يعيشونه مع الكبار في بيوتهم؟ إن المسافة قصيرة جداً والخطوة تكاد تكون واحدة بين قول الأب ""من الأفضل أن تجهز بسرعة لكي تلحق بالمدرسة وإلا صبّت والدتك جام غضبها علينا"" وبين قول الطفل لزميله ""إن لم تترك لي هذه اللعبة فلن تصبح صديقي المقرب بعد اليوم"".

إن ما يصدر عن البالغين وما يقلده الصغار ليسا إلا وجهين لعملة واحدة وهي سلوك التنمر. ومن واقع عملي كأخصائية في علم نفس الطفل، أؤكد أن الصغار يمثلون مرآة عاكسة لكل ما يراقبونه من تصرفات في بيئاتهم الأسرية. ولا تتوقف خطورة التنمر عند حدود الأذى النفسي الذي يلحق بالضحية، بل تمتد لتلقي بظلالها القاتمة على المتنمرين أنفسهم، إذ تزداد لديهم احتمالات الإصابة بالاكتهاب عند دخولهم مرحلة المراهقة مقارنة بأقرانهم. وعلاوة على ذلك، يكون هؤلاء اليافعون أكثر عرضة للانجراف نحو السلوكيات العدوانية المتمردة، واختراق القوانين، والوقوع في شرك الإدمان، فضلاً عن ميلهم الفطري لمصاحبة رفاق السوء الذين يشبهونهم في هذه الميول والانحرافات.

لكن الجانب المشرق في هذه القضية يكمن في قدرة الآباء على إحداث تغيير جذري، وذلك عبر مراجعة الطرق التي يديرون بها خلافاتهم الشخصية، وتقديم نموذج عملي أمام أبنائهم يوضح كيفية التواصل والتعامل مع الآخرين بأساليب أكثر نضجاً وإيجابية.

دوافع البشر في توجيه سلوك الآخرين

إذا نظرنا إلى المجتمعات الإنسانية بمختلف ثقافاتها وطبائعها، سنجد أن معظم الأطفال يتحركون في هذه الحياة بدافع تحقيق هدفين رئيسيين وهما نيل الأشياء التي يرغبون فيها، وتجنب الأمور التي ينفرون منها.

يبحث الأطفال دوماً عن الدفء العاطفي والمتمثل في الأحضان والقبلات، ويسعدون بكلمات الثناء والمكافآت، ويهوون الألعاب المبتكرة والأطعمة الشهية والحلويات. كما أنهم يتطلعون دائماً للعب والمرح وقضاء أوقات ممتعة برفقة الأهل والأصدقاء. وفي المقابل، تجدهم يتهربون من كل ما يرونه شاقاً أو مبعداً عن الراحة كترتيب الغرف، وأداء المهام المنزلية، والاستعداد للنوم، أو حل الواجبات المدرسية المعقدة والطويلة.

وعندما نتأمل في الوسائل التي تمكنك من دفع شخص ما للقيام بعمل لا يرغب فيه، وخصوصاً إذا كنت تملك سلطة مباشرة عليه، ستجد أمامك خيارين. الخيار الأول يعتمد على الأساليب الإيجابية مثل التشجيع المباشر وتقديم الحوافز وبث كلمات الثناء. أما الخيار الثاني فيرتكز على الأساليب السلبية مثل التهديد والابتزاز العاطفي واستخدام القوة. ومن البديهي أن الأسلوب القائم على الطلب المهذب واستعمال كلمات التقدير والاحترام يحقق نتائج تفوق بكثير أسلوب الإلحاح المستمر والتوسل.

ومن هنا يتعلم الأطفال التمييز بين الأساليب الناجحة والمقبولة اجتماعياً من خلال مراقبة الكبار الذين يمارسون سلطتهم عليهم في المحيط الأسري.

وفي الحالات الشديدة، يؤدي وجود مناخ عدائي أو عنيف بين الوالدين إلى مضاعفة احتمالات نشوء سلوكيات عدوانية وعنيفة لدى الأطفال في علاقاتهم الاجتماعية المستقلة. وتؤكد الدراسة الشهيرة التي أجراها عالم النفس ألبرت باندورا في جامعة ستانفورد عام ألف وتسعمائة وواحد وستين والمعروفة باسم ""دمية بوبو"" أن أطفال مرحلة ما قبل المدرسة الذين عاينوا شخصاً بالغاً يضرب ويركل دمية مطاطية ضخمة، كانوا هم الأكثر ميلاً لإفراغ شحنات غضبهم وإحباطهم بضرب تلك الدمية وتدميرها.

وفي إطار البحوث الميدانية التي قمت بإعدادها، ركزت على تتبع مسار الأطفال الذين عاصروا حالات من العنف المنزلي بين آبائهم وأمهاتهم منذ نعومة أظفارهم وفي مرحلة الرضاعة. وجاءت النتائج لتبين أن هؤلاء الأطفال عندما كبروا وصاروا بالغين، كانوا الأكثر عرضة للوقوع ضحايا للعنف أو ممارسين له مع شركاء حياتهم. وتزداد هذه النسبة بشكل ملحوظ إذا عايش الطفل العنف الأسري في سن ما قبل المدرسة مقارنة بمن مروا بهذه الخبرة في مراحل عمرية لاحقة، مما يؤكد أن الطفولة المبكرة هي النافذة الأهم والأخطر التي يتشرب فيها الطفل من والديه طرق حل الخلافات.

وبما أن شريحة واسعة من الناس لا تلجأ بالضرورة إلى الضرب أو العنف الجسدي الصريح لفرض إرادتها على الأطفال، فإن الصغار يوجهون رادارات انتباههم نحو الأساليب الأكثر دقة وخفاءً كالتلاعب والتهديد اللفظي والإقصاء. فعندما يعيش الطفل في بيئة يتردد في أرجائها عبارات التهديد المشروطة مثل ""إن لم تفعل كذا فستحرم من كذا، أو سأعاقبك بالطريقة الفلانية""، فإنه يستنتج تلقائياً أن التهديد أداة مشروعة وناجحة لإخضاع الآخرين وإجبارهم على الطاعة.

وهنا يبرز سؤال هام حول السلوكيات الأكثر دقة والتي قد لا ننتبه لخطورتها، مثل تبادل الانتقادات اللاذعة بين الزوجين أو اللجوء إلى سلاح الصمت والعناد.

إن استماع الأطفال الدائم للآباء وهم يتبادلون الاتهامات ويحطون من قدر بعضهم البعض، كأن تقول الأم ""إن والدكم يتخبط في العشوائية ولا يستطيع إدارة أي أمر بنجاح"" أو يقول الأب ""أمكم متكاسلة للغاية وتترك لي أعباء البيت كلها""، يدفع الصغار لتبني هذه الاستراتيجيات السلبية كأدوات لفرض الهيمنة الاجتماعية وسط أقرانهم.

وتترجم هذه السلوكيات في عالم الطفولة إلى عبارات قاسية من قبيل ""لن تلعبي معنا لأن ملابسك قبيحة"" أو ""أنت لست ذكياً بما يكفي لتكون في فريقي"". فالأطفال يمتلكون قدرة فائقة على رصد نقاط ضعف زملائهم واستغلالها بلا رحمة للوصول إلى مآربهم.

أما بالنسبة للأطفال الأكبر سناً الذين يراقبون أحد الوالدين وهو يعاقب الآخر بالصمت التام والتجاهل، فإن أساليب مثل النبذ الاجتماعي، أو مقاطعة الآخرين وإلغاء وجودهم تصبح أدوات فاعلة ومتاحة في حقيبتهم السلوكية.

غرس قيم اللطف والاحترام

وإذا التفتنا إلى الجانب المقابل من الصورة، وطرحنا التساؤل التالي: إذا كان تصدير العنف وعدم الاحترام للأبناء ينتج كل هذه الأضرار، فهل يؤدي تصدير الاحترام واللطف والرحمة إلى نتائج إيجابية؟ إن الإجابة تأتي بنعم قاطعة.

إن الآباء الذين يتخاطبون برقي، ويتبادلون عبارات الشكر والثناء، ويعملون كفريق متجانس، يقدمون لأبنائهم ذخيرة من الاستراتيجيات الاجتماعية السليمة التي تمتد آثارها الإيجابية على المدى الطويل. وحين يتسلح الصغار بهذه المهارات الراقية، فإنهم لا ينأون بأنفسهم عن ممارسة التنمر ضد الآخرين فحسب، بل يكتسبون مناعة نفسية تمكنهم من رصد أي محاولة للتنمر عليهم ومقاومتها بكل حزم.

وعلى سبيل المثال، إذا كانت الأم تتميز بطبع صبور ومستمع، وكان الأب يميل إلى الحزم ووضع الحدود الصارمة، يمكنهما التكامل كفريق يوزع الأدوار بحسب نقاط القوة. فيمكن للأم إدارة الفترة الصباحية بأسلوب دافئ وموجه، بينما يتولى الأب مسؤولية ضبط روتين النوم والنظام في المساء.

والسر الأهم الذي يضمن وصول هذه الرسالة للأبناء هو أن يتبادل الزوجان المدح والتقدير أمام مسمع ومرأى من الأطفال، كأن يقول الأب ""بفضل تنظيم والدتكم الرائع استطعنا الخروج في موعدنا المحدد""، أو تقول الأم ""الحمد لله الذي رزقنا بوالدكم الحريص على ترتيب شؤوننا"". إن هذا الاحترام المتبادل يترك أثراً عميقاً في نفوس الصغار، ويسهم في تعليمهم كيفية توظيف العلاقات الإنسانية لتحقيق المصالح المشتركة بطرق بناءة وصحية.

والأطفال الذين ينشؤون على استخدام اللطف كأداة للتواصل، ترفض نفوسهم تلقائياً قبول المعاملة السيئة أو الأساليب الالتوائية الصادرة عن المتنمرين، حيث يتحول اللطف إلى قيمة داخلية راسخة تمنح الطفل الشجاعة والصلابة ليرفض الإهانة ويدير ظهره للمتنمر.

إن الصغار لا يكفون عن مراقبة الكبار ليستلهموا منهم قواعد السلوك والتعامل. ويمتلك الآباء سلطة واسعة لتحديد ما يفعله الأبناء وكيف يفعلونه، لكنهم يمتلكون أيضاً قوة أعظم تتمثل في قدرتهم على تعليم أبنائهم كيف يحترمون بعضهم البعض، وكيف يواجهون تحديات الحياة وصعابها بكثير من الرضا والسلام النفسي. وتظل الكلمة المفتاحية في هذه المعادلة التربوية هي تقديم القدوة في اللطف، والعمل بروح الفريق الواحد، وإظهار الامتنان، والحرص على تطبيق هذا المنهج في كافة المراحل العمرية للطفل، وبخاصة في سنوات تكوينه الأولى.

المصدر

مقالات ذات صلة