مع اقتراب فصل الصّيف، غالبا ما تعاين الصّحفيّة المتخصّصة في شؤون البيئة، جاياشري ناندي Jayashree Nandi، تداول خرائط حراريّة تزعم أنّ الهند هي ""أكثر الأماكن حرارةً على كوكب الأرض"" أو تتنبّأ بارتفاع مفزع في درجات الحرارة دون مراعاة الفروق والتّباينات الدّقيقة للأرصاد الجوّية. وتعرب ناندي عن أسفها لذلك بقولها: ""مثل هذه الخرائط مضلّلة للغاية، والحقيقة أنّ الموضوعات العلميّة لا تسلم من المعالجة الباحثة عن الإثارة"".
وبدلا من دحض كلّ ادّعاء شائع، تفضّل ناندي تنزيل البيانات ضمن منظور أوسع اعتمادا على المعدّلات المناخيّة التاريخيّة والتّغيّرات الإقليميّة والبيانات الرّسميّة الصّادرة عن دائرة الأرصاد الجويّة الهنديّة وتؤكّد على ضرورة أن يكون الجمهور مستعدًّا لبذل الحدّ الأدنى من الجهد الفكري لتقبّل فكرة أنّ ""العلم غير قابل للتنبّؤ ومفتوح. غير أنّ قِلّة من القُرَّاءِ يتقبّلون فكرة عرض البيانات بكلّ ما تحمله من تعقيد"".
حلول زائفة
في غضون بضع سنوات، شهدت الصّحافة العلميّة تطوّرات كبيرة. فإلى حدّ هنا، سرت الأمور بطريقة يضطلع فيها الصحفيّون بدور النّاقل للمعارف العلميّة التي يُنتجها العلماء مع إعادة صياغتها بما يلائم إدراك عامّة النّاس. غير أن هذا النّموذج قد تجاوزه الزّمن نظرا لأنّ صحفييّ العلوم أصبحوا يعملون، حاليّا، في سياق يتّسم بانحسار الثّقة في المؤسّسات وتحت تأثير الاستقطاب السّياسي في علاقة بتأويل المعطيات العلميّة. أمّا الجمهور فقد أصبح عُرضةٌ للتّأكيدات العلميّة القطعيّة، ولنظريّات المؤامرة والمحتويات التي ينشرها المؤثّرون، ولحالة السّخط التي تزيد الخوارزميّات من تضخيمها.
ويتأكّد هذا الأمر بالخصوص في مجال المناخ حيث بات من الصّعب التّمييز بين الشكّ العلمي المشروع والتّشكيك الممنهج والمفتعل. وقد أعربت أديتي تاندون Aditi Tandon، رئيسة تحرير النّسخة الهنديّة لموقع Mongabay، عن أسفها قائلة: ""عندما تُقدَّم المعلومات المُضلّلة في ثوب سرديّة تعرض أنصاف حقائق، يصعب التصدّي لها"".
خلال السّنوات الماضية، أجرت تاندون سلسلة من التّحقيقات حول ما يعتبره الباحثون في علم المناخ ""حلولًا زائفةً"" تُقدَّم على أنّها وصفات سحريّة لمعالجة الأزمة المناخيّة والحال أن تأثيرها الفعليّ لا يزال غير متيقَّن منه أو مُبالغاً في تقديره.
وتشرح ذلك تاندون قائلة: ""لقد بالغ المدافعون عن هذه الحلول، سواء من جهة القطاع الصّناعي أو السّلطات الرّسميّة بل حتّى العلماء في بعض الأحيان، في تقدير آثارها. وهو ما أجبرنا على توخّي الدّقّة الشّديدة في عملنا بحيث وجب علينا إعادة النّظر في حجم الحلول المقترحة ومداها وجدواها بدلاً من الاقتصار على التّرويج لها"". وهو ما استلزم عمليّاً توضيح الرّهانات الخفيّة، وفكّ شفرات المصطلحات التّقنية المعقّدة، واتّباع منهج بيداغوجي في هذا الشّأن.
مصداقيّة زائفة
تعتبر مريم ألافي Mariyam Alavi الصحفيّة المتخصّصة في استقصاء ممارسات التّضليل الإعلامي في مجال الرّعاية الصّحّية وتدقيق الحقائق أنّ التّضليل الإعلامي يزدهر باستعماله لغة ومظهرا يضفيان عليه انطباعا بالمصداقيّة. تقول: ""لم تعد المعلومات الزّائفة ترد في شكل تصريحات مفضوحة، بل تصدر الآن في شكل سرديّات مثيرة للعواطف ونصائح عن الرّفاه، وتحيل إلى مراجع علميّة مقتلعة من سياقها ومقاطع فيديو لمؤثّرين يعطون الانطباع بالموثوقيّة"".
""يزدهر التّضليل الإعلامي لكونه يستعير لغة المصداقيّة ومظهرها""
هذا، وتذهب المحرّرة المشاركة في مجلّة Nature India، ساهانا غوش Sahana Ghosh، في نفس الاتّجاه حيث لاحظت أن الرّوايات المشكّكة في تغير المناخ عادة ما تلجأ إلى نوع من الحذر العلمي الزّائف لتؤكّد على أنّ الطّاقات المتجدّدة لم تثبت جدواها وأنّ السّياسات المناخيّة غير مستدامة من اقتصاديّا، وأنّ بعض النّظم البيئية مهدّدة بالاندثار لا محالة.
ولمواجهة الآليات التي تستند إليها هذه السّرديات، تفضّل غوش التّحقيقات المعمّقة وطويلة المدى التي تعتمد على علم المناخ القديم (الباليوكليماتولوجيا)، والبيانات التّاريخية، والتّفكير المنهجي الشّامل، وتستشهد بالخصوص بتحقيق يبيّن كيف يمكن إساءة تفسير التّغيّرات المناخيّة طويلة المدى عندما يقع اختيار المقارنات التّاريخية بشكل منحاز. تقول: ""لقد بيّن هذا التّحقيق كيف يمكن تجنّب انحراف الإدراك المتأخّر (الادّعاء بأنّه كان بالإمكان توقّع حدث سابق قبل وقوعه) وكيف يُساء استخدام الأدلّة عندما تطغى السّردية على تحليل الوقائع"".
غلبة المشاعر
رغم الجهود التي ما فتئ يبذلها الصّحفيّون المختصّون في العلوم، ظلّ التّضليل الإعلامي ينتشر بوتيرة أسرع نظرا لاعتماد وسائط الإعلام الرّقميّة اليقينيّات وإثارة المشاعر. بالمقابل، يتقدّم العلم ببطء وعبر دحضٍ متواصلٍ للأفكار الخاطئة. تقول أديتي توندون: ""إنّ العلم مبنيّ على التّباينات الدّقيقة والشّكوك البنّاءة. ولكن صيغ النّشر التي نتعامل بها وقدرات الجمهور الذي نخاطبه على الاستيعاب تقودنا نحو استنتاجات مطلقة"".
فخلافا للسّرديّات المبسّطة والتّأكيدات القطعيّة، غالبا ما تتطلّب الصّحافة المختصّة في العلوم توخّي الحذر، وهي ميزة يصعب تثمينها في الأنظمة الإعلاميّة المُدارة بواسطة الخوارزميّات. تقول تاندون متأسّفة: ""في كثير من الأحيان، عندما نكون على أهبة نشر مقال مستند إلى حجج دامغة يكون التّضليل الإعلامي قد ألحق، بعدُ، الضّرر"".
وينضاف إلى هذه التّحدّيات سأم الجمهور بل رفضه أحيانا متابعة الأخبار ذات الصّلة بالشّأن البيئي. ففي غضون العشريّة الأخيرة، كان علماء النفس والباحثون في مجال الإعلام قد حذّروا من ""القلق البيئيّ Eco-Anxiety، لا سيّما في صفوف الشّباب المُعَرَّض لسيل الأخبار السلبيّة المتعلّقة بالمناخ، والجوائح، وانهيار منظومات التنوّع البيولوجي، وموجات الحرّ الشّديد، وانعدام الأمن الغذائي.
""تعتمد الصّحافة العلميّة على سيرورة يصعب على أنظمة الذّكاء الاصطناعي إعادة إنتاجها""
كما يمثّل ازدهار تكنولوجيا الذّكاء الاصطناعيّ التّوليديّ تحدّيا آخر حيث لاحظت أديتي تاندون حضورها في المقالات المقترحة من الكُتّاب المساهمين، والحال أنّ الصّحافة العلميّة تستند إلى سيرورة يصعب على أنظمة الذّكاء الاصطناعي إعادة إنتاجها مثل مراكمة الخبرة على مدار السّنوات، وفهم حالة عدم اليقين العلمي، وإبداء القدرة على التّمييز. ولعلّ الخبر السارّ هو أنّ المحرّرين أصبحوا أكثر قدرة على رصد النّصوص التي يولّدها الذّكاء الاصطناعي إذ تتّسم بمضمون سلس ولكنه سطحيّ، وتُحيل إلى مراجع مزعومة وتحتوي على بنًى سردية تحاكي أسلوب الكتابة الصّحفيّة دون بذل الجهد الاستقصائي المطلوب ودون القيام بعمل الاستقصاء والبحث اللّازمين.
صحافة الزّمن الطّويل
ومع ذلك، فإن أكبر تهديد يواجه الصّحافة العلميّة اليوم قد لا يكون التّضليل الإعلامي في حدّ ذاته، بل إضعاف المؤسّسات الإعلاميّة القادرة على التّصدّي له. ففي الهند، كما هو الحال في مناطق كثيرة من العالم، أفضى تمركز وسائل الإعلام وتقليص ميزانيّات هيئات التّحرير وانهيار العائدات الإعلانيّة، إلى تراجع تدريجيّ في عدد الأقسام المتخصّصة في العلوم.
والحال أن الصّحافة العلمية تتطلّب بعض الوقت، إذ يستلزم كتابة مقال جدّيّ مطالعة منشورات أكاديميّة، ومحاورة العديد من الخبراء، والإلمام بتعقيدات الموضوع، والقيام بعمل ميداني، والتّعمّق في المصطلحات التّقنية، والتّحقّق من صحّة كافة الادّعاءات. تقول أديتي تاندون: ""الكثير من الصحفيّين المستقلّين لا يمكنهم ببساطة تحمّل كلفة ساعات العمل التي يتطلّبها إعداد تقرير علميّ دقيق"".
وتضيف جاياسري ناندي: ""إنّها أيضًا معركة للحصول على المساحة والظّهور الإعلاميّ""، مؤكّدة أنّ صحفييّ العلوم والمتخصّصين في قضايا المناخ هم الآن مضطرّون للتّنافس مع عدّة موضوعات تستحوذ على اهتمام الجمهور، ومع ذلك، ترى أنّ الصّحافة العلميّة يجب أن تكون حاضرة دوما في وسائط الإعلام وليس فقط في أوقات الأزمات ""ولا يمكن استحضارها فقط للتّعليق الفوريّ على الأحداث"".
بيد أنّه رغم هذه الضّغوط، تلوح في الأفق بوادر مرونة وصمود؛ إذ توفّر هيئات التّحرير المستقلّة ووسائط الإعلام الجديدة غير الرّبحيّة والمبادرات النّاطقة باللّغات الإقليميّة وبرامج المنح الدّراسية، مساحات جديدة يمكن أن تجد فيها التّحقيقات العلميّة المعمّقة مكانًا لها. وتتّجه المقاربة التي ينتهجها الصحفيّون البيئيّون الهنود بشكل متزايد نحو ربط الأزمات العالميّة -مثل تغيّر المناخ، وتراجع التنوّع البيولوجي، والتلوّث- بالواقع اليوميّ الذي تعيشه المجتمعات المحلّية. في هذا السّياق، ترى أديتي تاندون أنّ ""الجمهور قادر على مواجهة الحقائق الصّعبة، شريطة أن تُروى له هذه القصص بوضوح وضمن سياقها بعيدا عن كلّ إثارة.""
