أجرت الحوار كاترينا ماركيلوفا
كنتِ تطمحين في بداية مشوارك إلى العمل في مجال الإعلام المرئيّ والمسموع. لماذا اخترت في النّهاية منصّات التّواصل الاجتماعي؟
لطالما رغبتُ في العمل في مجال التّرفيه إلى جانب مَيْلِي، منذ الطّفولة، للعمل الصّحفي. وبدخولي ميدان صناعة المحتوى الرّقمي لم أشعر بأنّني تخلّيت عن العمل الصّحفي بل شعرتُ بأنني أستكشف جانبًا آخر من شخصّيتي.
عقب تخرّجي من الجامعة سنة 2012، اشتغلت كمنشّطة متطوّعة في إذاعة جامعيّة لمدّة خمس سنوات. ثم بحثت، إثر هذه التّجربة، عن وظيفة في مجال الصّحافة وحصل لي ذلك لكنّ الرّاتب كان ضئيلا جدّا فرفضت وقرّرت في النّهاية العدول عن البحث عن وظيفة في قطاع الإعلام.
إلى جانب ذلك، كنت أنشر سكاتشات ومقاطع فيديو على المباشر على إنستغرام وفيسبوك ويوتيوب غير أنّ المحتويات، المكوّنة من الرّقص والتّمثيل الإيمائي والفكاهة، كانت غير قادرة، لكثرة تنوّعها، على جلب جمهور واسع. ثمّ تغيّر الوضع تماما بمناسبة الحجر الصحّي سنة 2020، حيث شهدت منصّة تيك توك انتشارًا كاسحا. وقد لفت اهتمامي أن النّاس لا يسعون في هذه المنصّة إلى إظهار أنفسهم بمظهر مثالي، بل يظهرون على سجيّتهم، فكان أن أدرجت بدوري منشورات posts كُلّلت بالنّجاح بفضل الصّدق.
المشكل في أفريقيا أنّ تحقيق عائد مادّي من صناعة المحتوى الرّقمي محدود. لقد استغرق الأمر وقتا طويلا قبل أن يصبح نشاطا مربحا بعد أن بدأت أتلقّى، تدريجيّا، عروض شراكة مع علامات تجاريّة ومنظّمات غير حكومية وفنّانين موسيقيّين.
تُوظّفُ مقاطع الفيديو التي تنتجينها الفكاهة وتقنية التّناقض البصري -التّصريح بشيء مع إظهار نقيضه- لدحض التمثّلات النّمطية المتداولة عن أفريقيا. ما هو الدّافع وراء اختيارك لهذا الأسلوب بالذّات؟
سنة 2021، طرح عليّ أحدهم سؤالا جدّ متحيّز عن أفريقيا وهو ما أزعجني كثيرا، فأجبته بمقطع فيديو ساخر يندّد بهذه التمثّلات النّمطيّة المتحيّزة. ثمّ تحوّل هذا الأسلوب إلى سمة مميّزة لمحتوياتي.
ونظرا لأنّ عددا كبيرا من الأشخاص قد فهم دعاباتي في مستواها الأوّلي، أضفت تلميحات بصريّة في خلفيّة الشّاشة للإشارة إلى الطّابع السّاخر لتعليقاتي؛ فإذا سألني أحدهم، مثلاً، عمّا إذا كانت هناك هواتف في أفريقيا، أجيب بأنه لا وجود لهواتف على أراضي القارّة في حين يظهر بجلاء جهاز هاتف في الخلفيّة. إنّ الفكاهة أداة جدّ فعّالة لإعادة النّظر في الأفكار المسبقة.
جزء كبير من جمهوري يوجد في كندا والولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وأوروبا. منذ البداية، استهدفتُ أساسًا جمهورا غير أفريقيّ لأنّ الأفارقة ليسوا بحاجة إلى أن نفسّر لهم واقعًا يعيشونه ويدركونه تمام الإدراك.
هل صادف أن صُدمتكِ ببعض التّعليقات على منشوراتك؟
في سنة 2022، سألني أحدهم عمّا إذا كنّا لا نزال نأكل لحوم البشر في أفريقيا. مثل هذا السّؤال تجاوز كونه تعبيرا عن القوالب النّمطية السّائدة أو كونه تعليقا ذو طابع عنصريّ. لقد أربكني حقّا ولن أنساه أبدا، ولم أُجب عنه إلى اليوم. اكتفيت بالبقاء شاخصة لبضع دقائق أمام عدسة الكاميرا وأنا صامتة.
كيف توازنين بين مقتضيات مجال التّرفيه وتوخّي الدقّة في عرض الحقائق؟
لقد أعانني كثيرا تكويني في مجال علوم الصّحافة، فأنا أحرص دوما على التثبّت من المعلومات التي أشاركها على شبكات التّواصل الاجتماعي. قبل الحديث عن بلد أفريقي لا أعرف عنه الكثير، أستشير المصادر على شبكة الإنترنت وأطلب النّصح من متابعيَّ وأتواصل مع أصدقاء لي من البلد المعنيّ.
أحرص دوما على التثبّت من المعلومات التي أشاركها على شبكات التّواصل الاجتماعي
بمناسبة إعدادي لفيديو عن تنوّع اللّغات الأفريقيّة، تواصلت مع أشخاص يعيشون في البلدان المعنيّة للتحقّق من سلامة نطقي لبعض العبارات.
كلّما صنعت محتوى عن بلدان وثقافات معيّنة مثل السّودان أو أثيوبيا، أُجري أبحاثًا مُعمَّقة وغالبًا ما أُدرج على الشّاشة معلومات ووقائع موثوقة لتثقيف المشاهدين إلى جانب التّرفيه.
هل أنّ صُنّاع المحتوى، مثلك أنتِ، قادرون على التّأثير على المقاربة التي تنتهجها وسائل الإعلام التّقليدية؟
أعتقد ذلك؛ فوسائل الإعلام التّقليدية غالبًا ما تُقدِّم الأخبار بأسلوب رتيب ومُغرقٍ في الرّسميّة، في حين يبحث الناس، وخاصّة الشّباب منهم، عن محتوى خفيف ومتاح للجميع. ولعلّ ذلك من بين الأسباب التي تفسّر المكانة التي تحتلّها اليوم شبكات التّواصل الاجتماعي في مجال استهلاك الأخبار.
يتمثّل التحدّي المطروح على وسائل الإعلام التّقليدية في إيجاد طريقة للوصول إلى جمهور الشّباب دون التّخلّي عن أخلاقيّات العمل الصّحفي. وعليها أن تؤمّن حضوراً قويّا على شبكات التّواصل الاجتماعي كي تنشئ قنوات تواصل مع جمهورها، شريطة أن تغيّر أسلوبها في مخاطبة هذا الجمهور.
كما يتعيّن عليها الاقتداء بما يفعله صُنّاع المحتوى الرّقمي واستنباط طرق أكثر إبداعاً وجاذبيّة لتقديم الأخبار عبر الإنترنت للأجيال الشابّة.
أليس الالتقاء المباشر بالجمهور مُربِكًا؟
بالعكس، إنّه لأمر مثير حقّا أن أصل إلى هذا العدد من المتابعين بفضل حساباتي على مواقع التّواصل الاجتماعي. يكفي أن آخذ هاتفي وأصنع محتوى يشاهده مباشرة أُناسٌ من جميع أنحاء العالم. فمن نواحٍ عدّة، تعطي مواقع التّواصل الاجتماعي الانطباع بأن العالم قد صار بالفعل قرية كونيّة.
خلافا لوسائط الإعلام التّقليديّة، تنشئ شبكات التّواصل الاجتماعي مجموعات تمكّن الأشخاص من التّفاعل فيما بينهم
يمكنني نشر مقطع فيديو هنا، في نيجيريا، وتلقّي تعليقات من أشخاص يعيشون في كندا أو الفلبّين. إنّه فرق كبير مقارنة بوسائط الإعلام التقليديّة التي عادة ما تنشر المعلومات والأخبار بصورة أحاديّة الاتّجاه في حين تنشئ شبكات التّواصل الاجتماعي مجموعات تمكّن الأشخاص من التّفاعل فيما بينهم.
هل تتطلّعين إلى محاربة الجهل أم تسعين إلى المساهمة في تغيير التمثّلات النّمطيّة السّائدة عن أفريقيا؟
أنا أسعى لتحقيق كلاهما وإن لم يكن ذلك بالمهمّة الهيّنة؛ فالبلدان الأفريقيّة لم تحظَ حتى اليوم بالاعتراف الكامل بها كأطراف فاعلة في السّاحة الدّولية رغم احتواء القارّة على جزء كبير من الموارد الطبيعيّة على كوكب الأرض.
أفريقيا لا تحتاج إلى الهِبات فحسب، بل إلى استثمارات فعليّة وشراكات حقيقيّة. وأنا أسعى إلى المساهمة في الجهود الرّامية إلى كسر التمثّلات والصّور النمطيّة والخطابات التي تركّز على الأعمال الخيريّة، وأشجّع على اعتبار أفريقيا قارّة تزخر بالفرص الواعدة.
لقد أتاحت لي شبكات التّواصل الاجتماعي الاتّصال المباشر بالجمهور العريض، وفتحت لي أيضًا أبواب منصّات دوليّة من قبيل مؤتمر الأطراف الثّلاثي COP30 المنعقد في البرازيل عام 2025؛ حيث أتيحت لي الفرصة لإلقاء كلمة أمام الحضور. وأنا كلّي إيمان بقدرة هذه التّبادلات على إحداث تغييرات ذات بال.
