عندما تعصف بك خيبة الأمل، هل تكون غريزتك الأولى هي محاولة التخلص منها وتناسيها والمضي قدماً؟ تشير بحوثي وخبرتي في العديد من بيئات العمل إلى أن هذا التصرف قد يكون الاستجابة الخاطئة تماماً.
لقد بدأ اهتمامي بالعلم الكامن وراء خيبة الأمل قبل أكثر من خمسة عشر عاماً عندما كنت أعمل مستشاراً في بيئات العمل. وقد استرعى انتباهي تكرار وصف العملاء للمواقف التي تركت لديهم شعوراً بالخيبة بأنها تجارب شخصية عميقة ومزعجة للغاية، كما دهشت من قلة البحوث المتاحة التي يمكن أن تساعدني في تقديم استجابة ذات مغزى. وكان ذلك هو الدافع الذي قادني لإعداد أطروحة الدكتوراه حول هذا الموضوع.
غالباً ما تعكس خيبة الأمل وجود فجوة بين التوقعات والواقع، ويمكن أن تنطوي على حالة من الحزن على مستقبل بدأنا نعيش فيه بالفعل داخل مخيلتنا.
وقد كشفت بحوثي اللاحقة التي أجريتها مع زملائي عن نمط دال للغاية، ففي بيئة العمل، تتولد خيبة الأمل بشكل متكرر على مستوى منظومي بسبب الأهداف غير الواقعية، ومع ذلك فإنها تقع على كاهل الأفراد وتنعكس عليهم كإحساس بالفشل الشخصي.
وفي العديد من مجالات الحياة، يُنظر إلى خيبة الأمل عادة ويتم تجاهلها كعاطفة غير مرغوب فيها وغير مفيدة. غير أن بحوثنا تروي قصة مختلفة تماماً، إذ يمكن لخيبة الأمل أن تكون وقوداً مهماً للإبداع، فهي تظهر ما نرغب فيه حقاً، وتوضح ما يهمنا، وتوجهنا نحو الأمور التي لم نعد مستعدين لقبولها بعد.
وسواء كان ذلك في حياتنا المهنية أو الشخصية، فإن خيبة الأمل تعد إشارة تستحق منا أن نتعلم كيفية قراءتها وفهمها. وإليك بعض الأفكار التي يمكنك الاستعانة بها عندما تواجهها في المرة القادمة.
أولاً، لا تسبق الأحداث عندما نكون في انتظار قرار مصيري، مثل عرض عمل، أو نتيجة اختبار، أو نقطة تحول في علاقة عاطفية، فإن استجابتنا العاطفية تتشكل وتستعد قبل وقت طويل من وصول الإجابة الفعلية. ويمكن للنتيجة نفسها أن تبدو مختلفة تماماً بناءً على ما كنا نتوقع حدوثه، وكلما اتسعت الفجوة بين التوقع والواقع، كانت خيبة الأمل أكبر وأعمق.
وفي بيئة العمل، قد ينبع الشعور بخيبة الأمل الشديدة جراء عدم الحصول على وظيفة أو تفويت فرصة ترقية من خسارة مستقبل مهني بدأنا نتخيله بالفعل. وإذا لم يتحقق ذلك المستقبل، فإننا نحزن عليه ونعيش حالة من الفقد، حتى لو لم يكن له وجود كامل على أرض الواقع.
ثانياً، احذر من فخ النجاح يمكن للنجاح أن يرفع سقف التوقعات بهدوء مما يزيد من احتمالية الفشل في المستقبل. وقد أوضح أحد المشاركين في بحوثنا هذه الديناميكية بشكل دقيق للغاية، حيث لاحظ أنه عندما تتجاوز هدف عملك بنسبة عشرة بالمئة في عام ما، فمن غير المرجح أن يكافئك مديرك بتخفيف عبء العمل في العام التالي. بل على العكس من ذلك، يتم رفع الهدف مرة أخرى، مما يجعل الإخفاق في تحقيقه أمراً أكثر احتمالاً، وتصبح خيبة الأمل أكثر حدة ومرارة بسبب نجاحك السابق.
ويمكن للنمط نفسه أن يتكرر في المواقف الاجتماعية. فكر مثلاً في صديق اعتاد دائماً التكفل بدفع الفاتورة، ومع مرور الوقت، يتحول هذا التصرف الكريم إلى سلوك متوقع منه بانتظام. وعندما يأتي الموقف الوحيد الذي لا يدفع فيه، يتحول الأمر إلى لحظة خيبة أمل يلاحظها الجميع ويتذكرونها. وهنا لا تتناسب خيبة الأمل مع ما حدث بالفعل، بل تتناسب مع حجم الفجوة بين ما حدث وما كان متوقعاً.
ثالثاً، حاول ألا تلوم نفسك أو أي شخص آخر نادراً ما يمر الناس بتجربة خيبة الأمل بشكل محايد، بل يميلون بدلاً من ذلك إلى تفسيرها من خلال أحد نمطين مألوفين.
النمط الأول هو التفسير الداخلي، حيث يقول الشخص لنفسه إنني أنا المشكلة. وهذا التفسير يفترض أنه لم يبذل جهداً كافياً أو أنه ببساطة لم يكن جيداً بما يكفي، ويتم التعامل مع خيبة الأمل كدليل على أنه شخص معيب أو سيئ.
أما التفسير الثاني فهو خارجي، حيث يُلقى باللوم على الآخرين الذين لم يقدروا قيمة الشخص ولم يكونوا عند مستوى توقعاته. وتكون الغريزة هنا هي توجيه اللوم والغضب نحوهم.
وتظهر بحوثنا حول خيبة الأمل داخل المؤسسات أن كلا الاستجابتين لا تصيبان كبد الحقيقة. إن لوم أنفسنا أو لوم الآخرين قد يكون مجرد وسيلة للهروب من مواجهة أمر أكثر صعوبة، وهو أن التوقعات كانت غير واقعية من الأساس أو بنيت على افتراضات غير دقيقة.
رابعاً، تأثير إيكيا، تساهم البيئات المحيطة بنا في تشكيل توقعاتنا. ففي أماكن العمل، يتم تشجيع الكثير من الناس على التطلع إلى مستويات عالية والتحسن المستمر، وغالباً ما تروج المؤسسات لقيم التقدم والإنجاز وتحقيق الذات.
ويمكن لهذه القيم والمبادئ أن تكون محفزة، ولكنها قد تخلق أيضاً سيناريو مثالياً يصعب على الواقع مجاراته. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار خيبة الأمل سمة هيكلية في الأنظمة القائمة على التوقعات العالية والنتائج المثالية.
ولكن هناك جانباً شخصياً للأمر أيضاً. إذ يظهر البحث حول ما يطلق عليه علماء النفس تأثير إيكيا أنه كلما زاد الجهد الذي نستثمره في شيء ما، زادت قيمته في نظرنا، تماماً مثل قطع الأثاث التي نشتريها في صناديق ونقوم بتركيبها بأنفسنا. وفي العمل، نقوم بشكل روتيني بصب وقتنا وطاقتنا وهويتنا في المشاريع والأدوار والعلاقات، لذا، عندما لا تسير الأمور كما نرجو، فإننا نشعر بأننا نفقد شيئاً شخصياً ووثيق الصلة بنا.
ولأن الفشل في العمل غالباً ما يحدث أمام مرأى ومستمع من الزملاء والمديرين، فإن المخاطر تبدو أكبر. ويمكن للخسارة أن تتشابك مع نظرة الآخرين إلينا، ونظرتنا نحن لأنفسنا.
وإذا تركت هذه المشاعر دون دراسة وفحص، فقد تتحجر وتتحول إلى شيء أكثر ضرراً من خيبة الأمل الأصلية، مثل تضاؤل الرغبة في المخاطرة، والاحجام عن الاستثمار الكامل في الخطوات التالية، وتنامي شعور بالشك بأن القيام بذلك مجرد جهد ضائع لا يستحق العناء.
خامساً، كن واقعياً لا مثالياً إن الانتقال من محاولة إقصاء خيبة الأمل تماماً إلى محاولة تحملها وقبولها يمكن أن يجعلها أقل زعزعة لاستقرارنا النفسي وأكثر إفادة لنا. وبالنسبة للمدير، قد يعني هذا تطوير عادة تحديد ما تبدو عليه النتيجة الواقعية بدلاً من النتيجة المثالية في بداية كل مشروع.
ويمكن أن تظهر أنماط مماثلة في العلاقات الشخصية والعاطفية أيضاً، حيث يمكن لتوقع أن تكون الأمور مثالية وطبيعية طوال الوقت أن يجعل العلاقة الجيدة في المجمل تبدو وكأنها ناقصة وتفتقر للكثير.
وتظهر البحوث باستمرار أن تسمية المشاعر الصعبة والاعتراف بها يقلل من حدتها، وأن بيئات العمل التي يمكن فيها مناقشة خيبة الأمل بصدق وأمان تميل إلى أن تكون أكثر أماناً من الناحية النفسية، وأكثر إبداعاً، وأفضل قدرة على التعلم من العثرات مقارنة بتلك البيئات التي يُتوقع من الموظفين فيها تجاوز هذه المشاعر بصمت وكتمان.
سادساً، تقبل خيبة الأمل ولا تتجاهلها تعد خيبة الأمل شعوراً غير مريح لأنها تضعنا في مواجهة مباشرة مع حدودنا، سواء حدود ما يمكننا السيطرة عليه، أو حدود ما يمكن للمؤسسات تقديمه، أو ما يمكن للعلاقات توفيره. وتكون الغريزة الطبيعية المفهومة هي محاولة تجاوز هذا الأمر بسرعة.
ولكن النهج الأكثر بناءً هو التفكير في مصدر توقعاتنا، وكيفية تشكلها، وما إذا كان من الممكن تعديلها وتخفيفها بطرق تعود بالنفع علينا. وإذا كانت خيبة الأمل بمثابة إشارة إلى أن توقعاتنا والواقع ليسا على خط مستقيم واحد، فإن فهم هذا الاختلال قد يكون أحد أهم أشكال المرونة النفسية التي يمكننا تطويرها وبناؤها.
