القائمة الرئيسية

ما تكشفه المدن عن واقع العزلة الاجتماعية

ما تكشفه المدن عن واقع العزلة الاجتماعية
ملخص المقال

تشير دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة كوليدج لندن إلى أن المدن الأمريكية، خلافاً للصورة الشائعة عنها بوصفها فضاءات للتنوع والاندماج، لا تزال تعاني من أنماط راسخة من العزل الاجتماعي والاقتصادي والعرقي. واستناداً إلى تحليل حركة ملايين الأشخاص عبر بيانات مجهولة الهوية للهواتف المحمولة في 383 مدينة، كشفت الدراسة أن السكان يميلون إلى ارتياد أماكن يرتادها أفراد من الطبقة الاجتماعية نفسها، بينما تنعزل الأحياء الفقيرة وأحياء الأقليات عن بقية المدينة، في حين تشكل الضواحي الثرية ذات الأغلبية البيضاء دوائر مغلقة على نفسها. وترى الدراسة أن هذه الأنماط تعكس إرثاً تاريخياً من سياسات الإسكان التمييزية، وقد تفاقمت خلال جائحة كورونا قبل أن تعود إلى مستوياتها السابقة في معظم المدن. وتخلص إلى أن إعادة تصميم التخطيط الحضري، وتطوير المساحات المشتركة، وتوجيه الاستثمارات نحو مراكز المدن يمكن أن يعزز التفاعل بين الفئات المختلفة، ويحد من الانقسامات الاجتماعية التي لا تزال ترسم ملامح الحياة اليومية في المدن الأمريكية.

تضعنا دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة كوليدج لندن أمام حقيقة صادمة لواقع المدن الأمريكية المعاصرة، حيث ترسم لها صورة قاتمة ومغايرة تماماً لما يُشاع عنها؛ فبدلاً من أن تكون هذه الحواضر ساحات نابضة بالاختلاط والاندماج المجتمعي، تحولت إلى فضاءات مشوهة تحكمها مسارات دائرية من الانعزال الممنهج والفصل الطبقي والعرقي المتجذر. فمن خلال قراءة تحليلية شملت 383 مدينة في الولايات المتحدة، تبيّن أن معظمها يخضع لـ ""هندسة جغرافية"" متشابهة إلى حد كبير، إذ تطوقها ضواحي يغلب عليها الثراء ويسكنها البيض لتشكل جزراً منعزلة، في حين تنكفئ الفئات الأقل دخلاً، ومعظمهم من الأقليات، داخل معازل سكنية تحاذي مراكز المدن، مما يحرم قاطنيها من أي فرص حقيقية للتفاعل مع شرائح اجتماعية واقتصادية مغايرة.

وتتميز هذه الدراسة عن المقاربات التقليدية لظاهرة الفصل السكاني بأنها لم تعتمد على الأرقام الصماء، بل رصدت حركة البشر الفعلية في الشوارع والمرافق. وعبر استخدام بيانات مجهولة الهوية لتتبع مواقع الهواتف المحمولة صادر عن منصة ""سيف غراف""، تتبع الباحثون مسارات ملايين الأفراد بين عامي 2019 و2022 خلال تنقلاتهم اليومية من أحيائهم نحو المطاعم والمتاجر والمراكز الثقافية والمستشفيات. ومن ثمّ، رُبطت هذه التحركات بالبيانات الديموغرافية لشرائح التعداد السكاني، مما أتاح استنتاج مستويات الدخل التقريبية لهؤلاء الزوار وطبيعة البيئات المجتمعية التي وفدوا منها.

تحطيم الأوهام الحضرية

إن الخرائط التي أسفر عنها هذا التتبع تطيح بالصورة النمطية الراسخة التي تصوّر المدن بوصفها بؤراً للتنوع والتلاقح الإنساني. وفي هذا الصدد، يعلق الباحثون قائلين إن المدن أُسست لتكون بيئات حاضنة للاندماج، ومحركات للابتكار تدار بوقود التفاعل اليومي بين شتى أطياف المجتمع، إلا أن النتائج تثبت أن مدناً أمريكية كثيرة ما زالت تقع تحت وطأة حدود غير مرئية ترسم سلفاً مسارات البشر وتحدد من يلتقي بمن في تفاصيل يومه.

وينصب تركيز الدراسة على ما يُعرف بـ ""النطاق الوسيط""، وهو حلقة الوصل التي تربط بين السلوك الفردي في التنقل والمؤشرات العامة على مستوى المدينة ككل، والمتمثلة في الروابط الاجتماعية داخل الأحياء. وتكمن أهمية هذه الروابط في كونها حاسمة، فعندما تنقطع صلة سكان حي ما بالمنظومة الاقتصادية الأوسع للمدينة، تضيق أمامهم فرص الارتقاء، وتخسر المدينة نفسها طاقات كامنة كان يمكن أن تساهم في دفع عجلة الإنتاج والترقي الاجتماعي.

وقد كشف التحليل في كافة المدن محل الدراسة عن وجود بؤر سكنية تنحصر الاستفادة من مرافقها الحيوية على أبناء الحي أنفسهم أو المنتمين لذات الطبقة الاجتماعية والمادية. ونادراً ما تطأ أقدام الغرباء هذه المساحات، حتى وإن كان سكان تلك الأحياء يخرجون منها لقضاء مصالحهم. وتجسد هذه المعازل، التي تعاني غالباً من الفقر وتضم نسباً عالية من غير البيض، مدى تجذر العوامل العرقية والاقتصادية وقدرتها على صياغة ملامح الاندماج الحضري.

وفي الوقت الذي تنجح فيه المرافق القريبة من أواسط المدن في جذب شرائح بشرية أكثر تنوعاً، يضعف هذا الأثر بوضوح كلما اتجهنا نحو المناطق التي تقطنها أغلبية من غير البيض. وبالمثل، تميل الأحياء النائية عن وسط المدينة إلى الانغلاق على ذاتها، ما لم تكن هي الأخرى ذات أغلبية من الأقليات. وتعد هذه الأنماط السلوكية صدى مباشراً لإرث طويل من سياسات الإسكان الإقصائية، مثل سياسة ""الخطوط الحمراء"" التمييزية وقوانين تنظيم البناء التي تفرز العزل، وهي السياسات التي شكلت تاريخياً ملامح مناطق شهيرة مثل جنوب وسط لوس أنجلوس، والجانب الجنوبي من شيكاغو، وجنوب برونكس.

أسوار الانعزال المخملي

وعلى الجانب الآخر، تلتف حول العديد من التجمعات الحضرية الكبرى ما وصفه الباحثون بـ ""حلقات الانعزال""، وهي أحياء ضواحي راقية يكتفي قاطنوها بارتياد مرافق ومنشآت تعكس تماماً مستواهم المعيشي والاجتماعي. وتساهم هذه الأنماط السلوكية الرتيبة، المحكومة بالطبيعة الجغرافية والنزعة الاستهلاكية معاً، في حرمان هؤلاء السكان من الاحتكاك المباشر بالتنوع الثقافي والاجتماعي الذي يزخر به الفضاء الحضري الأوسع.

ولم تغفل الدراسة، التي امتدت لأربع سنوات، رصد التغيرات العميقة التي أحدثتها الجائحة، إذ بلغت معدلات الفصل والانعزال ذروتها في أبريل من عام 2020 بفعل إجراءات الإغلاق الصارمة التي قيدت حركة السكان. ومع حلول عام 2022، استعادت معظم المدن إيقاعها التقليدي السابق للأزمة، باستثناء حواضر مثل بوسطن وسان فرانسيسكو التي ظلت مستويات العزلة فيها مرتفعة بشكل لافت. ويرى الباحثون أن الجائحة قدمت دليلاً عملياً غير مقصود على خطورة الانكفاء المحلي التام؛ فحينما يتقوقع النشاط الإنساني بأكمله داخل حدود الحي الضيقة، فإن النتيجة الحتمية هي تعميق الهوة والفصل، وليس بناء مجتمع محلي متضامن.

بناءً على هذه المعطيات، يرى القائمون على الدراسة أن بإمكان مخططي المدن وصناع القرار الاستفادة من هذه البيانات السلوكية بصورة استراتيجية. إذ يمكن لتعديل قوانين البناء وتقديم حوافز مدروسة لاستغلال الأراضي أن يساهم في إيجاد مساحات ومرافق حيوية مشتركة تقع عند التماس بين المناطق الديموغرافية المختلفة. كما أن إعادة ضخ الاستثمارات في مراكز المدن من شأنها جذب شرائح مجتمعية متنوعة وإعادة دمجها. ويؤكد الباحثون أن إعادة تصميم الشبكات الحضرية بأسلوب أكثر كفاءة سيتيح للسكان المعزولين بناء روابط متينة مع الاقتصاد الكلي، مما يسهم في التخفيف من حدة الفوارق الاجتماعية.

وختاماً، ورغم أن الدراسة اتخذت من عامل الدخل المادي معياراً أساسياً للبحث، فإن الأنماط المستخلصة تبدو متداخلة وعميقة الارتباط بالمسألة العرقية، وهي النتيجة المنطقية للتاريخ الأمريكي الطويل المثقل بسياسات الإسكان التمييزية. ومع أن العرق لم يكن محدداً يجري قياسه بصورة مباشرة، بل استُعيض عنه بالخصائص الديموغرافية للأحياء، فإن الخلاصة التي تضعنا أمامها الدراسة لا تحتمل اللبس: فحتى في عصر البيانات الضخمة والتدفق الرقمي، لا تزال دروب الحياة اليومية في المدن تقتفي أثر الانقسامات الاجتماعية الأكثر عمقاً في البلاد.

المصدر

مقالات ذات صلة