في كثير من الأحيان، وأنا أطالع صورة عائلية قديمة، أجدني أحاول جاهدة أن أستدعي تفاصيل تلك الذكرى من غياهب الماضي، فأتساءل في نفسي: ""يا تُرى، هل هذه شقتنا القديمة؟"". وحين أحاول الاستعانة بقصة شعري لتحديد تلك الحقبة، أجدها محاولة بائسة، فقد لازمتني "" الغُرّة"" منذ أن كنت في الثالثة من عمري وحتى يومنا هذا تقريباً. وهنا، لا يتبقى أمامي سوى التدقيق في تفاصيل المحيط؛ في قطع الأثاث، وطراز الملابس، وزينة الأعياد، والملصقات المعلقة على الجدران، فكلها خيوط تقودني لتحديد زمن تلك الصورة. ولسنا بدعاً في هذا، فمعظمنا وقف يوماً أمام صورة قديمة متسائلاً: ""من هذا الشخص الذي يظهر في الخلفية؟"" أو ""في أي حديقة التقطنا هذه الصورة؟"".
هذه التساؤلات بعينها هي ما يشغل بال مؤرخي الفن، فهم يبحثون دوماً عن إجابات لأسئلة من قبيل: ""صاحب هذا البورتريه؟"" أو ""في أي عصر رُسمت هذه اللوحة؟"". ولحل هذه الألغاز، قد يستعين المؤرخون بعلم ترميم الآثار وحفظها، وهو علم دقيق يساعدنا مثلاً في تحديد عمر الألواح الخشبية عبر فحص وتأريخ حلقات الأشجار، أو معرفة طبيعة الأصباغ المستخدمة وحقبتها التاريخية من خلال تقنية فحص الفلورة بالأشعة السينية. وفي أحيان أخرى، نبحر في السير الذاتية للفنانين وكتابات النقد الفني المعاصرة لهم. بيد أن هناك مصدراً آخر لا يقل أهمية، يكمن في تفاصيل الحياة اليومية المبثوثة داخل اللوحة، مثل الطراز المعماري، وأزياء العصر، والأدوات المنزلية.
ولنتأمل معاً اللوحة التي بين أيدينا، وهي عمل فني للرسام الهولندي ""توماس ويك"" بعنوان ""الخيميائي في مرسمه مع امرأة تصنع الدانتيل""، وهي من المقتنيات الثمينة لمؤسسة التراث الكيميائي. تظهر على الجانب الأيمن امرأة، يُرجَّح أنها زوجة الخيميائي، وهي منكبة بكليتها على وسادة التطريز الخاصة بها، وتضع على كتفيها ما يشبه ياقة من القماش الأبيض تطوق عنقها، ويبدو أنها مطرزة بلمسات من الدانتيل. هذا الطراز الفاخر من الياقات نجد له نفوذاً واضحاً في لوحات الفنان الشهير ""يوهانس فيرمير""، ونحن نعرف يقيناً أن هذا الفنان قد أبدع جلَّ أعماله في الحقبة الممتدة بين عامي 1650 و1675.
وإذا أرسلنا الطرف في أرجاء اللوحة، ستلفت انتباهنا تفاصيل أخرى دقيقة، كالمكتب الخشبي الصغير المخصص للكتابة والموضوع فوق طاولة الخيميائي. هذا الطراز من مكاتب الكتابة يبرز بكثرة في لوحات تلك الحقبة، ومنها على سبيل المثال ذلك البورتريه الشهير الذي خطته ريشة ""رامبرانت"" ويعود تاريخه تقريباً إلى عام 1630. أضف إلى ذلك تلك الجرة الطويلة بلونها الأزرق والأبيض المستقرة بجوار النافذة، والتي تتميز بطابع فريد؛ فبإجراء بحث يسير في تاريخ صناعة الفخار والخزف، نكتشف أن هذه الجرة تطابق تماماً جِرار الأدوية التي كانت تنتجها مدينة ""ديلفت"" الهولندية الشهيرة في منتصف القرن السابع عشر. وهنا بالتحديد، تبدأ خيوط اللغز في التشابك لتنسج لنا حقيقة واضحة عن زمن اللوحة.
إن الجوهر الحقيقي لعمل مؤرخ الفن يكمن في سبر أغوار التفاصيل والنظر إليها بعين فاحصة لا تغفل شيئاً. فنحن نمضي الساعات طوالاً في تأمل حشد هائل من الصور والقطع الفنية بكثير من الأناة والتدقيق، مدفوعين بالرغبة فياكتشاف الأنماط المشتركة والروابط الخفية. وحينما نتأمل البيئة المحيطة بالشخصيات، بدءاً من أسلوب أزيائهم، ومروراً بالأدوات التي تطوعها أيديهم، وانتهاءً بالأواني والمقتنيات اليومية التي تؤثث فضاءهم، فإننا في الواقع نعيد بناء العالم الذي عاشوا فيه. وحين يكون هذا العالم محصوراً داخل إطار لوحة، فإنه يهبنا مفاتيح ثمينة تكشف عن رؤية الفنان الذي أبدعها وخلفيته. ومهما اختلف الزمان، تظل النظرة المتفحصة العميقة هي العدسة السحرية التي تبصر التاريخ، سواء كنا نطالع صورة عائلية حميمة، أو لوحة زيتية منسية من القرن السابع عشر.
