كان جين مانيس يمثل نموذجاً للشباب الأمريكيين العزاب البيض الذين أغرتهم فرصة العمل لدى شركة مزارع ""فايرستون""؛ إذ شد رحاله إلى العاصمة الليبيرية مونروفيا في ليلة عيد الميلاد من عام 1939، متطلعاً بشغف إلى عقده الأول الممتد لعامين كزارع مبتدئ، ومسافراً برفقة شحنات من الديوك الرومية المجمدة التي كانت الشركة تشحنها خصيصاً لإطعام موظفيها المغتربين.
ولم يكد مانيس يطأ أرض ليبيريا حتى كتب إلى والدته وأخته معبراً عن بهجته العارمة قادراً على القول: ""أنا مبتهج حقاً بهذه الفرصة والتجربة الفريدة، حتى إنني أجد صعوبة بالغة، إلى الآن، في استيعاب فكرة أنني موجود بالفعل في إفريقيا، على بعد آلاف الأميال من موطني في مونتانا"".
وفي رسائله، لم يغفل مانيس وصف شوارع مونروفيا وعشوائيتها، مشبهاً إياها بـ ""ممرات الماشية الوعرة التي تشبه الشارع الرابع سابقاً"" في بلدته هاميلتون القابعة بالقرب من جبال بيترروت في غرب مونتانا، وهي البلدة التي شهدت أولى خطوات شغفه العلمي حين كان متطوعاً في محطة أبحاث بيولوجية ميدانية. غير أن هذه الصورة البدائية تلاشت تماماً بمجرد اقترابه من حدود المزرعة؛ إذ سلك طريقاً معبداً وممهداً بعناية فائقة أنشأته شركة فايرستون، وعبر البوابة الأمنية ليدخل إلى منطقة ""هاربيل هيلز""، وهي المقر الرئيسي والحديث لإدارة المزارع. في تلك اللحظة، شعر مانيس وكأنه قد انتقل فجأة إلى أحد المنتجعات الفاخرة المخصصة للبيض في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يعزل البيض أنفسهم عن بقية العالم.
وفي يوم عيد الميلاد، احتفت الشركة بموظفيها الإداريين من البيض، فأقامت لهم مأدبة عشاء فاخرة تزينها الديوك الرومية ومقبلاتها في ""نادي فايرستون لما وراء البحار""، وهو نادٍ مغلق ومحظور تماماً على غير البيض. كان النادي يضم صالة رحبة، وحانة، وجهازاً لـتشغيل الأسطوانات يصدح بأحدث الأغاني الأمريكية، إلى جانب شرفة راقصة واسعة كانت تشرف في ذلك الوقت على مخيم بائس لـلعمال المحليين، حيث تتراص أكواخهم الطينية المسقوفة بالقش. ولم تقتصر وسائل الترفيه على ذلك، بل امتدت لتشمل طاولة لتنس الطاولة، وملعب غولف مكوناً من تسع حفر، وملاعب تنس، وحوض سباحة ضخماً.
وخلال تلك الاحتفالات، ظهر شخص في زي بابا نويل ليوزع الرسائل والهدايا على الحاضرين أمام شجرة عيد ميلاد ضخمة جرى ارتجالها من إحدى الأشجار الصنوبرية المحلية، وزُينت بالبهرج والكرات الملونة والأنوار المتلألئة. وهكذا، استُقبل مانيس في أول يوم عمل كامل له مع شركة مزارع فايرستون في الغرب الإفريقي الاستوائي بأجواء تفيض ببياض عيد الميلاد وامتيازاته.
وعلى غرار بقية الموظفين الأمريكيين، استمرأ مانيس هذه الرفاهية الاستثنائية التي منحها إياه امتياز البشرة البيضاء داخل هذا المعزل الطبقي. فـالمنزل الفسيح الذي خُصص لإقامته، والخدم الذين امتثلوا لأوامره، كانت كلها مزايا وحقوقاً رفاهية لم يكن ليحلم بها في موطنه كعالم زراعي شاب يسعى لنيل شهادة الدكتوراه في علم الغابات من جامعة ويسكونسن ماديسون. ومن الملاحظ في هذا السياق أن معظم ""المزارعين"" البيض الذين وظفتهم فايرستون في مناصب المشرفين على الأقسام كانوا من خريجي كليات الأراضي الممنوحة في الغرب الأوسط الأمريكي، وهي مناطق تُعد المعقل التاريخي والقلب النابض لمجتمعات البيض في الولايات المتحدة.
ولم يكن غريباً أن يقبل مانيس عرض العمل الذي قدمته له الشركة في وظيفة مبتدئة براتب سنوي قدره 2100 دولار، في وقت لم يكن فيه متوسط الدخل السنوي في الولايات المتحدة يتجاوز 1368 دولاراً، خاصة وأن هذا الراتب المغري كان مصحوباً بسيل من المزايا الإضافية.
جين مانس (على اليمين)، مزارع من شركة فايرستون، وزميل مجهول يقفان فوق جاموس، حوالي عام 1939-1941.
فقد كان الموظفون الأمريكيون العزاب يقيمون مجاناً في الأكواخ الكبيرة التي تخصصها الشركة للإدارة، وهي منازل شُيدت بالطوب الأحمر وسُقفت بالمعادن، وأُثثت بأفخم الأثاث، كما أُقيمت على أعمدة مرتفعة تبلغ ثمانية أقدام، واختيرت مواقعها بعناية فوق قمم التلال لتستقبل النسمات العليلة وتطل على مساحات المزرعة الشاسعة. وكان يدير شؤون هذه المنازل عدد من الخدم يتراوح بين خادمين وخمسة خدم في كل بيت، ينتمي معظمهم إلى شعب ""الباسا"" المحلي، وهو الشعب الأصلي الذي صادرت شركة فايرستون أراضيه العرفية بموجب عقد الامتياز.
وقد تقاسم مانيس سكنه مع بات ليتل، وهو صاحب مزرعة من شرق أوريغون يمتلك خبرة سابقة في العمل بمزارع شركة يونايتد فريد في بنما. وكان يعمل في خدمة هذين الزميلين طاقم يتألف من طباخ، ومضيف، وبستاني، وغاسل أطباق، وعاملين لتنظيف السيارات. ووصف مانيس هذا الوضع لعائلته في رسالة قائلًا: ""إن هؤلاء الفتيان تحت تصرفنا وإشارتنا في جميع الأوقات، وهم أنفسهم يتوقعون منا ذلك"".
وفي الأقسام الخارجية للمزرعة حيث باشر مانيس عمله، كانت عمليات الزراعة الدقيقة، وأعمال المسح الصارمة، والمحاسبة الدقيقة لكل تفاصيل الحياة تفرض نظاماً علمياً صارماً على طبيعة كانت تبدو في عيون الصناعيين الأمريكيين والعلماء البيض جامحة وغير منتجة. وجرى تمهيد كل قسم من أقسام المزرعة وزراعته واستخلاص مطاطه بالاعتماد على سواعد العمال الليبيريين الأصليين، وقُسمت الأرض وفق نظام شبكي دقيق يتكون من كتل تبلغ مساحة كل منها 40 فداناً، وتفصل بينها خطوط واضحة تمتد من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب. وزُرعت أشجار المطاط المطعمة بالبراعم في حفر تبعد عن بعضها مسافة 17 قدماً، في صفوف مستقيمة تفصل بينها المسافة نفسها تماماً.
أثمر هذا النظام هندسة بصرية تشبه رقعة الشطرنج، حيث جرى ترقيم كل شجرة مطاط وتسجيلها بشكل فردي في دفاتر الشركة. ولم يُسمح بأي تفاوت أو خروج عن القواعد، إذ خضعت كل خطوة في تخطيط الأقسام وزراعتها لمعايير وقياسات هندسية بالغة الدقة، مستعينة بـأجهزة التيودوليت المخصصة للمسح والتحديد. وجاء في دليل الزراعة الصادر عن شركة فايرستون: ""إن بناء المزرعة بالاعتماد على نظام الكتل، وتضمين شبكة طرق تفتيشية جيدة، سيجعل الوصول إلى جميع أجزاء المزرعة أمراً يسيراً، مما يضمن تنظيماً ميدانياً ورقابة أفضل، ويفضي بالتبعية إلى رفع معدلات الإنتاج"".
ولم يكن الهدف من هذا النظام الصارم مجرد إحكام القبضة على العمال وزيادة الإنتاج فحسب، بل كان يلبي حاجة نفسية ملحة عبر تبديد الهواجس والمخاوف العنصرية التي تملكت المشرفين البيض. فقد كان الرعب من الحياة الاستوائية، المتمثل في الأمراض الفتاكة والأفاعي السامة و""السكان الأصليين"" الذين لا يمكن الوثوق بهم، يتسرب إلى كتابات المزارعين البيض وأحاديثهم اليومية. وامتثالاً لهذا الهيكل الطبقي، كان مانيس يشرف على قوة عاملة من السود تخضع لتسلسل هرمي دقيق، يتكون من مشرفين اثنين، و14 رئيس عمال، و300 عامل من مستخلصي المطاط. وكان هذا الانضباط الحديدي بمثابة الحصان الذي يكبح جماح المخاوف من الفوضى والاضطرابات العمالية التي كانت تغلي تحت سطح ذلك العالم المثالي الذي جهدت فايرستون لتشييده وتسويقه لموظفيها الأجانب.
وفي ظل هذا النظام، كان أكثر من 25000 عامل ليبيري من السكان الأصليين يكدحون تحت إمرة طاقم إداري أجنبي أبيض يتألف من نحو 160 خبيراً في علوم النبات والغابات وأمراض النبات، إلى جانب مهندسين وكيميائيين ومحاسبين، كان ثلاثة أرباعهم تقريباً من حملة الجنسية الأمريكية. وتحت الإشراف المباشر لرئيس الشركة ومديرها التنفيذي، هارفي فايرستون الابن، الذي قاد هذا التوغل الاستثماري في ليبيريا في عشرينيات القرن الماضي، اصطبغت مزارع ""فايرستون للإطارات والمطاط"" بصبغة التمييز والبياض في كل تفاصيلها، بدءاً من سائل اللاتكس اللبني الثمين، ووصولاً إلى السياسات والمباني التي كرست الفصل العنصري في الحياة اليومية للمزرعة.
مجمع الإدارة البيضاء التابع لشركة فايرستون بلانتيشنز، حوالي عام 1937. من كتاب أصدرته الشركة بعنوان ""مناظر في ليبيريا""، 1937.
وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، وصل المفكر والمناضل الأمريكي الأسود دبليو إي بي ديبوا، الذي كان قد بارك في البداية استثمارات فايرستون في ليبيريا، إلى قناعة راسخة بأن الهدف الأوحد للشركة في هذا البلد هو ""تأسيس طبقة بيضاء من الحكام الاستعماريين، يستأثرون بمساكنهم الخاصة، ومجتمعهم المنعزل، وأجورهم المرتفعة"".
لقد كان عالماً محكوماً بـخطوط فاصلة وصارمة بين الأعراق، وشكل ""نادي فايرستون لما وراء البحار"" بؤرته ومركزه النابض. فمن كافة أطراف المزرعة الشاسعة، التي تمددت بحلول عام 1947 لتغطي مساحة 80000 فدان تربط بينها شبكة طرق يبلغ طولها 195 ميلاً، كان الموظفون البيض وعائلاتهم يتوافدون على النادي لينهبوا من مباهج المزرعة. وكانت عطلات نهاية الأسبوع تضج بليالي الكازينو، وحفلات العشاء الراقصة، وبطولات الغولف، وعروض السينما، أو الحفلات الاستعراضية الهزلية التي يؤديها ممثلون يطلون وجوههم باللون الأسود للسخرية من الأفارقة. وفي المقابل، كانت الزوجات الأمريكيات يتسامرن ويرفهن عن أنفسهن في ملاعب التنس، وحول أحواض السباحة، أو في ملاعب الغولف، بينما تكتمل منظومة الترفيه بنزهات على الشواطئ القريبة ورحلات صيد أسماك الباراكودا.
وكانت النشرة الدورية للنادي، والتي حملت اسم ""بلانترز بانش""، تتولى إحاطة العائلات البيضاء بأحدث الأنشطة الاجتماعية ومواعيد السفر والتحركات. ولم تكن هذه النشرة سوى مرآة للرسوم الكاريكاتورية والنكات العنصرية الفجة التي استهدفت ترسيخ الجدار العازل بين عالمهم وعوالم أولئك الذين يسخرونهم لطهي طعامهم، وتنظيف بيوتهم، وغسل وكي ثيابهم، والتسوق لأجلهم، فضلاً عن حصاد سائل المطاط الذي قامت عليه رواتبهم الضخمة وحياتهم المخملية، دون أن تدفع الشركة في مقابل ذلك أي ضرائب تذكر للحكومة الليبيرية.
وعلى الرغم من أن هؤلاء المديرين كانوا يعيشون فوق أرض ليبيريا، إلا أنهم لم يكونوا ينتمون إليها بأي صلة، ولم يكن يشغلهم معرفة هذا البلد. وفي هذا الصدد، اعترف كينيث مكيندو، محرر النشرة ومدير مختبر الأبحاث النباتية في الشركة، قائلاً: ""إن معرفة معظمنا بـليبيريا لا تتجاوز حدود المزرعة وضواحيها، وإلماماً عابراً بالمظهر الخارجي لمدينة مونروفيا، وبعض المعرفة بـشريط الأرض الممتد على جانبي الطريق الذي يربط بين المزرعة والعاصمة"".
غلاف إحدى أعداد مجلة Planter’s Punch، وهي نشرة إخبارية تصدرها شركة Firestone Plantations Company من الموظفين البيض، عام 1941.
وفي الوقت الذي كان فيه المزارعون البيض، من أمثال جين مانيس، ينعمون برغد العيش في منازلهم المتربعة فوق التلال المتموجة لمجمع المزارع، كان عشرات الآلاف من مستخلصي المطاط الليبيريين وعائلاتهم يعيشون في عوالم مغايرة تماماً، قابعين في المناطق المنخفضة والأقسام الرطبة التي لا تصلح لزراعة أشجار المطاط. وجاء هؤلاء الرجال كادحين من كل حدب وصوب، ممثلين لمختلف القبائل والمناطق الإثنية في ليبيريا، وبعضهم قطع مئات الأميال للوصول إلى المزارع. ووصف بلينيونو غبي وولو، وهو ابن أحد الزعماء البارزين لقوم ""الكرو"" وأول إفريقي أسود يتخرج في جامعة هارفارد، مزارع فايرستون بأنها كانت ""برج بابل حقيقياً تتداخل فيه الألسنة واللغات"".
وتحت وطأة الحاجة، تكتل رجال من قبائل ""كبيلي"" و""باسا"" و""دان"" و""مانو"" و""لوما"" وغيرها من الإثنيات التي جرى استقطابها وتجنيدها أساساً من المناطق الوسطى والغربية في ليبيريا، فتجمعوا في المزارع يتحدثون بلغات ولهجات شتى. وجاء هذا التوزيع القبلي متوافقاً تماماً مع التوصيات الطبية والأنثروبولوجية التي رفعها عالما جامعة هارفارد، ريتشارد سترونج وجورج شواب، إلى إدارة فايرستون، بناءً على الرحلات الاستكشافية التي قاموا بها في ليبيريا خلال عشرينيات القرن الماضي برعاية وتمويل من الشركة.
وحفلت التقارير التي صاغها علماء هارفارد أثناء تجوالهم في الداخل الليبيري بأحكام تقييمية مبنية على نظريات علمية زائفة، تحدد أي القبائل الليبيرية تمتلك الصفات البدنية والذهنية التي تجعل من أفرادها ""عمال مزارع مثاليين"". وبناءً على هذه المعطيات، شكل رجال قبيلة ""كبيلي"" الكتلة الكبرى بين عمال استخلاص المطاط في المزرعة الرئيسية، وغدت لغتهم، إلى جانب الإنجليزية الليبيرية الدارجة، هي اللغة السائدة في التعاملات اليومية داخل المزرعة.
وعلى الرغم من أن مستخلصي المطاط كانوا يمثلون العمود الفقري لعمليات شركة فايرستون، إلا أنهم كانوا الفئة الأقل قيمة والأبخس حظاً في حسابات الأجور؛ إذ صُنفت أعمالهم كعمالة غير ماهرة، وظل المستخلص يتقاضى أجراً زهيداً لا يتجاوز 18 سنتاً في اليوم الواحد حتى عام 1950. وكان هذا الأجر البخس يقل عن نصف ما يتقاضاه العمال غير المهرة في معظم مستعمرات الغرب الإفريقي، ولا يتجاوز 1% من أجر عامل المصنع في منشأة فايرستون بمدينة أكرون الأمريكية، حيث كان متوسط أجر العامل هناك يصل إلى 1.73 دولاراً في الساعة الواحدة عام 1948.
وكان يوم العمل للمستخلص الليبيري يبدأ قبل انبلاج الفجر بوقت طويل، حيث يرتفع صوت جرس التجمع الأول في تمام الساعة الثالثة والنصف صباحاً، وبعد انقضاء نصف ساعة، يبدأ رئيس العمال طوافه في أرجاء المخيم. ويروي ""غبي""، وهو رئيس عمال متقاعد التقى به فريقنا البحثي عام 2018، تفاصيل تلك المعاناة قائلاً إنه كان مسؤولاً عن إيقاظ أفراد مجموعته بالمرور ""من بيت إلى بيت في عتمة الليل الدامس دون مصباح، منادياً: توغباه استيقظ، فلومو استيقظ، هكذا واحداً تلو الآخر"". وإذا تخلف أي عامل عن الحضور، كان رئيس العمال يتحمل مغبة ذلك خصماً من أجره الخاص.
وبحلول الساعة الخامسة صباحاً، يصطف العمال على مقاعد خشبية، مرتبين بحسب المجموعات ورؤساء العمال الذين يتبعونهم، ويعرض كل عامل أمامه دلاءه، وسكين الاستخلاص، وحقيبة ""غانغا"" القماشية التي تحوي أدواته وقطع المطاط المتخثر. وكان يتعين على كل مستخلص أن يضع في حقيبته زجاجة زجاجية سميكة يتسلمها كل صباح، تحتوي على محلول الأمونيا، وهو سائل حيوي يمنع تجمد اللاتكس لضمان تدفقه بسلاسة من الشجرة إلى مصنع المعالجة. وضمت قائمة الأدوات الأساسية الأخرى الميازيب المعدنية، وأكواب الجمع الزجاجية، ومقاييس سمك اللحاء، وعصي ""بيكول"" المصنوعة من غاب الخيزران السميك بطول خمسة أقدام، والتي يستخدمها العمال لحمل وموازنة الدلاء الثقيلة المترعة بالسائل اللبني الأبيض. ويتذكر ""غوي""، الذي قضى 32 عاماً من عمره في خدمة فايرستون، تلك اللحظات قائلاً: ""في تمام الساعة الخامسة تماماً، يأتي السيد الأبيض ليتفحص الدلاء ويتأكد من جهوزيتها"".
وكان جين مانيس واحداً من هؤلاء ""السادة البيض"" الذين يهرعون إلى معسكرات الأقسام في الساعة الخامسة صباحاً لتفتيش العمال، وإحصاء عددهم، والتأكد من حيازتهم لكامل أدواتهم، قبل أن يطلق سراحهم للتوجه إلى الحقول في تمام الساعة الخامسة والربع. وعلى الرغم من أن المستخلص كان يحتاج إلى ضوء النهار لإنجاز عمله، إلا أن التبكير بهذه العملية كان يضمن تدفق أكبر كمية ممكنة من اللاتكس قبل أن تؤدي حرارة الشمس الاستوائية الحارقة إلى جفافه وإبطاء تدفقه. وبعد انتهاء مراسم التفتيش والتجمع، كان مانيس يعود إلى كواخه الوثير ليستكمل نومه، ثم يستيقظ في السادسة والنصف صباحاً ليتناول وجبة إفطار شهية أعدها له طاهيه الليبيري الخاص، بينما يكون العمال، من أمثال غوي، يضربون في عتمة الليل سائرين لمسافات قد تبلغ عدة أميال للوصول إلى مربعات أشجار المطاط المخصصة لهم.
ويُعد السائل اللبني (اللاتكس)، أو ""الذهب الأبيض"" كما تواضع الناس على تسميته في مطلع القرن العشرين، مادة لزجة معتمة تفرزها آلاف الأنواع من النباتات المزهرة كوسيلة دفاع طبيعية ضد الحشرات والمفترسات. فعندما تقضم حشرة ورقة شجر، يندفع هذا السائل اللبني المحمل بالمركبات الدفاعية إلى السطح، ليتخثر فور ملامسته للهواء. والمطاط الطبيعي في أصله ما هو إلا بوليمر واقٍ يوجد ضمن هذا السائل، حيث تقع الحشرات في شركه وتلتصق أطرافها به بفعل لزوجته، كما يعمل السائل كـضمادة حيوية تسد الجروح وتبرئ الندوب في الأوراق والسيقان.
وعندما تبلغ أشجار المطاط مرحلة النضج، وهو ما يستغرق عادة ست سنوات من تاريخ زراعتها، يعمد المشرف إلى وضع خريطة مفصلة للمجموعة الشجرية. ويقوم المشرف برفقة طاقمه بفحص قطر جذع كل شجرة مستخدماً فرجاراً معدنياً على شكل حرف U مثبتاً على عصا طويلة، فإذا تجاوز قطر الجذع خمس بوصات، يطلى بنقطة سوداء تشير إلى أن الشجرة قد غدت جاهزة للاستخلاص. وبينما يصيح العمال واصفين حالة كل شجرة، يدون المشرف هذه البيانات على الخريطة مستخدماً رموزاً ملونة توضح ما إذا كانت الشجرة صالحة للاستخلاص، أو متضررة من الرياح، أو غير ناضجة بعد، مع تسجيل المستنقعات والجداول والمباني والعقبات الطبيعية كافة. وبتلك الطريقة الإحصائية الصارمة، يجري تتبع حالة وإنتاجية ملايين الأشجار بدقة متناهية.
ولم تكن هذه الخرائط وسيلة لإحصاء الأشجار فحسب، بل كانت الأداة التي تحدد ""المهمة اليومية"" أو ""البلاطة"" كما اصطلح العمال على تسميتها. فـالمخططات الهندسية للمجموعات الشجرية داخل أقسام المزرعة كانت تساعد الإدارة في رسم المسار الأكثر كفاءة ليسلكه العامل بين الأشجار الموكلة إليه، حيث شكلت هذه المهمة الهيكل الأساسي الذي يدور حوله يوم العامل، ومثلت ""متوسط حصة العمل"" المطلوبة من كل فرد. وأكد ويليام فاس، أحد مديري شركة مزارع فايرستون، على هذه الأهمية قائلاً إن نظام المهام يعد ""أحد المرتكزات الجوهرية في تطوير المزارع وإدارتها"".
ويضرب نظام المهام هذا بجذوره في تاريخ العبودية؛ ففي الحقبة التي كان فيها القطن يهيمن على اقتصاد الجنوب الأمريكي، استعمل أصحاب المزارع هذا النظام لتنظيم عمل العبيد وتقدير قيمتهم المادية. ومع مطلع القرن العشرين، تحول هذا الأسلوب إلى ركيزة أساسية للإدارة العلمية الحديثة في المصانع الكبرى. وفي مصانع إطارات فايرستون، ولا سيما في مزارع المطاط التابعة لها، اكتسب نظام المهام دقة علمية بالغة الصرامة والتعقيد.
وتبدأ عملية فتح الشجرة وتجهيزها للاستخلاص برسم لوحة استخلاص على جذع الشجرة الناضجة، لتنشأ منذ تلك اللحظة علاقة وثيقة وحساسة بين المستخلص والشجرة؛ فالشجرة التي تحظى برعاية واعية وقص دقيق يمكن أن تدر اللاتكس لفترة تمتد إلى 25 عاماً. وجرى العرف على وضع لوحة الاستخلاص الأولى دائماً في الجانب الشمالي من الشجرة، حيث يقص العامل بمهارة فائقة شقاً ضحلاً لا يتجاوز عرضه 1/16 من البوصة في اللحاء، ويمتد هذا الشق من اليسار إلى اليمين بزاوية مائلة تبلغ 30 درجة بهدف قطع أكبر عدد ممكن من أوعية اللاتكس، وهو جرح مدروس ومسيطر عليه تماماً.
وتحاكي هذه الشقوق المصطنعة الأضرار التي تحْدثها الحشرات، مما يحفز الشجرة على إطلاق مادتها الدفاعية (اللاتكس)، وهي مركبات هيدروكربونية مخزنة في خلايا متخصصة تقع تحت اللحاء الخارجي مباشرة. وإذا زاد عرض الشق عن 1/16 من البوصة، فإن الشجرة تستهلك طاقتها في إعادة بناء اللحاء بدلاً من إنتاج المطاط، أما إذا تجاوز عمق القطع مليمتراً واحداً (وهو سمك عملة الدايم الأمريكية)، فإن ذلك يهدد الشجرة بعطب بالغ. وإذا ما وصلت سكين العامل إلى طبقة ""الكامبيوم""، فإنه يخاطر بإتلاف أوعية الخشب واللحاء الحيوية التي تمثل الشرايين الناقلة للماء والمعادن والسكريات في النبتة. وإن أي جرح جائر، سواء في العرض أو العمق، كفيل بتقصير عمر شجرة المطاط؛ ولهذا السبب، كانت فايرستون تولي حياة الشجرة ورعايتها قيمة تفوق بكثير ما توليه لحياة العامل المستخلص نفسه، ولم يكن الأمر يتطلب سوى بضعة جروح خاطئة وعميقة ليجد العامل نفسه مطروداً وبلا عمل.
وكان متوسط المهمة اليومية المفروضة على المستخلص الواحد في الحقبة التي أدار فيها هارفي الابن إمبراطورية المطاط يصل إلى 300 شجرة يومياً. ويبدأ العامل يومه بإزالة خيط رقيق من المطاط المتخثر الذي جف في شق اليوم السابق، كما ينظف الكوب من الكتل المتخثرة التي تجمعت فيه طوال الليل، إذ كانت الشركة تطالب بكل قطرة مطاط، سائلة كانت أو جافة، باعتبارها ملكية خالصة لها لا تفريط فيها.
وعقب وضع المطاط المتخثر في حقيبة ""غانغا""، يشرع العامل في إحداث جرح جديد في الشجرة ليتدفق السائل اللبني من جديد، ثم يفتح زجاجة الأمونيا ويسكب بضع قطرات من هذه المادة الكيميائية نفاذة الرائحة داخل كوب الجمع لضمان ""ألا ينام السائل"". ويتكون اللاتكس في أصله من 40% من المطاط، بينما يتشكل الباقي من مزيج من الماء والسكريات والبروتينات والأملاح، وعند تعرضه للهواء، تبدأ البكتيريا في التغذي على السكريات والبروتينات منتجة أحماضاً تؤدي إلى تجمد السائل، ومن هنا تأتي أهمية الأمونيا، باعتبارها قاعدة كيميائية قوية تحافظ على سيولة المطاط وتمنع تخثره.
وكان السائل اللبني الطبيعي المركز يحظى بأعلى الأسعار في أسواق التجارة العالمية مقارنة بالمطاط الورقي المدخن أو ""الكريب""، نظراً لمرونته وتعدد استخداماته في صناعات دقيقة مثل المراتب الإسفنجية والقفازات الطبية. وخلال الحرب العالمية الثانية، شكلت مزارع فايرستون في ليبيريا المصدر الوحيد والحيوي لقوات الحلفاء للحصول على هذا السائل المركز. وبحلول عام 1949، ونتيجة للمجهود الحربي الذي دفع فايرستون لمضاعفة إنتاجها ثلاث مرات في غضون عقد واحد، أصبحت ليبيريا تمد الولايات المتحدة بنسبة 22% من إجمالي وارداتها من اللاتكس الطبيعي المركز.
عمال جمع عصارة النخيل بدلاء فارغة يتوجهون إلى عملهم اليومي، حوالي أربعينيات القرن العشرين.
وإذا تمتع العامل بـالسرعة والمهارة التي كان يمتلكها غوي، فإنه قد يجد متسعاً من الوقت للعودة إلى المخيم وإعداد وجبة طعام وتناولها قبل أن يدق الجرس التالي في الساعة العاشرة والنصف صباحاً. وعند سماع دقات ""البونغ بونغ""، وهو جرس ضخم مصمّم من شفرة منشار دائرية، يهرع المستخلصون حاملين عصي بيكول ودلائهم الفارغة عائدين إلى مربعات الأشجار. وبخطى سريعة، ينتقلون من شجرة إلى أخرى، يفرغون السائل الأبيض الممزوج بـالأمونيا في الدلاء الكبيرة، ويمسحون بقايا المطاط من الأكواب بأصابعهم العارية.
وبعد الفراغ من جمع سائل 300 شجرة، يعمد المستخلص بعناية إلى تثبيت دلوين ممتلئين تقريباً، سعة كل منهما ستة غالونات، على طرفي عصا بيكول، ليوازن هذا الحمل الثقيل الذي يقارب 100 رطل من اللاتكس الطازج فوق كتفيه. وكانت رحلة العودة سيراً على الأقدام من المربع الشجري إلى محطة التجميع بمثابة عذاب يهد الجسد ويسحق العظام، وعن هذا يروي أحد قدامى المستخلصين بحسرة: ""آه، لقد عانى بعض الناس معاناة شديدة، فمنهم من كانت مربعاتهم الشجرية بعيدة جداً عن محطات الجمع""، واصفاً مشقة السير لمسافات طويلة تحت وطأة تلك الأحمال الثقيلة.
وفي تمام منتصف النهار، تبدأ عمليات تفتيش الوزن في محطة جمع القسم، حيث يصطف مئات الرجال، يحملون دلاءهم وحقائبهم القماشية المحشوة بالمطاط المتخثر، في طوابير طويلة يترقبون دورهم أمام الميزان، لتسجيل كميات المطاط بدقة وإحصاء إنتاجية كل عامل. ولم يكن انتهاء ساعات التجمع الثماني يعني دائماً ختام يوم المستخلص؛ ففي مواسم الأمطار، كان يتعين على العمال العودة مجدداً إلى الحقول لتلطيخ لحاء الأشجار المجروحة بـمبيدات الفطريات مستخدمين أصابعهم العارية، أو للقيام بأعمال إزالة الأعشاب الضارة المحيطة بالجذوع، أو لتمهيد مربعات شجرية جديدة. ومن أجل الحصول على معدل الأجر الكامل، كان العامل يضطر أحياناً للكدح لمدة 11 ساعة يومياً، بمعدل 26 يوماً أو أكثر في الشهر الواحد.
عمال جمع اللاتكس يحملون اللاتكس الذي تم جمعه، 1966. صورة فوتوغرافية من فريدريك ماك إيفوي.
ولم يكن يمتلك الكافة السرعة التي تميز بها غوي، والتي كانت تتيح له فرصة كسب مبالغ إضافية عبر تولي العمل في ""بلاطتين"" أو مربعين شجريين في اليوم الواحد عند حاجة الإدارة لعمال احتياطيين. أما العمال الذين تعثروا في الوفاء بالحصص المقررة عليهم، فكانوا يقعون تحت طائلة هذا النظام الصارم؛ إذ يبدأ رئيس العمال أولاً بـاقتطاع جزء من أجورهم، وإذا ما استمر عجز العامل وتبددت قدرته على المواكبة، يجري شطب اسمه من قائمة العمال المنتظمين وإدراجه ضمن قوائم العمال الاحتياطيين، وهم فئة من العمالة الهامشية يعملون بشكل متقطع وغير منتظم، ولا يتم استدعاؤهم إلا عند غياب أحد أفراد المجموعة الأساسيين.
وفي مواجهة هذا العجز، كانت النساء يهرعن أحياناً لنجدة رجالهن ومساعدتهم في إتمام المهام الشاقة؛ حيث تروي ""كي"" كيف كانت تشارك زوجها في جمع المطاط المتخثر وبقايا الأرض، وهو ذلك السائل الذي يتسرب إلى التربة ويتصلب فوقها، مؤكدة أنها كانت تقوم بهذا العمل الشاق دون أن تتقاضى أي أجر في مقابل ذلك، وإنما كان دافعها الوحيد هو ضمان حصول زوجها على راتبه الكامل وعدم تعرضه للخصم تحت وطأة نظام الحصص الصارم. ومن اللافت أن المستخلصين الذكور نادراً ما كانوا يتحدثون عن قيام أحدهم بـمساعدة زميل له في المجموعة لإتمام حصته؛ إذ كرس نظام المهام النزعة الفردية والأنانية على حساب قيم التضامن والمجتمع في عالم العمال الذكور.
وعلى النقيض من ذلك، سادت ثقافة مغايرة تماماً ومنظومة من القيم التضامنية في عالم النساء اللواتي التحقن بـالعمل في المزارع؛ إذ بدأت شركة فايرستون في توظيف النساء رسمياً خلال ستينيات القرن الماضي، وإن كان ذلك بأعداد ضئيلة للغاية مقارنة بالرجال (إذ لم يتجاوز عددهن 17 عاملة في مسح أُجري عام 1961). واستغلت الإدارة المهارات والخبرات التي صقلتها النساء في زراعة المحاصيل بالمناطق الداخلية، فوظفتهن في عمليات إنبات البذور، وتطعيم البراعم، ورعاية شتلات المطاط الصغيرة داخل مشاتل الشركة، فضلاً عن إسناد أعمال زراعة الأشجار المطعمة إليهن. وتميز عمل النساء بـخضوعه لنظام ""العقود الجماعية"" بدلاً من الحصص الفردية، وهو نظام جاء متسقاً مع عادات العمل الجماعي التقليدية المعروفة باسم ""كو"" لدى شعب كبيلي، وهي قيم متجذرة في الثقافة الزراعية لسكان الداخل.
وكان موسم الأمطار يمثل الميقات الفعلي للزراعة في المزارع الكبرى كما هو الحال في القرى النائية؛ حيث كانت المزارعات يشتغلن في مجموعات منظمة تخضع كل منها لإشراف رئيس عمال. وتتسلم كل امرأة حصة تتراوح بين أربع وست حزم من شتلات المطاط (المعروفة بالجذوع)، وتضم كل حزمة 25 شتلة، لتتولى زراعتها في مساحات جرى تمهيدها مسبقاً. كان عملاً مضنياً يتطلب دقة بالغة ويخضع لرقابة حثيثة من مديرين بيض لا يتورعون عن إيقاف العاملة عن العمل أو فصلها نهائياً إذا ما تبين لهم أن الصفوف ليست مستقيمة أو أن الشتلات زُرعت بشكل فضفاض في التربة.
ينتظر جامعو المطاط في محطة التجميع لوزن اللاتكس والمطاط المتخثر، حوالي عام 1940.
وكانت هذه الحزم تمثل عبئاً ثقيلاً وتحدياً كبيراً للعاملات المبتدئات أو البطيئات، وهنا كانت تتجلى قيم التكافل؛ إذ تروي ""لومالون"" كيف كانت العاملات السريعات يهرعن لمساعدة زميلاتهن المتعثرات قائلة: ""إذا كنتِ تتمتعين بـالبنية القوية والسرعة، فإنكِ ستنجزين عملكِ باكراً وتسبقين رفيقاتكِ، ولكن بدلاً من المغادرة، كنا نلتف حول العاملة البطيئة ونساعدها في زراعة ما تبقى من شتلاتها حتى نتمكن جميعاً من العودة إلى ديارنا معاً"".
وساهم هذا التعاون النسائي الوثيق في ضمان الوفاء بـشروط العقود الجماعية ورعاية الأشجار الناشئة بحنو وإخلاص. وتتذكر العاملات المتقاعدات بـالكثير من الفخر والاعتزاز كيف قمن بـتربية وتعهد تلك الشتلات الصغيرة التي تحولت اليوم إلى أشجار عملاقة تدر أرباحاً طائلة، ويتحدثن عنها بـالنبرة ذاتها التي يتحدثن بها عن محاصيلهن الخاصة في قراهن؛ إذ تقول ""سياوا غيه""، التي بدأت مسيرتها في المزرعة مطلع الستينيات كزميلتها لومالون: ""إن معظم أشجار المطاط التي تراها ممتدة أمامك اليوم هي ثمرة جهدي، وليدي بصمة في زراعة الكثير منها"".
وفي غمار عمليات تحويل طبيعة الأرض وتغيير العلاقات البيئية لبناء إمبراطورية المزارع وتأمين استمراريتها، لم تتوانَ فايرستون عن تفعيل مخاطر صحية وبيولوجية بالغة، بل وجلبت أضراراً وأمراضاً جديدة لم تكن عهداً للسكان؛ إذ غدا تشكيل هذا المشهد الصناعي مشحوناً بالمخاطر المهنية التي تهدد حياة العمال، وهي مخاطر لم تكن تحظى بـاهتمام الشركة، التي انصب جل تركيزها على محاربة الطفيليات الاستوائية لحماية صحة موظفيها البيض وضمان استمرار الكفاءة الإنتاجية للعمالة.
واتخذت بعض المخاطر الناجمة عن هذه البيئة الصناعية صبغة بيولوجية؛ فـعمليات جرف الغابات، وتكديس العمالة البشرية، وتدمير الغطاء النباتي والحيواني الأصيل، خلقت بيئة مثالية لازدهار الحشرات الانتهازية والطفيليات الخطيرة التي تنقلها.
ومن أبرز هذه الآفات ظهرت ""الذبابة السوداء"" المحبة للبشر (سيموليوم ياهينس)؛ إذ وفرت المجاري المائية، الحيوية للبنية التحتية للمزرعة، إلى جانب الظلال ومصدات الرياح التي أمنتها غابات المطاط أحادية المحصول، بيئة نموذجية لتكاثر هذه الذبابة اللادغة. ونظراً لأن ذروة نشاط هذه الذبابة تكون في ساعات الصباح الأولى، وهي الأوقات ذاتها التي ينتشر فيها المستخلصون في الحقول، فقد وجدت في أجساد العمال الليبيريين وليمة دسمة ومتجددة. ومع استيطان الذباب والبشر للمزرعة، وفد معهما رفيق طريق خطير.
واستقرت دودة ""الأونشوسيركا فولفولوس"" الطفيلية، مستفيدة من الظروف البيئية المواتية التي خلقتها مزارع فايرستون، وناقلها الحشري المتمثل في الذبابة السوداء. ويُعد هذا الطفيلي، الذي ينتقل إلى البشر عبر اللدغات، أحد المسببات الرئيسية للإصابة بـالعمى في إفريقيا جنوب الصحراء والمناطق الاستوائية. وفي الأقسام الممتدة على ضفاف نهر ""دو""، بالقرب من المواقع التي عسكرت فيها بعثة هارفارد الاستكشافية في الماضي، تفشى داء كلابية الذنب (المعروف بـعمى النهر) بمعدلات مفزعة تفوق أي منطقة أخرى في ليبيريا؛ فـبعد مرور ستين عاماً على جرف الغابات الأولى، تبين أن نسبة انتشار عدوى الأونشوسيركا بين العمال الذكور المقيمين بالقرب من ضفاف نهر دو قد بلغت 80%.
ولم تكن المخاطر البيولوجية وحدها المهدد لصحة العمال، بل انضمت إليها المخاطر الكيميائية الناجمة عن انتشار المواد السامة في أرجاء المجمع؛ فـمحلول الأمونيا، الذي يعد الرفيق اليومي والدائم للمستخلص، كان عنصراً لا غنى عنه للحفاظ على سيولة اللاتكس ومنع تجلطه، غير أن العمال كانوا مجبرين على التعامل مع هذه المادة الحارقة بأيدٍ عارية وبلا قفازات أو نظارات واقية. ونتيجة لذلك، تغلغلت الأمونيا في مسام أيديهم، وأماتت أطراف أصابعهم، وتسببت في تآكل وسقوط أظافرهم. ويتذكر أحد العمال تلك الأيام قائلاً: ""بمجرد أن يملأ المشرف زجاجتك بـالأمونيا، يتعين عليك إغلاقها بسرعة فائقة، وإلا تنسكب على جسدك وتحرق جلدك"". وأصيب عمال آخرون بـالعمى الدائم جراء تطاير هذه المادة الكاوية الحارقة إلى أعينهم، وعن هذا يقول غبي: ""إذا ما تيسر لهذه المادة أن تطال عينك، فإنها تتلفها في الحال، وإذا ما طالت العينين معاً، قُضي على بصرك تماماً"".
ومع انقضاء سنوات الحرب العالمية الثانية، شهدت مزارع فايرستون تدفقاً لموجات جديدة من المواد الكيميائية الأكثر خطورة؛ إذ أفرزت المصانع الحربية وفرة من المركبات الكيميائية الجديدة التي واكبت المخططات الرأسمالية الكبرى الرامية إلى التوسع في الزراعات الصناعية وإطلاق ما سُمي بـ ""الثورات الخضراء"" لتأمين الغذاء لعالم جائع.
وعمد العمال إلى رش مبيد الأعشاب ""2,4,5-T"" فوق أشجار المطاط الهرمة، لتتولى الجرارات الضخمة بعد ذلك جرف النباتات الميتة والمتساقطة الأوراق بهدف تهيئة الأرض لزراعة سلالات جديدة من مستنسخات أشجار المطاط. وكان لهذا المبيد فوائد أخرى في حسابات الشركة؛ إذ كان يتسرب إلى التربة ليقضي على الفطريات المسببة لمرض ""عفن الجذور"" الذي كان يهدد إنتاجية الأشجار. غير أن هذا المركب كان يحتوي على نسب من مادة ""الديوكسين""، وهي ملوث بيئي شديد السمية؛ ولم تلتفت الإدارة أو علمائها إلى الآثار الصحية المدمرة التي قد تلحق بـالعمال أو بالمجتمعات المحلية القاطنة في مناطق المصب على ضفاف نهري دو وفارمينغتون.
كما جلب الكفاح المستميت ضد مرض ""الخيط الأسود""، وهو فطر طفيلي كان يلحق أضراراً بالغة بـلحاء أشجار المطاط، سلالة جديدة من المركبات الكيميائية السامة إلى المزارع. وينشط فطر ""فيتوفتورا بالميفورا"" ويتكاثر في مواسم الأمطار، حيث تتشكل خيوطه الفطرية كـأشرطة سوداء عمودية فوق لوحات استخلاص الأشجار، لتتداخل وتتحول إلى تقرحات داكنة تحرم الشركة من إمكانية استخلاص المطاط من تلك المنطقة بـشكل دائم. ونظراً لأن هذا الفطر كان يهدد سلالة فايرستون الثمينة والمفضلة (بودجونغ داتار 5)، فقد مثل خطراً مباشراً على أرباح الشركة، مما دفعها لإجراء بحوث كيميائية مكثفة للسيطرة عليه.
وبحلول ستينيات القرن الماضي، دخل مزيج كيميائي سام جديد حيز الاستخدام المكثف في أرجاء المزارع كافة، ويتألف من مبيد الأعشاب ""2,4-D"" الذي يحفز الشجرة على إفراز المزيد من اللاتكس، ومبيد الفطريات ""كابتافول"" المخصص للقضاء على مرض الخيط الأسود المخيف. وكان العمال يقومون بـطلاء هذا المزيج السام فوق لوحات استخلاص الأشجار بـأيديهم العارية، وكان عقار الكابتافول (الذي حُظر استخدامه لاحقاً في الولايات المتحدة لثبوت خواصه المسرطنة) يتقاطر بـاستمرار داخل أكواب جمع المطاط، التي كان العمال يتولون تنظيفها بـأصابعهم يوماً بعد يوم.
لقد غدا من الواضح أنه لم يعد هناك ما يمكن وصفه بـ ""الطبيعي"" في عمليات إنتاج المطاط الطبيعي خلال سنوات ما بعد الحرب؛ فـالعمال الليبيريون كانوا يقضون حيواتهم كادحين في بيئة مزارع موبوءة بـالمخاطر البيولوجية والكيميائية والفيزيائية. وشهدت سنوات الحرب تصاعداً ملحوظاً في أعداد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد الشركة من عمال ليبيريين تعرضوا لإصابات عمل بالغة، أو من عائلات مكلومة فقدت معيليها في حوادث صناعية مأساوية.
وفي سبتمبر من عام 1946، تقدمت عائلة العامل الراحل سولومون بروكلين الابن بـدعوى قضائية تطالب فيها بـتعويض قدره 5000 دولار، إثر تعرض ابنها لإصابة في قدمه أثناء العمل، أُدخل على إثرها مستشفى مزارع فايرستون، حيث لقى حتفه هناك نتيجة إصابته بـمرض التيتانوس. ووجه محامي العائلة اتهاماً صريحاً لطبيب الشركة، الدكتور كيه اتش فرانز، بـارتكاب ""إهمال جسيم وتحويل أرواح البشر إلى حقول تجارب"". وجادل المحامي الليبيري أمام المحكمة بأن الأطباء الأجانب من أمثال فرانز، ""الذين يفدون إلى هذه البلاد بحثاً عن المعرفة والخبرة في مجال الطب الاستوائي وهي خبرات يتعذر عليهم نيلها في أمريكا أو أوروبا، لا يتورعون عن إجراء تجارب طبية ضارة وغير أخلاقية على مرضاهم الأفارقة"". وأضاف أن فرانز، بـاكتفائه بـخياطة الجرح بـشكل فضفاض وإهماله تقديم العلاج الوقائي ضد التيتانوس لبروكلين فور دخوله المستشفى، قد أظهر ""معاملة غير إنسانية متعمدة"" تجاه موظف يشتغل في شركة مزارع فايرستون.
ورداً على الضغوط المتزايدة والمتصاعدة التي مارستها الحكومة الليبيرية في ذلك الوقت، عمدت فايرستون إلى إقرار سياسة لـتعويضات العمال في العام ذاته الذي شهد وفاة بروكلين، غير أن التعويضات المقررة في حالات الوفاة كانت أبعد ما تكون عن جبر الضرر أو مضاهاة المبالغ التي طالبت بها عائلة الراحل.
ووفقاً لتلك السياسة، كان يحق لعائلة العامل المتوفى الحصول على مبلغ يعادل أجر يومه مضروباً في ألف وأربعمائة ضعف. وبناءً على هذه الحسبة، لو كان بروكلين يعمل مستخلصاً للمطاط، لكانت الشركة قد دفعت لعائلته مبلغاً لا يتجاوز 252 دولاراً (ما يعادل نحو 3348 دولاراً بـالقوة الشرائية الحالية)، شريطة إثبات أن الوفاة لم تكن ناجمة عن إهمال العامل نفسه. أما إذا كتب للعامل النجاة مع فقدان القدرة على استخدام قدمه، فكان تعويضه يبلغ 126 دولاراً. وحددت الشركة قيمة اليد بـ 700 ضعف أجر العامل اليومي، بينما بلغت قيمة العين 640 ضعفاً، وتراوحت قيمة الفقدان الجزئي لبصر المستخلص بين 28 دولاراً كحد أدنى و86 دولاراً كحد أقصى.
وفي تضاعيف هذه الحسابات الرياضية لتعويضات العمال، تجلت بـوضوح النظرة الدونية والقيمة البخسة التي أولتها فايرستون لـحياة العمال السود داخل ذلك الجيب الطبقي الذي استنسخ نظام ""جيم كرو"" العنصري ونقله إلى قلب ليبيريا. وكان هذا التقييم المالي امتداداً لهياكل الرأسمالية العرقية التي تضرب بجذورها في التربة العنيفة والدامية لـحقبة عبودية المزارع التاريخية.
وعلى الرغم من أن فايرستون لم تفتأ تروج لـمزارعها في ليبيريا كنموذج يحتذى للصناعة والتقدم والحديث، مستظلة بـالقدرة التحويلية والمزايا الإنسانية المزعومة للعلوم والطب الأمريكيين، إلا أن واقع الحال وممارساتها على الأرض نسفت هذه الادعاءات؛ فـمعاملتها القائمة على التمييز وعدم المساواة بين عمالها البيض والسود، ورعايتها لـعلوم وطب عنصريين، واستنزافها لـثروات البلاد وتصديرها للأرباح المتراكمة من الأراضي المصادرة، جعلت من هذه الشركة وريثاً شرعياً لعوالم المزارع الاستعمارية القديمة، شريكة لها في الجرم والأسلوب، لا نموذجاً غريباً عنها.
