القائمة الرئيسية

زيمبابوي العظمى: دحض أسطورة الطغاة والعمل القسري

زيمبابوي العظمى: دحض أسطورة الطغاة والعمل القسري
ملخص المقال

يتناول المقال إعادة تقييم الفهم التقليدي لحضارة زيمبابوي العظمى، التي طالما صُوِّرت على أنها مملكة استبدادية يحكمها ملوك ذوو سلطة مطلقة، موضحاً أن أبحاثاً أثرية جديدة في منطقة مبيرنغوا تشير إلى نموذج حكم أكثر تعقيداً يقوم على التعاون والتشاور وتقاسم السلطة بين مستويات المجتمع المختلفة. وتكشف الأدلة أن الأسر المحلية احتفظت باستقلالية واسعة، وأن المجتمعات اعتمدت على العمل الجماعي في الزراعة والبناء، بينما مارس الحكام سلطتهم ضمن مجالس استشارية وأعراف مجتمعية، وليس عبر الإكراه المطلق. ويرى الباحثون أن هذه النتائج تتحدى التفسيرات الاستعمارية القديمة التي ربطت تعقيد الدول الأفريقية بالاستبداد، وتقدم صورة أكثر تنوعاً للحوكمة في أفريقيا، بما يسهم في إعادة فهم الماضي بعيداً عن الصور النمطية التي استُخدمت لتبرير السلطوية قديماً وحديثاً.

على مدار أكثر من قرن من الزمان، ظلت زيمبابوي العظمى تتربع في قلب قصة مؤثرة حول ثقافة زيمبابوي. وقد ازدهرت هذه الحضارة الأفريقية الاستثنائية في جنوب القارة الأفريقية خلال العصور الوسطى، حيث شيدت أكثر من مئتي قصر من الحجارة الجافة، وتُعرف محلياً باسم ""مادزيمباهوي"" أي بيوت الحجر.

وغالباً ما فُسرت هذه النصب التذكارية الشاهقة، والثروة الذهبية الهائلة، ومجموعة المواد الغريبة والفريدة بما في ذلك الخرز الزجاجي والخزف المصقول القادم من أراضٍ بعيدة، على أنها دليل بأن دول جنوب أفريقيا المبكرة كانت تُحكم من قِبل ملوك مستبدين، وقادة مارسوا سيطرة شبه مطلقة على رعاياهم.

وفي كتب علم الآثار، ومعارض المتاحف، وحتى في الخطاب السياسي، غالباً ما جرى اختزال صورة زيمبابوي العظمى، التي لا ينافسها في الحجم والفخامة سوى أهرامات مصر، في صورة مملكة أفريقية استبدادية يحكمها ملوك مقدسون من الأعلى.

وقد جرى توظيف هذه الفكرة عن الحضارات الأفريقية في كثير من الأحيان لتبرير الأشكال الحديثة من الاستبداد السياسي. ولكن ماذا لو كانت هذه القصة المحكية عن ثقافة زيمبابوي خاطئة، أو على الأقل غير مكتملة؟

إن أبحاثنا الجديدة في منطقة مبيرنغوا الواقعة في جنوب وسط زيمبابوي بدأت في تحدي هذه الافتراضات الراسخة منذ فترة طويلة.

وبصفتي عالم آثار أنثروبولوجي، فإنني أستخدم البقايا المستخرجة ودراسة الثقافات البشرية معاً لفهم كيفية تنظيم المجتمعات لأنفسها. وبعيداً عن الكشف عن نظام سياسي صارم ومركزي، فإن الأدلة المستمدة من مبيرنغوا تشير إلى العكس تماماً، إذ ربما كانت الحوكمة ضمن ثقافة زيمبابوي جماعية وتفاوضية بشكل أكبر بكثير مما كان يتخيله البعض.

وبدلاً من كونها معالم أثرية بُنيت فقط من خلال الإكراه، فإننا قد نكون أمام مجتمعات تدفقت فيها السلطة عبر طبقات متعددة من التنظيم المجتمعي، وحيث احتفظت الأسر العادية باستقلالية كبيرة.

وهذا الأمر يتحدى الرؤى التبسيطية، ويكشف عن تاريخ أكثر تنوعاً للحوكمة شمل المشورة والتفاوض واتخاذ القرار الجماعي.

كيف وصلنا إلى هنا

لقد فسر علم الآثار لعقود من الزمن ثقافة زيمبابوي من خلال نماذج تطورية عفا عليها الزمن. وصورت هذه الأطر المجتمعات الأفريقية على أنها مجتمعات هرمية يحتكر فيها الملوك الثروة والعمالة والسلطة السياسية.

وكان يُنظر إلى زيمبابوي العظمى ومابونغوبوي وخامي على أنها عواصم لدول مركزية في جنوب أفريقيا. وافتُرض أن الحكام كانوا يهيمنون على أراضٍ شاسعة، ويتحكمون في التعدين والتجارة بعيدة المدى، ويجبرون الرعايا على بناء العمارة الحجرية الصرحية.

وقد تشكل هذا التفسير بعمق بفعل الفكر الاستعماري. وغالباً ما صور المؤرخون والأنثروبولوجيون الأوروبيون الأوائل الحكام الأفارقة كطغاة يحكمون من خلال الخوف والخرافة والعنف. وعلى سبيل المثال، جرى تصوير الملك الزولو ""شاكا"" كنموذج أصيل للمستبد الأفريقي، ثم أُسقطت افتراضات مماثلة في وقت لاحق على حضارات العصر الحديدي مثل زيمبابوي العظمى.

وقد ساعدت الدراسات الاستعمارية من هذا القبيل في تبرير الهيمنة الاستعمارية.

وفي هذه الروايات، لم يكن من الممكن بناء النصب التذكارية والجدران الحجرية الضخمة إلا من خلال العمل القسري الموجه من قِبل نخب استبدادية.

وقد تحدى علم الآثار بشكل متزايد هذه النماذج التبسيطية في جميع أنحاء العالم. وتظهر الأبحاث في أماكن مثل ميزوامريكا وبلاد الرافدين ودلتا النيجر الآن أن المجتمعات المعقدة لم تكن تُحكم دائماً من خلال الهيمنة من الأعلى إلى الأسفل، بل اعتمدت العديد من الدول القديمة على بناء التوافق، والسلطة المشتركة، وأنظمة الحوكمة التعاونية.

بيد أن جنوب أفريقيا تخلفت عن هذا التحول الفكري، إذ لا تزال تفسيرات زيمبابوي العظمى تعاني مما أُطلق عليه ""مخلفات التطور الجديد""، وهو الافتراض المستمر بأن التعقيد السياسي يجب أن يعني تلقائياً الاستبداد المركزي.

ما تكشفه مبيرنغوا عن السلطة

لطالما صُنفت منطقة مبيرنغوا، الواقعة في المنطقة الجنوبية الوسطى الغنية بالمعادن في زيمبابوي، على أنها منطقة هامشية تابعة لزيمبابوي العظمى. وافترض علماء الآثار أن مجتمعاتها وقعت تحت سيطرة الحكام في زيمبابوي العظمى، على بعد أكثر من مئة كيلومتر. ولكن الحفريات والمسوحات المستمرة تكشف عن أمر أكثر تعقيداً.

تحتوي مبيرنغوا على العديد من المستوطنات، بعضها محاط بأسوار وبعضها الآخر غير محاط، ويعود تاريخ بعضها إلى نفس الفترة الزمنية لزيمبابوي العظمى. وتحتوي هذه المواقع على أدلة على الزراعة، وتشكيل المعادن، والتعدين، والصيد، والتجارة بعيدة المدى. كما أنها تكشف عن مراكز متعددة للسلطة السياسية بدلاً من دولة مركزية واحدة.

إن الأمر المثير للدهشة هو كيف يبدو أن التنظيم السياسي قد عمل عبر مستويات عدة من المجتمع. وفي القاعدة الشعبية كانت توجد ""الميشا"" وهي البيوت والمزارع الخاصة بالعائلات العادية، ولم تكن هذه المساحات عديمة الأهمية سياسياً، إذ تشير الأدلة الأثرية إلى أن الأسر أدارت ماشيتها وزراعتها وإنتاجها الحرفي وشؤونها المحلية باستقلالية كبيرة.

وفوق مستوى البيوت والمزارع كانت توجد ""الدمهو"" أو الدائرة المحلية، والتي جمعت مجموعات من الأسر معاً. وهنا، لعبت أنظمة العمل التعاوني مثل ""النهيمبي"" دوراً مركزياً في الحياة الاجتماعية، حيث تجمعت المجتمعات طوعاً لحرث الحقول وبناء المنازل ورعي الماشية والقيام برحلات الصيد.

وعلى المستوى الإقليمي كانت توجد ""النييكا""، التي يشرف عليها حكام يُعرفون باسم ""مادزيمامبو"" أي الملوك. ولكن حتى هنا، تبدو السلطة تفاوضية وليست مطلقة. وتشير التقاليد الشفهية والأدلة الإثنوغرافية من مجتمعات الشونا قبل الاستعمار إلى أن الحكام كانوا يحكمون إلى جانب مجالس استشارية، وعملوا ضمن أنظمة القانون العرفي والتوقعات المجتمعية.

وتؤكد العديد من أمثال الشونا على هذه الأخلاق السياسية، حيث يذكر مثل شعبى أن المحكمة لا تُحكم بالرمح، ويحذر مثل آخر من أن الشخص ذو العين الواحدة لا يمكنه الحكم بعدالة. وتشير مثل هذه الفلسفات إلى أن التوافق والمساءلة كانا مركزيين في نظام الحوكمة.

إعادة التفكير في الجدران ذات الحجارة الجافة

يدفعنا هذا المنظور إلى إعادة النظر في النصب التذكارية نفسها.

غالباً ما فُسرت الجدران المصنوعة من الحجارة الجافة في مواقع ثقافة زيمبابوي على أنها رموز لسلطة النخبة. ولكن التحليل المعماري من مبيرنغوا يكشف عن شيء آخر، فقد بُنيت العديد من الجدران باستخدام أساليب ودرجات متفاوتة من الحرفية، وغالباً ما يكون ذلك داخل الهيكل الواحد نفسه.

وهذا لا يشير إلى قوة عاملة تخضع لسيطرة مركزية، بل يشير إلى مجموعات متعددة تساهم بشكل تعاوني في البناء بمرور الوقت. كما توجد أدلة شحيحة على وجود جيوش أو أنظمة شرطية ضرورية للسيطرة على العمالة المكرهة. وفي المجتمعات التي كان بإمكان الناس فيها الانتقال والارتحال، كان من الصعب الحفاظ على الإكراه على أي حال.

وتقدم تقاليد العمل الجماعي تفسيراً أكثر قبولاً ومنطقية. فمثلما تجمعت المجتمعات من أجل العمل الزراعي، فإن البناء الصرحي للأبنية قد يكون نشأ أيضاً من خلال المشاركة التعاونية، مما يشير إلى وجود التزام اجتماعي، وولاء سياسي، وهوية جماعية.

ولا يعني هذا أن هذه المجتمعات كانت متساوية وديمقراطية تماماً، فقد كان هناك حكام وتسلسلات هرمية وفوارق طبقية، وكانت المساكن الملكية تعلو المستوطنات العادية، وكانت السلطة السياسية ذات أهمية واضحة، ولكن التسلسل الهرمي لا يعني الطغيان بالضرورة.

وتشير الاكتشافات الأثرية من مبيرنغوا إلى وجود مراكز قوى مستقلة متعددة. وتحتوي مواقع مثل تشومنونغوا وموندي على مقابر ملكية، وشارات سياسية، ومصنوعات ذهبية، وعمارة صرحية، وهي قابلة للمقارنة بالاكتشافات في المركز المفترض مثل زيمبابوي العظمى.

والصورة الناشئة هي صورة لكيانات سياسية متداخلة ومتنافسة، وكانت مرتبطة ببعضها البعض من خلال التجارة، والقرابة، والطقوس، والتقاليد المشتركة.

لماذا تكتسب هذه المناقشة أهمية

إن الطريقة التي نُفسر بها الماضي الأفريقي تشكل كيفية فهم الأنظمة السياسية الأفريقية في الوقت الحاضر.

ولسوء الحظ، لا تزال بعض هذه الافتراضات تتردد أصداؤها اليوم. ومن خلال تصوير الاستبداد على أنه أمر طبيعي وتاريخي في أفريقيا، فإنها تضفي الشرعية على السلطوية في العصر الحديث. ولكن علم الآثار يروي قصة أكثر تعقيداً.

وتشير منطقة مبيرنغوا إلى أن الحياة السياسية داخل ثقافة زيمبابوي كانت ديناميكية ومتعددة الطبقات وجماعية.

وهذا الاحتمال يستحق اهتماماً أكبر بكثير، ليس فقط لفهم الماضي، ولكن لتخيل مستقبل سياسي أفريقي يتجاوز ظلال السلطوية والاستبداد.

الجدير بالذكر أن مركز علم الآثار الأفريقي في كلية كوينز يتعاون مع زملاء من المتاحف الوطنية في زيمبابوي، وجامعة أكسفورد، والمتحف الميداني، وجامعة ميدلاندز الحكومية، وجامعة زيمبابوي العظمى، بالإضافة إلى المجتمعات المحلية في مبيرنغوا.

المصدر

مقالات ذات صلة