القائمة الرئيسية

تاريخ المغرب الخفي: علم الآثار، والحمض النووي، والتأريخ بالكربون يعيدون كتابة قصة العالم القديم

تاريخ المغرب الخفي: علم الآثار، والحمض النووي، والتأريخ بالكربون يعيدون كتابة قصة العالم القديم
ملخص المقال

يوضح المقال أن الاكتشافات الأثرية الحديثة تعيد رسم تاريخ شمال غرب أفريقيا، وتكشف أن المغرب كان يضم مجتمعات زراعية مستقرة ومتطورة، ويمثل مركزاً للتبادل التجاري والتواصل الثقافي بين أفريقيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط قبل وصول الفينيقيين بقرون طويلة. وتستند هذه الرؤية إلى أدلة أثرية ووراثية تؤكد وجود مستوطنات كبيرة، وزراعة متقدمة، وشبكات تبادل عبر مضيق جبل طارق، إضافة إلى قدرة المجتمعات المحلية على استيعاب التأثيرات الخارجية وتكييفها مع تقاليدها الخاصة. ويخلص المقال إلى أن وصول الفينيقيين لم يكن بداية الحضارة في المغرب، بل مرحلة جديدة في تاريخ طويل من التنظيم الاجتماعي والابتكار والتفاعل الحضاري، بما يصحح النظرة التقليدية التي همّشت دور شمال غرب أفريقيا في تاريخ البحر الأبيض المتوسط القديم.

على مدى عقود، تمركزت القصص المروية عن منطقة البحر الأبيض المتوسط القديم حول الثقافات الكبرى لبلاد اليونان، وروما، وفينيقيا، ومصر، ونادراً ما كان شمال غرب أفريقيا يدخل في هذا المشهد قبل وصول التجار الفينيقيين إلى الساحل المغربي منذ حوالي ثلاثة آلاف عام، بيد أن علم الآثار يكشف الآن عن قصة مختلفة تماماً.

فقبل وقت طويل من إبحار أولى السفن الفينيقية القادمة من الشرق الأوسط الحالي في غرب البحر الأبيض المتوسط الواقع بين شمال أفريقيا وجنوب أوروبا حالياً، كانت هناك مجتمعات مستقرة في ما يُعرف اليوم بالمغرب تمارس الزراعة ورعي الحيوانات، كما كانوا يعبرون مضيق جبل طارق ويشاركون في التبادلات التجارية طويلة المدى.

خلال العقد الماضي، عملتُ في مشاريع أثرية في مختلف أنحاء المغرب، حيث كنا ننقب ونبحث في أصول الزراعة، والتبادل التجاري بعيد المدى، وظهور المجتمعات المعقدة هناك. وفي أحدث دراسة لي، جمعتُ بين الأدلة الأثرية، وتواريخ الكربون المشع، والبيانات الوراثية التي تغطي ما يقرب من ثلاثة آلاف عام.

وتكشف الدراسة أنه في الفترة الواقعة تقريباً بين عامي ثلاثة آلاف وثمانمئة وخمسمئة قبل الميلاد، وهي الفترة التي شهدت بناء نصب ستونهنج الشهير، وازدهار المملكة المصرية الحديثة، وصعود التجارة البحرية الفينيقية، لم يكن شمال غرب أفريقيا مجرد حدود هامشية، بل كان ملتقى طرق حيوياً يربط بين عوالم البحر الأبيض المتوسط، والمحيط الأطلسي، والصحراء الكبرى.

وهذا الأمر يحمل دلالات هامة للغاية لكيفية فهمنا لماضي القارة الأفريقية، فلزمن طويل جداً، قللت التفسيرات المتعلقة بتاريخ القارة من تعقيد مجتمعاتها وديناميكيتها، ومن خلال إعادة شمال غرب أفريقيا إلى قلب الصورة، يساهم علم الآثار في تصحيح ذلك الاختلال وإبراز واقع أكثر ثراءً وتشابكاً.

مركز لعوالم متعددة

تساعد الجغرافيا في تفسير السبب الذي جعل شمال غرب أفريقيا يحتل مثل هذا الموقع الاستراتيجي في عصر ما قبل التاريخ لمنطقة البحر الأبيض المتوسط، إذ يبلغ عرض مضيق جبل طارق الذي يفصل بين المغرب وإسبانيا الحاليتين حوالي أربعة عشر كيلومتراً فقط عند أضيق نقطة له، وهو ما جعله بمثابة ممر طبيعي يربط بين أفريقيا وأوروبا.

وبعيداً عن العزلة، كانت المجتمعات في شمال المغرب الحالي مندمجة في شبكات اتصال طويلة المدى لآلاف السنين، حيث حافظت على اتصالاتها مع شبه الجزيرة الأيبيرية والمناطق الأطلسية الأخرى، وتفاعلت مع سكان الصحراء الكبرى، وفي وقت لاحق، تواصلت مع تجار ومستوطني البحر الأبيض المتوسط.

ولم يكن هؤلاء السكان مجرد مشاركين سلبيين في هذه التبادلات، فالأدلة الأثرية تشير بشكل متزايد إلى أن المجتمعات المحلية شاركت بفاعلية في الشبكات التي ربطت غرب البحر الأبيض المتوسط.

المزارعون الأوائل والابتكار

كانت الزراعة حاضرة في شمال غرب أفريقيا منذ عام خمسة آلاف وأربعمئة قبل الميلاد على أقل تقدير، وذلك خلال العصر الحجري الحديث عندما كانت الزراعة تنتشر في أجزاء واسعة من غرب البحر الأبيض المتوسط.

وبحلول عام ثلاثة آلاف وثمانمئة قبل الميلاد تقريباً، كانت المجتمعات في ما يعرف الآن بالمغرب تمارس زراعة وتربية حيوانات مكثفة ومتطورة بشكل متزايد، ويعد موقع وادي بهت نموذجاً صارخاً على ذلك، ففي هذا المستوطن الكبير المفتوح في الهواء الطلق، زرع الناس المحاصيل، وربوا الماشية، وخزنوا فائض الغذاء في مئات الحفر الكبيرة تحت الأرض.

وتكشف التنقيبات الأخيرة أن هذا المكان لم يكن مجرد قرية زراعية صغيرة، فموقع وادي بهت الذي يمتد على مساحة تقارب عشرة هكتارات يعد من بين أكبر المستوطنات الزراعية المعروفة في أفريقيا في عصر ما قبل التاريخ، وربما كان هذا الموقع يعيل سكاناً يتجاوز عددهم ألف نسمة، مما يشير إلى مستوى من التنظيم نادراً ما جرى توثيقه في شمال غرب أفريقيا في ذلك العصر.

وقد تزامنت هذه التطورات مع تغيرات بيئية أوسع نطاقاً، بما في ذلك تحول الصحراء الكبرى تدريجياً إلى صحراء قاحلة، وربما شجع هذا الجفاف المجتمعات على الاستثمار بشكل أكبر في الزراعة وتخزين الأغذية والاستقرار طويل الأمد من أجل التكيف مع بيئة أقل استقراراً وقابلية للتنبؤ بها.

وفي الوقت نفسه، تظهر أدلة واضحة على التفاعل مع شبه الجزيرة الأيبيرية، وهي شبه الجزيرة التي تضم إسبانيا والبرتغال اليوم، حيث تشير أنماط الفخار الملون المشتركة، جنباً إلى جنب مع الأدوات المصنوعة من العاج وقشر بيض النعام، إلى وجود اتصالات منتظمة عبر مضيق جبل طارق، مما يؤكد أن هذه المجتمعات المحلية كانت بالفعل مشاركاً نشطاً في شبكات التبادل الأوسع.

فخار مطلي من وادي بهت

تأثيرات جديدة واستمرارية محلية

خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد، أصبح شمال غرب أفريقيا جزءاً من ظاهرة ثقافة الكؤوس الجرسية الأوسع نطاقاً، وتستمد هذه الثقافة اسمها من أواني الشرب المميزة ذات الشكل الجرسي والتي تظهر عبر شبكة من المجتمعات التي تمتد عبر أوروبا الأطلسية وغرب البحر الأبيض المتوسط.

وعاء زجاجي

ولعقود من الزمن، كان يُفسر وجود فخار ثقافة الكؤوس الجرسية في المنطقة كدليل على أن المجتمعات المحلية كانت تتبنى ببساطة الابتكارات الثقافية القادمة من أوروبا.

ومع ذلك، تتوفر في المغرب أدوات الكؤوس الجرسية جنباً إلى جنب مع التقاليد المحلية المتميزة، مما يشير إلى أن المجتمعات المحلية كانت دمج العناصر الجديدة بشكل انتقائي داخل أطرها الثقافية القائمة بالفعل.

لقد كان هذا بوضوح عملية تبادل وتكيف وإرادة محلية مستقلة.

العصر البرونزي الغامض

تظل الألفية الثانية قبل الميلاد واحدة من أقل الفترات فهماً في عصر ما قبل التاريخ في شمال غرب أفريقيا، ففي شبه الجزيرة الأيبيرية، تظهر مستوطنات كبيرة محصنة وتدرجات اجتماعية واضحة، بينما يبدو السجل الأثري في شمال غرب أفريقيا أكثر تشتتاً وتجزؤاً.

ورغم ذلك، توجد أدلة وإشارات هامة.

إذ تشير ممارسات الدفن مثل القبور الصندوقية المبنية من الحجر إلى حدوث تغيرات في التنظيم الاجتماعي، وفي مواقع مثل كش كوش، توجد أدلة على وجود مجتمعات زراعية مستقرة ذات منازل مستديرة ومرافق تخزين ورعي للحيوانات.

وهناك أيضاً علامات على استمرار الروابط طويلة المدى خلال هذه الفترة، وعلى سبيل المثال، فإن السيف البرونزي الذي تم استخراجه من قاع نهر في شمال المغرب له نظائر وثيقة تشبهه تماماً في الجزر البريطانية، مما يشير إلى وجود صلات تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من حدود البحر الأبيض المتوسط.

مصنوعات نحاسية من المغرب

مواجهات مع الفنيقيين

بحلول أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد، بدأ التجار والمستوطنون الفينيقيون القادمون من شرق البحر الأبيض المتوسط، من لبنان الحالي، في إنشاء مستوطنات على طول ساحل شمال أفريقيا، وتقليدياً، جرى تفسير ذلك على أنه عملية استعمار كان فيها السكان المحليون متلقين سلبيين لثقافة أكثر تقدماً.

لكن الأدلة الأثرية الحديثة تحدد هذا الطرح وتتحدى هذه الرؤية.

ففي مواقع مثل كش كوش، حافظت المجتمعات المحلية على تقاليدها المعمارية وأسلوب حياتها الخاص، واعتمدت بشكل انتقائي عناصر جديدة مثل الفخار المصنوع بواسطة العجلات وأدوات الحديد.

صورة جوية لمستوطنة كاش كوتش الواقعة على قمة تل في المغرب. حمزة بن عطية

ويشير موقع كش كوش وغيره من المستوطنات إلى أن هذه المجتمعات أدارت لقاءاتها مع المجموعات الوافدة بندية، ودمجت الأفكار الجديدة في تقاليدها الثقافية القائمة وفقاً لشروطها الخاصة ورؤيتها المستقلة.

وبناءً على ذلك، لم يكن وصول الفينيقيين بمثابة بداية ظهور المجتمعات المعقدة في المغرب، بل كان فصلاً جديداً في تاريخ أطول بكثير من التفاعل والتكيف والتبادل المشترك.

مقالات ذات صلة