لا يختلف اثنان على أن الإبداع هو شريان الحياة للابتكار في الشركات، إذ تعتمد المؤسسات على الموظفين ذوي الخيال الخصب لتحديث خطوط إنتاجها ومقاومة المنافسين. وتذهب الحكمة التقليدية إلى أنه كلما زاد عدد المبدعين في الفريق، جاءت مخرجاته أكثر ابتكاراً. ومع ذلك، فإن ""مغالطة الرفع إلى الحد الأقصى"" هذه تتغافل عن أمر أساسي، وهو أن الفرق ليست مجرد مجموع أجزائها، إذ تلعب الديناميكيات الاجتماعية، مثل الأنا، والأعراف السائدة، والتنافس المستمر، دوراً حاسماً في تحديد ما إذا كانت الأفكار النيرة ستزدهر أم ستموت في مهدها.
وقد سعى باحثون في كلية كامبريدج لِإدارة الأعمال إلى التوفيق بين وجهتي نظر متناقضتين، تُشيد الأولى بالأنماط المبدعة وتعتبرهم محركات للابتكار، بينما تحذر الثانية من أنهم قد يتعالون كالنخبة المغرورة التي تخرق القواعد، وتطالب بالموارد، وتزرع بذور الخلاف. فالعاملون في المجال الإبداعي يميلون بطبيعتهم إلى الاستكشاف الواسع وكسر القواعد، وهي سمات قد تشعل شرارة الاختراع، لكنها في الوقت نفسه تضعف التنسيق وتؤجج النزاعات.
رؤية دقيقة وتفصيلية
تقدم نتائج دراستهم صورة أكثر دقة، حيث يتبع الابتكار، المقاس من خلال تسجيلات براءات الاختراع، منحنى على شكل حرف يو مقلوب، وهذا يعني أن إضافة المبدعين تزيد من الإنتاجية ولكن حتى حد معين فقط، وما بعد ذلك الحد، فإن وجود عدد كبير جداً من صانعي الأفكار الذين يتنافسون على لفت الانتباه والحصول على الموارد يقوض قدرة الفريق على التنفيذ.
وتدرس الدراسة أيضاً كيف تساهم ممارسات الموارد البشرية في تشكيل هذا المنحنى. فالإدارة التشاركية، التي طالما حظيت بالإشادة لتمكينها الموظفين، يمكن أن تتسبب في ضبابية الحدود الوظيفية وتعقيد عملية التنسيق. وعندما يشعر الجميع بأن من حقهم فرض أفكارهم المفضلة، تزداد الصراعات على النفوذ والمساحات الشخصية. وفي المقابل، فإن الإدارة التشاركية المحدودة تحافظ على أدوار أكثر وضوحاً وسير عمل أكثر سلاسة.
أما تفاوت الأجور، وهو أداة شائعة أخرى لتحفيز الأداء، فليس بأفضل حالاً. ورغم أنه قد يذكي الطموح الفردي، إلا أنه يشجع الموظفين أيضاً على السعي وراء المجد الشخصي بدلاً من النجاح الجماعي، وهو نمط موثق جيداً في الرياضات الاحترافية، حيث تؤدي الرواتب المتفاوتة للغاية إلى زيادة الاستعراض الفردي وتقليل العمل الجماعي.
المزيج الصحيح
استند الباحثون إلى بيانات من كوريا الجنوبية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما كانت الشركات العملاقة مثل سامسونج وإل جي تخوض حرباً على المواهب قلبت معايير العمل القائمة على الأقدمية في البلاد. وباستخدام معلومات من اللجنة المؤسسية لرأس المال البشري، صنفوا العاملين إلى أربع فئات، وهي المبتكرون، والمدربون، والمنفذون المستقلون، والمنفذون التابعون، وقاموا بمطابقة تكوين الفرق مع نتائج براءات الاختراع عبر مئة وعشرين قسماً للبحث والتطوير يتكون كل منها من فريق واحد.
وتشير النتائج إلى خلاصة بسيطة، وهي أن التوازن، وليس التضخم، هو ما يضمن نجاح الفرق الإبداعية. وتزدهر الفرق عندما تكتمل مجموعة صانعي الأفكار بوجود أولئك الذين يتولون التنسيق والدعم والتنفيذ. إن حشد المبدعين في غرفة واحدة قد يرضي الغريزة الإدارية، ولكنه كفيل بإحداث الاحتكاك تماماً كاحتمالية تحقيقه لطفرات إبداعية.
ويحث المؤلفون المديرين الذين تغريهم الوصفات الشائعة للموارد البشرية على توخي الحذر، فالمزيد من الاستقلالية، والمزيد من المشاركة، والمزيد من الأجور المتفاوتة، ليس أي منها مفيداً بطبيعته، بل يمكن لكل منها أن يؤدي إلى نتائج عكسية عندما يُطبق على فرق تعج بالفعل بالمبتكرين أصحاب الآراء القوية. وفي العمل الإبداعي، تماماً كما هو الحال في الكيمياء، فإن المزيج الصحيح يفوق المكونات الخام أهمية.
