نعرف جميعاً تلك الحكمة القديمة التي تقول: ""بإمكانك أن تقود الحصان إلى الماء، ولكنك لن تستطيع أبداً أن تجبره على الشرب"". ولكن، ماذا لو ركزنا بدلاً من ذلك على مساعدته ليدرك أنه ظمآن في الأساس؟ إن هذه العبارة البسيطة تختزل الجوهر الحقيقي لعمق التأثير.
إننا نحيل الكثير من محاولاتنا في العلاقات والعمل إلى مساعٍ مستمرة للتحكم في سلوكيات الآخرين، سواء في أفعالهم، أو قراراتهم، أو موافقاتهم، وذلك عبر اقتيادهم قسراً إلى النقطة التي نريدهم أن يقفوا عندها. فنحن نوجه، ونقنع، ونحشد الحجج المنطقية والبيانات، رغبة منا في تقديم الإجابات الجاهزة والمضي قدماً. وبصفتنا قادة وموجهين، نميل غريزياً إلى توفير الحلول الفورية التي نعتقد أنها ستحل مشكلات موظفينا وعملائنا، غير أننا بهذا التركيز المفرط على تقديم ""الحل"" قد نفوت فرصة أثمن بكثير، وهي مساعدة الطرف الآخر على تشخيص ""المشكلة الحقيقية"" بنفسه.
لذا، ندعوكم لتأمل مقاربة مغايرة تماماً، وهي وضع كامل التركيز على مساعدة الآخرين في تحديد المشكلة التي تؤرقهم، أو تمكينهم من ابتكار الحلول بأنفسهم.
ماذا لو وجهنا اهتمام ذلك الحصان نحو حالته الداخلية؟ هل هو راضٍ تماماً عن وضعه الحالي؟ هل هناك أي فجوة تشعره بافتقاد الحيوية أو الراحة؟ بمجرد أن يصل الحصان، بناءً على قناعته الشخصية، إلى حقيقة أنه عطشان، يمكننا حينها فقط أن نرافقه في رحلة استكشافية لمعرفة كيف يمكنه حل هذه المشكلة.
وفي نهاية المطاف، سيكون أحد الحلول المنطقية هو أن يتبعنا بملء إرادته نحو نبع الماء. وهذا الأسلوب ينجح بامتياز لأن قرار التحرك نابع من داخله هو، لا من رغبتنا نحن، ولأن الخطوة بنيت على رؤيته واستبصاره الشخصي، وليس على إملاءاتنا. وتطبيق هذا الأمر مع العملاء الحاليين أو المحتملين يتطلب منا بعض التنقيب الذكي، من خلال طرح الأسئلة السليمة التي تقودهم لملامسة الجذور العميقة للمشكلات التي يشعرون بها، ومساعدتهم على إدراك مدى ظمئهم لبناء ثقافة تعلم مستمر، أو لتحسين نتائج أعمالهم، أو لتعزيز مرونة فرقهم وتكاملها.
محركات الدوافع البشرية وهرم الاحتياجات
لقد أُشبعت أبحاث ""قوة الإقناع"" دراسة وتحليلاً، وتنوعت بين مهارات البيع، والتفاوض، وبناء العلاقات، والدبلوماسية، وتتمحور كلها حول قدرة المرء على بناء اتصال حقيقي ومثمر مع الآخرين، ومن ثم توجيه مسارهم بلطف أو بوضوح. وإن تركيز الحوار حول كشف الاحتياجات غير الملباة يظل السبيل الأمثل للوصول إلى أرضية مشتركة تقر بضرورة وجود حل، لتنطلقوا معاً بعد ذلك في استكشاف الخيارات المتاحة.
ويتأثر الإنسان في دوافعه بثلاثة محركات أساسية وهي: الاستقلالية، والإتقان، والارتباط بالواقع. وتعتبر فكرة امتلاكنا للقدرة على اتخاذ قراراتنا بأنفسنا حافزاً بشرياً بالغ القوة.
وقد رسخ العالم ""ماسلو"" هذا المفهوم في هرمه الشهير للاحتياجات البشرية، حيث أثبتت الدراسات أنه بمجرد تلبية احتياجاتنا الأساسية، من مأكل وأمان وانتماء، تتوق نفوسنا تلقائياً نحو تحقيق القبول الاجتماعي، واكتساب التقدير والاحترام، ومن ثم السعي الحثيث نحو ""تحقيق الذات"".
وفي كتاب ""عقلك في العمل""، يستعرض الباحث ديفيد روك دراسات علمية تظهر بوضوح حجم النشاط الهائل الذي يحدث في قشرة الدماغ عندما يشعر الإنسان بامتلاكه لرفاهية الاختيار، وهو سلوك يختلف تماماً عن حالة الخمول والاستسلام التي تصيب الدماغ عندما تُسلب منه الخيارات. وتؤكد الأبحاث التي أُجريت على مختلف الكائنات، وصولاً إلى الإنسان، أن هناك حاجة فطرية متأصلة للشعور بوجود بدائل. وبدون هذا الشعور، يقع المرء في فخ اللامبالاة والإحباط، بل قد يعرض سلامته الشخصية للخطر. وإذا استعرنا تشبيه الخيول مجدداً، فإن العناد يظهر بوضوح عندما يشعر الكائن أنه يُقاد بلا إرادة.
كيف تمارس التأثير بذكاء؟
لكي تمارس التأثير بفاعلية واحترافية، من الأهمية بمكان أن يوقن الطرف الآخر تماماً بأن قرار التحرك والعمل هو ملكه وحده، وأنه يمتلك كامل الحرية في الاختيار. وهنا تبرز قيمتك الحقيقية في قدرتك على تلخيص وتصفية تلك الخيارات أمام الآخرين، لتسهل عليهم التحرك نحو الحل، بدلاً من تركهم يعانون من التشتت والجمود الناتجين عن تضخم البدائل وتزاحمها.
إن إحدى أنجع الطرق للتأثير في الآخرين، سواء في بيئة العمل أو في محيط الأسرة، هي تمكينهم من الوصول إلى استبصاراتهم ورؤاهم الخاصة عندما يواجهون هدفاً أو تحدياً أو معضلة ما. ويمكننا بالتأكيد تقديم النصح، أو التوجيه، أو الإرشاد، عندما يتطلب الأمر خبرة تخصصية محددة.
ومع ذلك، فإن اللحظات الأكثر عمقاً وتأثيراً في العلاقات الإنسانية تحدث عندما تقود الطرف الآخر في رحلة استكشافية ذاتية يبحث فيها عن احتياجاته، ورغباته، والعقبات التي تعترض طريقه.
إن القوة الكامنة في هذه العملية، وما تمخضت عنه من نتائج وخطوات عملية يلتزم بها الشخص بمحض إرادته، تفوق بكثير التأثير السطحي لأي دليل إرشادي تقليدي جاهز للنجاح. فهذا الأسلوب ينمي روح المسؤولية تجاه الاختيارات الشخصية، ويرفع بشكل كبير من فرص تحقيق نتائج مبهرة ومستدامة.
في المرة القادمة التي يتملكك فيها الإحباط من عميل، أو موظف، أو شريك حياة، أو طفل، أو زميل، وتجد في نفسك رغبة عارمة في إملائه ما يجب عليه فعله لإصلاح الأمور، تذكر دائماً قصة الحصان. ساعده أولاً على اكتشاف ظمئه، ومدى حاجته لارتشاف الماء، وسترى كيف سيتبعك طواعية وبكل شغف، بل ربما يقودك هو وإياك إلى واحة أجمل وأغنى، لم تكن مكتشفة بعد.
