إن القدرة على إدارة طاقتك الحيوية بذكاء، والموازنة الدقيقة بين طموحك الجامح وحاجتك الفطرية للراحة، هي الضمانة الوحيدة لنجاحك واستمرارك على المدى الطويل.
لقد عادت ثقافة العمل الشاق والإنتاجية المفرطة لتهيمن على الأجواء من جديد، إذا ما أخذنا بآراء بعض المهووسين بالإنجازات الصارخة. ويبدو أن تلك التهدئة المؤقتة التي فرضتها أيام الوباء، وما رافقها من اهتمام بالصحة النفسية والجسدية ومرونة الأوقات، لم تكن سوى سراب عابر وانقضى. ونرى اليوم قطاعاً واسعاً من العاملين في الشركات الناشئة يرزحون تحت وطأة نظام عمل قاسٍ يمتد من التاسعة صباحاً حتى التاسعة مساءً وطوال ستة أيام في الأسبوع، بل ويتفاخر بعض المدراء بأنهم يكتفون بأربع ساعات فقط من النوم يومياً.
ومع تنامي هذه الثقافة التي تدفع الناس للنوم تحت مكاتبهم، أصبح الكثير منا يشعر بضغط شديد لمجاراة أشخاص يتحركون دائماً بأقصى سرعتهم ولا يعرفون كبح جماح أنفسهم. وما يزيد الطين بلة أننا نعيش في مجتمع يفتقر إلى النماذج والقدوات التي تحسن التراجع المدروس عند الحاجة، وكما قال لي أحد مستشاري التطوير المهني ذات يوم، نحن لم نتعلم أبداً كيف نوازن مجهودنا، ولم نجد في مدارسنا صفاً دراسياً يعلمنا هذا الفن.
غير أن رياضيي النخبة وخبراء التحمل يدركون جيداً أن استنزاف طاقتك بنسبة مئة وعشرة بالمئة دون أخذ قسط من الراحة، يقودك حتماً إلى انهيار حاد قد يستغرق التعافي منه أشهراً أو ربما سنوات. لذا فإن الخيار الأكثر صحة والأذكى على المدى البعيد هو أن تدير مخزون طاقتك بوعي ويقظة، بحيث تنتبه للمؤشرات التي تخبرك بأنك تقترب من حافة الاحتراق المهني، فتهدئ من روعك وتبطئ سرعتك قبل أن تسقط في الهاوية.
يتناول كتابي ""فن تنظيم الجهد"" السبل العملية للتراجع المدروس والتدريجي في شتى ميادين الحياة، سواء في وظيفتك، أو في نشاطك الرقمي، أو في خدماتك المجتمعية. وإن موازنة جهدك على هذا النحو لا تعني أبداً الزهد في طموحاتك أو التخلي عما تهتم به، بل إن الأمر على النقيض من ذلك تماماً. فمن خلال تبني إيقاع حياة مستدام، ستضمن قدرتك على العطاء وتقديم مساهمات قيمة لمجتمعك وللعالم من حولك على مدى العمر كله. وفيما يلي خمس استراتيجيات يومية تعينك على تحقيق هذا التوازن المنشود.
أولاً: تبسيط الرواية الشخصية وإعادة صياغتها
لكي تتبنى إيقاعاً متوازناً يجمع بين العطاء والراحة، ينبغي لك أولاً أن تفهم بوضوح أين تقف الآن وما هي وجهتك النهائية. وحين تلتفت إلى الخيط السردي الذي يربط أحداث حياتك، ستتضح الرؤية أمامك لتتعرف على الأشياء التي أضفت قيمة حقيقية على مسيرتك، وتحدد أهدافك الأسمى بدقة.
وفي هذا السياق، يذكر بن روجرز، أستاذ الإدارة في كلية بوسطن، أن القصص والحكايا التي نرويها لأنفسهم وللآخرين هي إحدى الأدوات الأساسية التي نكتشف من خلالها معنى حياتنا ونصنعه بأنفسنا.
وقد ابتكر روجرز تمريناً يسمى ""إعادة صياغة الحكاية"" لتسهيل هذه العملية وتعميقها. ويعتمد هذا التمرين على سبعة أسئلة مستوحاة من البنية الكلاسيكية لقصص ""رحلة البطل""، حيث يقودك للتأمل في غاياتك الكبرى، والدوافع التي جعلتك تسعى وراءها، والعقبات التي اعترضت طريقك، وصولاً إلى الأثر الطييب أو الإرث الذي تطمح لتركه في مجتمعك. ويمكن لأي شخص تجربة هذا التمرين دون مقابل. وقد أظهرت دراسات روجرز أن الأشخاص الذين خاضوا هذه التجربة وجدوا في حياتهم معنى أعمق وقيمة أكبر مما كانوا يشعرون به في السابق.
إن إعادة صياغة قصتك الشخصية تدفعك للتركيز المكثف على الغايات والاهتمامات التي تمنحك شعوراً بالوجود والغاية، وعندئذ ستتحول مهامك اليومية من أعباء تستهلك طاقتك إلى مصادر تلهمك وتشحن همتك. كما تتيح لك هذه العملية التخلص من الالتزامات والوعود التي لا تتوافق مع قيمك وأهدافك الجوهرية، مما يمنحك مساحات أرحب للراحة واستعادة الحيوية.
ثانياً: اتقان مهارة ضبط النغمة التنفسية
تعتمد هذه الممارسة على أبحاث علمية رصينة في كيفية التنفس، وتتيح لك نقل جسدك وعقلك إلى حالة من الصفاء والتركيز الشديدين. ويقوم مبدأ ""ضبط النغمة""، على التنفس بإيقاع خاص يناسب طبيعتك الحيوية وحدها، وهو الإيقاع الذي يصل فيه معدل ضربات قلبك إلى أقصى تسارع له مع الشهيق، وإلى أقصى تباطؤ له مع الزفير. وهذا التناغم يخلق تبايناً صحياً في معدل ضربات القلب، مما يمنح جهازك العصبي هدوءاً ومرونة فائقة.
ولكي تبدأ في تطبيق هذه الممارسة، يمكنك تحديد إيقاع التنفس الرنيني الخاص بك عبر الاستعانة بتطبيقات متخصصة مثل ""إيليت إتش آر في""، أو بمتابعة مقاطع الفيديو الموزونة على منصة يوتيوب لتقف على السرعة التي تجد فيها راحتك الكاملة. ويلاحظ أن وتيرة التنفس لدى معظم البشر تتراوح بين أربعة وستة أنفاس في الدقيقة الواحدة. وبمجرد أن تكتشف إيقاعك المثالي، واظب على التنفس وفقاً له لبضع دقائق يومياً، أو كلما شعرت بتوتر أو تشتت. ومع مرور الأيام، ستعتاد على هذا الإيقاع وتتنفس به تلقائياً دون الحاجة إلى أي مؤشر خارجي.
لقد تعلمت هذه الطريقة على يد الطبيب النفسي والباحث جوزيف أربايا، الذي دأب على تعليمها لمرضاه الذين يعانون من وطأة الضغوط لسنوات طوال. وفي يوم لقائي الأول به، قام أربايا بتركيب جهاز لقياس نبضات القلب في إصبعي، وطلب مني التنفس وفقاً لإيقاعي الرنيني الخاص، والذي كان يعادل خمسة أنفاس ونصف النفس في الدقيقة، واستمررت على ذلك لنحو خمس دقائق. وخلال تلك الدقائق، راقبت كيف تحول منحنى ضربات قلبي الحاد والمنفعل إلى موجات منسابة وناعمة، مما دل على استرخاء جهازي العصبي بالكامل. وحينها علق أربايا قائلاً إن أعتى المهدئات الطبية التي تعطى عبر الوريد لم تكن لتهدئ من روعك بهذه السرعة الفائقة.
وإلى جانب فوائدها اللحظية المباشرة، فإن هذه التقنية تؤهلك لاتخاذ قرارات رصينة ومدروسة تدعم تنظيم جهدك على المدى البعيد. فالعقل والجسد حين يكونان في حالة من السكينة، يصبح المرء أبعد ما يكون عن إطلاق الكلمات الطائشة التي قد تعصف بعلاقاته، أو اتخاذ قرارات متهورة يندم عليها لاحقاً، وبذلك تجنب نفسك عناء تدارك الأخطاء وإصلاح ما أفسدته لحظات الغضب والانفعال.
ثالثاً: إدارة الطاقة لا إدارة الوقت
تلقى فكرة إدارة الوقت رواجاً هائلاً في أوساط المؤثرين وصناع المحتوى، حيث ينصحونك بتوزيع ساعات يومك بالكامل في كتل زمنية صارمة مدتها ثلاثون أو ستون دقيقة. ورغم أن هذا الأسلوب قد يمنحك شعوراً وهمياً بالسيطرة على مجريات يومك أو أسبوعك، إلا أنه يظل هشاً وسريع الانهيار أمام أي طارئ. فمجرد حدوث أمر لم يكن في الحسبان، كظرف عائلي مفاجئ أو اجتماع امتد وراء وقته المحدد، سيهدم هذا البناء بأكمله، ويجبرك على إعادة ترتيب جدولك المعقد من جديد، وهي عملية مستنزفة للوقت والجهد وتجلب الكثير من الضيق والإحباط.
في المقابل، تبدو استراتيجية ""إدارة الطاقة"" التي يتبعها كبار الرياضيين أكثر مرونة وعملية وجدوى من إدارة الوقت، إذ تقوم على فكرة تنظيم جدولك اليومي تماشياً مع تقلبات طاقتك الطبيعية بين الصعود والهبوط. وعلى سبيل المثال، حين تستعد عداءة المسافات المتوسطة الشهيرة أجي ويلسون لخوض منافسة كبرى، فإنها تحرص على جدولة تدريبها الأساسي والشرس ليتوافق مع ذروة نشاطها البدني، والذي يمتد عادة من منتصف الصباح وحتى ظهيرة اليوم. وعقب انتهاء التدريب، تلجأ إلى أخذ قيلولة طويلة لتتيح لجسدها فرصة التعافي والبناء بعد المجهود العنيف.
ولكي تستثمر فترات نشاطك العالي بالشكل الأمثل، تأمل في ساعات يومك لتتعرف على الأوقات التي تكون فيها في قمة حضورك الذهني وتركيزك، سواء كان ذلك في البكور، أو في أواخر الظهيرة، أو خلال سكون الليل. ومن ثم، اجعل هذه الفترات مخصصة لإنجاز مهامك المعقدة والتي تتطلب عمقاً فكرياً. ولا حاجة هنا لتأطير الأمور بالدقائق، إذ لا يهم متى تبدأ بدقة، بقدر ما يهم أن يتزامن انغماسك في العمل مع ذروة حماسك وطاقتك.
أما في فترات الخمول الطبيعية، والتي يشعر بها أغلب الناس بعد تناول وجبة الغداء مثلاً، فمن الذكاء أن تأخذ قسطاً من الراحة، أو تلتفت إلى الأعمال الروتينية الخفيفة التي لا تتطلب مجهوداً ذهنياً كبيراً، مثل ملء البيانات وتعبئة الاستمارات أو الرد على الرسائل المتراكمة. ومن خلال مجاراة هذه التقلبات الطبيعية في جسدك بدلاً من مصادمتها، ستسير نحو أهدافك بخطى ثابتة وملموسة دون أن تشعر بالإنهاك الشديد وكأنك تدفع شاحنة ثقيلة صعوداً نحو قمة جبل.
رابعاً: إيقاد الشموع العابرة في دروب الآخرين
يسيطر علينا ظن دائم بأن العطاء المجتمعي والإنتاجية الإيجابية التي تمنحنا السلام الداخلي يتطلبان بالضرورة تفرغاً تاماً وبذل أوقات طويلة وجهوداً مضنية. بيد أن الحقيقة تؤكد أن بعض اللقاءات والمواقف الخاطفة والمتوهجة، والتي أحب أن أسميها ""الشموع العابرة""، لا تستغرق سوى بضع دقائق معدودات، لكنها تترك أثراً بالغ العمق والإنتاجية في النفوس. ونظراً لأن مفعول هذه اللحظات يدوم طويلاً ويفوق زمنها بكثير، فإنها تمنحك فرصة ذهبية لترك بصمة حقيقية في الحياة دون أن تستنزف طاقاتك.
وقد تأخذ هذه الشموع العابرة طابعاً درامياً مؤثراً، كأن تتدخل في الوقت المناسب لتهدئة شخص غاضب وثائر وإقناعه بالتراجع عن حماقة وشيكة. لكنها في الأعم الأغلب تتجسد في لحظات من الإنصات التام والاهتمام الصادق الذي يزين معاملاتنا اليومية البسيطة، مثل توجيه كلمات تشجيعية حاسمة ترفع بها معنويات متدرب متعثر يمر بفترة إحباط، أو إسداء نصيحة مخلصة في وقتها ترسم لإنسان مساراً جديداً يغير مجرى حياته بالكامل. إن أصداء هذه اللقاءات العابرة قد تظل تتردد في حياة أصحابها لعقود طويلة.
ويمارس البعض ما يعرف بالإنصات الواعي، وهو استجماع الحواس والتركيز الكامل مع الطرف الآخر في المحيط، ولو كان ذلك للحظات وجيزة. وإشعال الشموع العابرة يتطلب هذا المستوى من الوعي وحسن الاستماع، وتلك العطايا المعنوية تتضاعف قيمتها بمرور الأيام، لتعود بالخير والبهجة على المتلقي وعلى من مرر الشعلة على حد سواء.
وعندما تنجح في إيقاد شمعة عابرة، تريث قليلاً وتأمل في روعة تلك التجربة. ما هو شعورك وأنت تعيد إحياء شغف أو أمل خمد في روح إنسان وكاد ينسى وجوده؟ أو وأنت تجنب أحداً كارثة محققة لولا تدخل لطيف منك؟ إن استشعار هذا الخير وتذوقه بوعي وعمد، كما يصفه عالم النفس ريك هانسن، يهيئ عقلك ونفسك لتكرار هذه المواقف النبيلة وجعلها ديدناً لك في حياتك اليومية.
خامساً: تلمس الخيار الحكيم في اللحظة الراهنة
حين قررت في البداية أن أوازن مجهودي بشكل أكثر وعياً، رحت أفكر في الشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا التنظيم عبر الآماد المختلفة، سواء على مستوى اليوم، أو الشهر، أو السنة كاملة. وتمثلت لنفسي وأنا أضع خططاً استراتيجية بالغة التعقيد، تشبه تلك الجداول الدقيقة التي يصيغها الرياضيون لتنظيم مواسم تدريبهم الشاقة.
لكن التجربة العملية علمتني حقيقة أخرى، وهي أنه عندما يداهمني شعور بالإنهاك والإرهاق اليومي المعتاد، فإن كل تلك الخطط طويلة المدى تتبخر وتتراجع إلى الخلف. وفي مثل تلك اللحظات الحرجة، بدلاً من إرهاق عقلي بالتفكير في مستقبل بعيد، أكتفي بطرح سؤال واحد بسيط ومباشر على نفسي: ما هو الخيار الحكيم والذكي الذي يمليه علي واقعي الآن؟
هذه المقاربة الذكية تعلمتها من المدربة المتخصصة في علم النفس الرياضي آيمي بالتزيل. وتكمن روعة هذه الاستراتيجية في ملاءمتها التامة للحظات الضغط والازدحام، إذ تجبرك على حصر تفكيرك في أمرين لا ثالث لهما: ما الذي تحتاجه بشكل واقعي في هذه اللحظة بالذات، وما هي أفضل طريقة لتلبية هذه الحاجة؟ فإذا مررت بأزمة طارئة وغير متوقعة، هل الحكمة تقتضي أن تأخذ إجازة كاملة ليوم واحد، أم أنك بحاجة للاجتماع برئيسك ومناقشته قبل رسم خطوتك التالية؟ إن الاهتداء إلى الخيار الحكيم في وقته وتطبيقه على أرض الواقع، سينتقل بك بسلاسة وثقة إلى الخيار الحكيم الذي يليه، ثم الذي يليه، لتجد نفسك في النهاية تسير وفق إيقاع متوازن، مرن، ومستجيب لمتغيرات الحياة دون عناء.
