كانت الساعة قد بلغت منتصف الليل، وكان ابني ""زيد"" البالغ من العمر ثلاثة أشهر يجهش بالبكاء في مهده. كنت أهزه برفق لعل النوم يغلبه، وأنا أغني له أغانٍ رقيقة متوسلاً أن يهدئ روعه الصغير. وفي تمام الساعة الثانية صباحاً، استسلم أخيراً للنوم، فارتميت بجسدي فوق الفراش من فرط التعب غائباً عن الوعي.
لم تمضِ ساعتان حتى استيقظت على صراخه مجدداً. كان هذه المرة يركل بقدميه الصغيرتين كأنه يحاول فكهما من أسر منامته ذات الجوارب المتصلة. عقدت حاجبيَّ بتركيز، وأحضرت مقصاً وقصصت أطراف المنامة بحذر، وفي لمح البصر، وعاد ""زيد"" إلى نومه الهادئ وكأن سحراً قد حل به. اليوم، يبلغ ""زيد"" من العمر أربعة وثلاثين عاماً.
أما طفلنا الأوسط ""دوري"" فيبلغ الآن ثلاثين عاماً. حين كان في الخامسة من عمره، أخذناه وأخاه في رحلة إلى عالم ديزني. ولأنه كان يرفض السير كلما نال منه التعب، كنت أحمله على كتفي لساعات طوال كل يوم. كان طفلاً ممتلئ البنية، حتى إنني عدت من تلك الرحلة وأنا أشعر بأن ذراعيَّ قد انفصلتا عن جسدي.
أما صغيرتي ""ديلمي"" التي تبلغ الآن ستة وعشرين ربيعاً، فكانت تعشق طقساً خاصاً قبل النوم، إذ كنت أرسم بإبهامي دوائر ناعمة على جبهتها، فتقول لي وهي تغط في النوم بصوت هامس: ""كيف ينجح هذا الأمر؟""
القاسم المشترك بين هذه الحكايات هو كيف أعادت الأبوة تشكيل خلايا دماغي بالكامل.
فوفقاً لمقال نُشر في مجلة ""سيرتيفيك أمريكان"" عام ألفين واثنين وعشرين، تبين أن الأبوة تحفز عملية ""إعادة صياغة"" هيكلية ووظيفية كبرى في دماغ الرجل، تماثل تماماً ما يحدث لدى الأمهات، وذلك لتهيئته لمهام الرعاية والارتباط العاطفي. إذ يظهر الآباء الجدد تغيرات ملحوظة في المادة الرمادية بالدماغ في المناطق المسؤولة عن التحفيز، والتعاطف، وتنظيم الانفعالات، لا سيما عندما ينخرطون بفعالية في رعاية أطفالهم.
فعندما كان ""زيد"" يبكي طوال الليل شعوراً بالضيق في قدميه، استثيرت غريزتي لحل المعضلة وقص جوارب منامته. وعندما رفض ""دوري"" المشي تعباً في ديزني لاند، منحني التعاطف المتزايد في دماغي طاقة مكّنتني من حمل جسده الذي يزن أربعين رطلاً دون تذمر. وعندما كانت ""ديلمي"" تستسلم للنوم وأنا أمسح جبهتها برفق، ساعدني تنظيم انفعالاتي على تحويل تلك اللحظات إلى طقس مفعم بالحب والسكينة.
لطالما تملكني العجب من هذا الحب الجارف الذي أكنه لأبنائي. فطوال مراحل دراستهم، من الابتدائية حتى الثانوية، كانوا يعودون إلى البيت برفقة أصدقائهم، فكنت أسارع إليهم وأمسك وجناتهم وأغمرهم بقبلات تبدو لهم كأنها لن تنتهي أبداً. كان أصدقاؤهم يرمقونني بعيون شاخصة متسائلين بذهول: ""ماذا يفعل والدكم؟"" فيجيب أبنائي باعتياد وهدوء وهم ينتظرون انقضاء هذه النوبة: ""سينتهي بعد دقيقة واحدة"".
وتشير دراسة أخرى نُشرت عام ألفين واثنين وعشرين في مجلة ""ديفيلوبمنتال بسايكوبايولوجي"" إلى أن قدوم أطفالي إلى الدنيا رفع مستويات هرمون الأوكسيتوسين في دماغي، وهو المعروف بـ ""هرمون الحب""، مما يؤكد حدوث تحول في الغدد الصم العصبية يصاحب الانتقال إلى مرحلة الأبوة.
والأوكسيتوسين لدى البشر هو الهرمون المسؤول عن الارتباط والترابط الاجتماعي؛ وهو لا يصنع الحب تلقائياً، لكن زيادته خلال مرحلة الأبوة تتوافق مع الأبحاث التي تظهر تغيرات في الأنظمة العصبية والهرمونية التي تدعم الارتباط الوجداني، وتقديم الرعاية، والتناغم العاطفي مع الصغار.
إن كوني أباً لثلاثة أبناء رائعين وناجحين علمني المعنى الحقيقي للحب غير المشروط، ذلك الحب الفريد الذي لا يشبهه شيء، والنابع من تلك المساحة المقدسة المخصصة للتضحيات العظمى. إنه حب حي نابض يشبه نهراً جارفاً تضرب أمواجه الضفاف، بينما تعكس ظلال الأشجار رقصات لطيفة مع نسمات الهواء.
هل صرت إنساناً أفضل منذ أن أصبحت أباً؟ أومن تماماً بأنني صرت كذلك. فأبنائي الثلاثة يعنون لي أكثر من الحياة ذاتها، وليس هناك شيء في هذا الكون يمكن أن يعجزني عن فعله لأجلهم، والأجمل من ذلك كله أنهم يدركون هذه الحقيقة ولا يرتضون بها بديلاً.
إن الأبوة لا تحول الرجل إلى خبير مثالي في إدارة العواطف بين عشية وضحاها، لكنها تفسر لنا لمَ لمْ تعد تهويدات الهزيع الأخير من الليل ومحاولات التهدئة المتكررة عبئاً ثقيلاً، بل غدت سلوكاً فطرياً ينبع من أعماقنا، حيث يتعلم الدماغ ويتكيف في صمت.
وهذا ما تبدو عليه إعادة صياغة الدماغ من وجهة نظري الشخصية (ومع إبرازي للجوانب المضيئة لتجربتي، فمن الطبيعي أنني واجهت صعوبات وعثرات كأي أب آخر):
أولاً: التعاطف
لم تكن صفتا التعاطف والأناة يوماً من مزاياي الشخصية، لكنني أُجبرت على تعلمهما واكتسابهما مع الأبوة. ولعل ليالي السهر الطويلة خير شاهد على ذلك؛ فالأعمار بين أبنائي تفصل بينها أربع سنوات، مما يعني اثني عشر عاماً متواصلة من الحرمان من النوم الهانئ، لكنها كانت تضحية تستحق العناء. ويوضح العلم هذا التحول؛ فالآباء المنخرطون في الرعاية يشهدون انخفاضاً في مستويات هرمون التستوستيرون، وهو ما يرتبط بزيادة الصبر والحساسية في التعامل مع الصغار. وتتلاقى هذه التغيرات الهرمونية مع تحولات أوسع في الشبكات الدماغية المعنية بالاهتمام البالغ بحال الآخرين ومشاعره ومواساتهم.
ثانياً: الموروث والتقاليد
حين كنت صغيراً، كنت ألوذ بالفرار من حزم أمي لأختبئ داخل ""عباءة"" والدي المصنوعة من وبر الجمال. ودار الزمان دورته ليختبئ أطفالي في عباءتي أنا الآخرين. ومن طقوسنا الجميلة أيضاً ""الكتب الخيالية""، حيث كنت أؤلف لهم حكايات من مخيلتي مستخدماً كفي المفتوحة كأنها كتاب يقرؤون منه. وكلما أيقظتهم صباحاً، كنت أسألهم مداعباً: ""هل ذهبتم إلى القمر البارحة؟"" وفي معظم الأوقات كانوا يجيبون بالأنف، لكنهم في أوقات أخرى كانوا يبتسمون ابتسامة عريضة ويقولون: ""نعم، ذهبنا"". كلي ثقة بأنهم سينقلون هذه العادات العذبة إلى أطفالهم مستقبلاً. وثمة شق بيولوجي يفسر هذا؛ إذ تفيد الأبحاث بأن الأبوة تغير مستويات الهرمونات كالتستوستيرون والأوكسيتوسين، وتصقل شبكات الدماغ المرتبطة بوظائف التعاطف والتحكم العاطفي، واضعة الحجر الأساس لترسيخ الروابط وصناعة طقوس عائلية دافئة.
ثالثاً: الذكاء العاطفي
تشير الأبحاث غالباً إلى أن النساء، في المتوسط، يظهرن استجابة وتناغماً أعلى مع الإشارات العاطفية بفعل الطبيعة البيولوجية والتنشئة الاجتماعية، مما يسهل عليهن فهم تقلبات العلاقات لا سيما في لحظات التوتر أو التحول. وهنا يأتي دور الأبوة لترتقي بالرجل، إذ تدفع دماغه نحو حساب الانفعالات وفهمها لحظة بلحظة. وتظهر الدراسات التي أجريت على الآباء الجدد تغيرات في مناطق الدماغ المعنية بإدراك الحالة العاطفية للآخر والاستجابة لها بما يناسبها. هذا التحول لا يجعل منا خبراء معصومين، لكنه ينمي قدرتنا على الالتفات والاحتواء بدلاً من التغاضي والانسحاب.
رابعاً: اللين والرفق
علمتني الأبوة كيف أكون حازماً دون أن أفقد حناني ودفئي؛ فحين كان أطفالي يتجاوزون الحدود، كان الحزم التربوي العاقل جزءاً من مسؤوليتي، لكنني أدركت مبكراً ضرورة أن يغلفه الرفق. ومع تقدمهم في السن، تحول التقويم والتوجيه إلى حوار دافئ وجلسات مصارحة تلتقي فيها العيون وتصغي فيها القلوب بلا مشتتات. ومع الوقت، استوعبت ما يؤكده العلم اليوم؛ فالأبوة ترتبط بتغيرات في مناطق الدماغ المسؤولة عن الانتباه والرعاية. وتوضح الأبحاث أن هذه التحولات، خاصة لدى الآباء الأكثر انخراطاً في الرعاية المباشرة، تساعدهم على فهم إشارات أطفالهم وتفسيرها، مما يمنح الأب قدرة أكبر على الموازنة بين وضع الحدود وتوثيق الروابط عند التعامل مع الأبناء.
خامساً: الصداقة
مع كبر الأبناء، حدث تحول نوعي في علاقتنا؛ إذ لم نعد مجرد أب وأبنائه، بل صرنا أصدقاء مقربين يتبادلون الدعم والمشورة. لم أكن الأب الأكثر شهرة بأي حال، لكن منزلي كان دائماً قبلة لأصدقاء أبنائي، يتجمعون فيه، ويتبادلون الأحاديث والضحكات، حتى استحال بيتنا مكاناً مفتوحاً تصفو فيه الأوقات، حتى في سنوات مراهقتهم الصعبة. إن أجمل اللحظات وأعذبها في حياة الأب هي تلك التي يبدأ فيها أبناؤه المراهقون بطرح أسئلة عميقة عليه، ليس من باب الواجب، بل طلباً للنصح والارشاد، وهو أمر استمر وتوثق بعد أن غدوا بالغين. ومن الناحية العلمية، تعكس هذه التحولات في العلاقات كيفية تطور الروابط البشرية عبر الزمن؛ فنحن لم نُخلق لنبقى حبيسي أدوار جامدة ومحدودة، بل لنصنع ارتباطات وثيقة تتشكل وتتكامل مع تغير مراحل الحياة. وتؤكد الأبحاث حول علاقة الآباء بأبنائهم البالغين أنه كلما نضج الأبناء، أصبحت الروابط أكثر توازناً وتبادلاً، واتسمت بتناغم عاطفي أعمق.
سادساً: سعة الأفق والنظرة الشاملة
في مرحلة المراهقة، يقدم الأبناء على تصرفات تصيبك بالذهول وتجبرك على التوقف ملياً، كأن يحصل أحدهم على وشْم صنعه له صديقه باستخدام فرشاة أسنان كهربائية، أو أن يتأخر آخر عن المنزل متجاوزاً الموعد المحدد ليتنهي به المطاف في غرفة الطوارئ بالمستشفى بعد ليلة طائشة. كل هذه الحوادث عشتها بنفسي. لكن في نهاية المطاف، كبر أبنائي وأصبحوا أشخاصاً منتجين ومستقرين في حياتهم، وخلال تلك الرحلة تعلمت كيف أهون على نفسي وأتجاوز عن الأمور، فبالنهاية، أنا أيضاً مررت بهذه المرحلة يوماً ما. وما يثبته العلم الآن هو أن تقديم الرعاية يرتبط بتغيرات في أنظمة الدماغ المعنية بالاستجابة الاجتماعية. وهذه التحولات التي تصقلها التجربة والمشاركة الفعلية تزيد من حساسية الأب تجاه الإشارات الاجتماعية والعاطفية بمرور الوقت، وبذلك يتعلم الدماغ الذي شكلته الأبوة كيف يلاحظ الإشارات العابرة اللطيفة والمحيط العاطفي الأشمل الذي تدور فيه الأحداث.
والآن، نأتي إلى السمة الأكثر أهمية على الإطلاق:
سابعاً: الحب والعطاء
أظهر الحب، وعبر عنه، وقدمه بلا حساب. ففي هذا العطاء الغامر والمجرد للاهتمام والرعاية، يتراكم في النفوس شيء ثمين ينبني في صمت. يصف إطار ""الإرسال والاستقبال"" الصادر عن مركز تطوير الطفل بجامعة هارفارد كيف تسهم التفاعلات المتبادلة بين الأب والطفل في بناء وتشكيل دماغ الصغير النامي؛ فكل لحظة تناغم وكل استجابة لإشارات الطفل تقوي الأنظمة العصبية المعنية بتنظيم العواطف، والانتباه، والتواصل.
وهذه العملية بالنسبة للآباء ليست طريقاً ذو اتجاه واحد؛ فهذه الأفعال المتكررة من الرعاية تعيد تشكيل مقدم الرعاية نفسه بمرور الوقت، إذ يرتبط الانخراط الدائم في عالم الطفل العاطفي بتغيرات في أنظمة الدماغ المسؤولة عن التناغم الوجداني، والإدراك الاجتماعي، والتحكم في المشاعر؛ فيتعلم الأب كيف يقرأ الإشارات بدقة أكبر، ويستجيب بثبات ورسوخ، ويظل حاضراً بكيانه في حياة أبنائه.
وعندما يتدفق الحب بلا قيود ويُمارس يوماً بعد يوم، ينطبع في الأنماط العصبية التي يتعلم من خلالها الطفل والأب مفهوم الارتباط والتعلق ذاته.
ويبقى هذا الارتباط حياً نابضاً في تفاصيل الحياة العادية والصغيرة، حتى بعد أن يكبر الأبناء وتقل حاجتهم إليك بتلك الطريقة القديمة؛ تلمسه في فترات الصمت الممتدة بين الأحاديث، وفي الطريقة التي يلتفتون بها لينظروا إليك قبل مغادرة الغرفة، وفي اليقين الكامن في صدوركم بأن ما بنيتموه معاً لا يمكن أن يذروه الرياح، بل يتجسد في صورة جديدة أبهى، لتتجلى الأبوة كأجمل هدية قُدر للمرء الحصول عليها. وإذا حالفك التوفيق والخطى، ستدرك في النهاية أنك لم تكن الشخص الوحيد الذي يعلمهم مبادئ الحياة، بل هم أيضاً كانوا يعلمونك كيف تحيا.
وحين تنظر بتمعن إلى تفاصيل الحياة وتتأمل كيف تداخلت البيولوجيا مع التجربة الإنسانية، تتكشف لك حقيقة وادعة: الأبوة ليست مجرد مواقف وتفاصيل نعيشها، بل هي نقش أصيل يُحفر في بنيان الحب وهيكله الإنساني.
كل عام وجميع الآباء بخير، ولا تنسوا أن تقصوا أطراف منامات أطفالكم لتطلقوا لهم العنان كي يحلقوا في الآفاق، حتى وإن كان ذلك يعني أن تراقبوا صعودهم نحو السماء وتودعوهم وهم يغادرون الأرض من دونكم.
