لنرسم معاً صورة تخيلية لطاقمي سفينتين تقطعت بهما السبل على شواطئ جزيرة وحشية قاحلة لا ترحم، حيث استقر كل طاقم في جانب منها. تخلت المجموعة الأولى عن القيود الرسمية والتراتبية البحرية، والتحم أفرادها معاً في سبيل نجاة الجميع، فاعتنى بعضهم ببعض، وتقاسموا القوت والجهد، وصار بقاء الفرد منهم مرهوناً ببقاء سائر رفاقه. وفي المقابل، تمسك الطاقم الآخر بامتيازات السلطة والتراتبية العسكرية، وتناحروا على النفوذ والمكانة، واحتكروا الموارد، فانتهى بهم المطاف إلى الانقلاب على بعضهم بعضاً.
وكانت النتيجة أن نجا كل فرد من أفراد المجموعة الأولى، في حين هلك معظم أفراد المجموعة الثانية جراء الأمراض والحوادث المؤسفة، والتناحر الذي وصل حد أكل لحوم البشر.
هذا السيناريو ليس من نسج الخيال، بل يستند إلى وقائع تاريخية حقيقية ساقها الباحثون جون كاسيبو وهاري ريس وأليكس زوترا في ورقتهم العلمية المنشورة عام ألفين وأحد عشر تحت عنوان المرونة الاجتماعية، والتي استعرضوا فيها رؤيتهم لتطوير برنامج تدريبي للقوات البرية الأمريكية، يستهدف رفع كفاءة الأفراد داخل فرق العمل وضمان انسجامهم.
وتنطلق هذه الرؤية من فرضية أساسية مفادها أن بقاء الإنسان واستمراره يعتمدان بالدرجة الأولى على قدرته على الالتفات نحو مجتمعه في الأوقات العصيبة، وتوحيد الجهود للتنبؤ بالأزمات والكوارث والعمل على تلافيها أو مواجهتها. إن التنسيق الجماعي في مواجهة الأخطار المشتركة هو حتمية تطورية فرضتها الطبيعة الفائقة للاجتماع البشري. فالإنسان يولد كائناً ضعيفاً أعزل، يفتقر إلى الأنياب الفتاكة أو البنية الجسدية الخارقة التي تمتلكها ضواري الطبيعة، ولهذا يوضح المؤلفون أن إنجازاتنا البشرية الفريدة لا تعود إلى بأسنا الفردي، وإنما هي نتاج عملنا الجماعي المتكامل.
وتُرجع الباحثة ستيفاني براون، من معهد ستوني بروك للعلوم العصبية، هذا الحس التعاوني المتأصل إلى مفهوم الاعتماد المتبادل في البقاء، إذ ترتبط نجاتي الشخصية بنجاتك ونجاة الآخرين، بل بنجاة المجتمع بأسره في نهاية المطاف. ولأن الأضرار الناجمة عن بعض الأخطار الوجودية تتوزع على الجميع بالتساوي كأثر المبيدات الحشرية الشاملة في الحقول الزراعية، فقد جُبل الجهاز العصبي البشري على الاستشعار الفوري لضعف الآخرين، مما يدفعه غريزياً إلى حماية الجماعة من أي تهديد مشترك.
وتتكامل في هذا السياق العمليات الحيوية والنفسية، لتتجلى في قدرتنا على تحقيق التناغم السلوكي والجسدي كالتعاطف، والنزوع الفطري إلى مشاطرة الآخرين أفراحهم ومواساتهم في أحزانهم، وهو ما يُعرف بالاستثمار الاجتماعي والرحمة، فضلاً عن إعلاء قيم النبل الإنساني المتمثلة في نجدة الملهوف والعمل على إصلاح الأرض. وقد أثبتت دراسات علمية عديدة أن خدمة الآخرين ورعايتهم وتخفيف آلامهم تحقق للإنسان سعادة غامرة وصحة نفسية وجسدية، إذ رصدت الأبحاث نشاطاً ملحوظاً في مسارات المكافأة بالدماغ تترجم الشعور باللذة والعطاء، وهو ما يصطلح على تسميته بـ الوهج الدافئ. وكمثال على ذلك، يلاحظ أن الأشخاص الذين يخصصون جزءاً من أوقاتهم للعمل التطوعي يعيشون حياة أطول ويكونون أقل عرضة للأمراض. وكشأن سائر الملكات الإنسانية، تخضع النزعات الإيثارية والاجتماعية لعوامل الثقافة والبيئة المحيطة على مدار العمر، إذ يمكن لهذه العوامل أن تذكي تلك الروح أو تخمدها داخل الفرد أو المجتمع في حقبة زمنية معينة.
ويرى كاسيبو ورفاقه أن انكفاء كل فرد على ذاته لتلبية حاجاته الشخصية وحماية نفسه وحسب، لا يضمن بحال من الأحوال نجاح المنظومة الجماعية، بل قد يجهض فرص النجاح الفردي ذاته على المدى الطويل. ومن الخطأ الفادح الظن بأن المرونة الفردية لكل شخص ستتراكم تلقائياً لتصنع مرونة مجتمعية شاملة.
ومن هنا، يطرح الباحثون مفهوم المرونة الاجتماعية الذي يتطلب الاعتراف الصريح بالضغوط والأضرار الناتجة عن التهديدات الكبرى والأزمات الوجودية، وتوثيقها دون الاكتفاء برصد المشاعر الفردية لكل شخص تجاه حياته الخاصة. كما يستلزم هذا المفهوم تقصي وتتبع المسببات العميقة للأزمات، والتي غالباً ما تكون منظومية وهيكلية كالسياسات العامة وتخطيط المدن، أو خفية كالموروثات الثقافية والتاريخية، أو هائلة كالتغير المناخي والكوارث الطبيعية. وفور استيعابنا للجذور الحقيقية للمشكلات، يمكننا العمل يداً بيد لتسريع تعافي الجماعة وضمان مستقبل آمن ومستدام للجميع.
ولم يقتصر استخدام هذا المصطلح على تلك الورقة البحثية، بل شاع في أوساط أكاديمية مختلفة، وإن تباينت صياغة تعريفه باختلاف الحقول المعرفية.
ففي قطاع الصحة العامة على سبيل المثال، تشير المرونة الاجتماعية عادة إلى العوامل البيئية والموارد المتاحة للفرد، مثل طبيعة المحيط الأسري، ومستوى الدخل، ومدى القدرة على الاستفادة من خدمات الرعاية الصحية والتعليم. وهناك ارتباط وثيق ومثبت بين هذه المقومات ومرونة الفرد، ونعني بها قدرته الصحية على تجاوز الضغوط والشدائد والتعلم منها للنمو المستقبلي. ولأجل هذا، نذر الكثير من المصلحين حياتهم لتحسين فرص الوصول العادل إلى هذه الموارد الحيوية ارتقاءً بالبشرية.
وتتداخل هذه المفاهيم مع مصطلحات أخرى في الأدبيات المعاصرة، مثل مرونة المجتمع المحلي التي تقاس عبر استطلاعات الرأي بأسئلة من قبيل يتكاتف أبناء مجتمعي لمساعدة بعضهم بعضاً إبان الأزمات، ومصطلح المرونة الوطنية الذي يعبر عن كفاءة الدولة أو الجماعة الكبرى في إدارة الأزمات والسيطرة عليها. وفي هذا الصدد، يقدم الباحثان ماركوس كيك وباتريك ساكدابولراك في ورقتهم المنشورة عام ألفين وثلاثة عشر تعريفاً شاملاً يوضح أن المرونة الاجتماعية هي قدرة الكيانات المجتمعية، سواء أكانت أفراداً أم مؤسسات أم مجتمعات محلية، على مقاومة الكوارث والتكيف معها والتعافي السريع من تبعاتها.
وتؤكد الدراسات أن هذه الخاصية ليست حكراً على الجنس البشري وحده، بل إن عالم الطبيعة تشارلز داروين قد التفت مبكراً إلى هذه الأسس الجماعية، وخلص في كتاباته إلى أن المجتمعات الحيوانية التي تضم أكبر قدر من الأعضاء المتعاطفين والمتساندين هي الأكثر قدرة على الازدهار والبقاء وتنشئة نسل قوي وممتد.
ولعل مجتمعات النمل تقدم تجسيداً حياً على ذلك، فالنمل يمثل الفئة الأكثر عدداً بين الحشرات على كوكب الأرض، ويمتاز بقدرة فائقة على التكيف الفوري والمنظم مع المخاطر التي تهدد مملكته، حيث يتلاحم أفراده بأجسادهم صانعين طوافة حية تعبر بالجميع بأمان فوق مياه الفيضانات. وإذا كان النمل يفعل ذلك غريزة، فإن البشر يمتلكون العقل والوعي الذي يمكنهم من رصد الأزمات الوجودية وتوحيد الصفوف لعلاجها، وهو مسار يتطلب منا قراراً واعياً وسعياً دؤوباً لتبنيه.
ويؤيد هذا الطرح عالم النفس التطوري ديفيد سلون ويلسون، أستاذ علم الأحياء والأنثروبولوجيا بجامعة بينغهامتون ورئيس منظمة عالم برو سوشيال، إذ يشدد في أبحاثه على محورية الثقة المتبادلة بين الأفراد كركيزة أساسية للمرونة الاجتماعية والعمل المثمر نحو الغايات المشتركة. ويوضح ويلسون كيف انحاز التطور عبر العصور للسمات البيولوجية التي تدعم التكيف الجماعي الودي مع التحديات البيئية، ويشير إلى أنه عندما وثق الإنسان في شركائه الاجتماعيين وسار معهم نحو أهداف موحدة، استطاع تبادل المعارف والمعلومات القيمة بنزاهة. وتنعكس هذه القدرة على العمل الجماعي في تفاصيلنا التشريحية، مثل اتساع بياض العين البشرية الذي يحول العين إلى أداة تواصل بصري بليغة، وفي المهارات الإدراكية البسيطة كالإشارة إلى الأشياء والضحك الجماعي، ناهيك عن القدرات الفكرية والثقافية الأكثر تعقيداً.
وتجدر الإشارة إلى أن الاهتمام البحثي انصب طويلاً على دراسة المرونة الفردية وتعزيزها بشكل أكبر من التفاتِهِ إلى مرونة المؤسسات والمجتمعات. ولا ريب أن مرونة الفرد غاية في الأهمية وتستحق العناية، فالأشخاص الذين يتمتعون بمرونة نفسية عالية تتلاشى لديهم أعراض التوتر سريعاً، وتتحول تجاربهم القاسية إلى دروس ملهمة للنمو والنضج.
وتتأثر هذه المرونة الفردية بعوامل بيولوجية كمرونة معدل ضربات القلب، وعوامل بيئية كالأحياء السكنية الآمنة، وعوامل سلوكية كالتعاطف مع الذات والتفاؤل، إلا أن المحيط الاجتماعي يظل الحاضنة الأساسية لتشكيلها. فالأفراد الذين يحظون برعاية دافئة وداعمة في طفولتهم المبكرة يتجاوزون المحن بيسر، ومن يتمتعون بعلاقات وثيقة مع الأهل والأصدقاء يواجهون الإخفاقات والنكسات بثبات ورسوخ.
ويمكن لغالبية الناس، عبر امتلاك المعرفة والممارسة الدورية، الارتقاء بمرونتهم الذاتية من خلال استيعاب استراتيجيات مهدئة ومحفزة للتعايش مع الصعاب، أو الانخراط في أنشطة تبعث على البهجة، أو تبني قيم الامتنان والاستبشار التي تصد عاديات اليأس. كما يمكننا تمتين أواصرنا الإنسانية عبر تبادل مشاعر التراحم والتحلي بمزيد من التواضع والفضول المعرفي.
بيد أن بعض الضغوط الكبرى، كالأوبئة العالمية، والاستقطاب الفكري الحاد، والتفاوت الطبقي المستشري، والكوارث الطبيعية، والعمليات الإرهابية، والحروب المدمرة، تتجاوز حدود الفرد لتطال المجتمع بأسره وتلقي بظلالها على الجميع دون استثناء. وإن محاولة غض الطرف عن هذه الأزمات أو الاستخفاف بها طلباً لراحة مؤقتة لن تجدي نفعاً، فالأذى الذي يصيب مجتمعاً ما ينعكس توتراً وقلقاً على سائر المجتمعات، تماماً كأثر أخبار الجرائم العنيفة التي تفرزها منصات التواصل الاجتماعي وتتغلغل في النفوس.
ومن ثم، فإن مواجهة هذه التهديدات الشاملة تتطلب جهداً يتجاوز بناء المرونة الفردية لكل شخص على حدة. إنها تفرض علينا رؤية الثقل الجماعي الذي نتحمله جميعاً بدرجات متفاوتة وبغض النظر عن مكانتنا أو امتيازاتنا جراء هذه الأخطار المشتركة. ويتطلب الأمر تحويل هذا القلق الجمعي إلى طاقة دافعة للعمل التعاوني، والاجتماع معاً لتوثيق الأزمات واقتراح الحلول التي تضمن مصلحة الجميع. كما يستلزم الأمر كشف حساب دقيق للمآلات الكارثية المترتبة على تجاهل هذه الأخطار أو إذكاء نارها، كالممارسات القائمة على الاستغلال والتربح الجشع على حساب الصالح العام.
ولكن، كيف يتسنى لنا كبشر بناء هذه المرونة الاجتماعية وتعهُّدها؟ يستعرض كاسيبو وزملاؤه في دراستهم تسع ركائز شخصية للمرونة الاجتماعية يمكن تنميتها بالمران والتدريب، ويمكننا بلورة هذه المقترحات في ثلاث خطوات عملية يستطيع كل فرد تبنيها ليسهم بفاعلية في حماية مجتمعه وتماسكه.
أولاً: بناء الجسور والاتصال الإنساني الواعي
درب ملكة التعاطف لديك عبر التمعن في تعبيرات الآخرين ومحاولة استشعارها بوجدانك لتفهم كنه مشاعرهم دوافعهم. واجعل الأصل في تعاملاتك افتراض حسن النية، وابحث دوماً عن المساحات المشتركة والإنسانية الجامعة التي تربطك بغيرك. وحبذا لو صغت قائمة بالصفات والتجارب التي تتقاسمها مع من حولك، وتأملت في تلك اللحظات التي تبادلت فيها الدعم مع الآخرين. تفكر بعمق في التناغم البديع الذي يدير به الناس تفاصيل حياتهم اليومية ليصنعوا مجتمعاً حيوياً زاخراً بالفرص. واحرص على فتح قنوات للحوار الصادق والمنفتح حول القضايا والتجارب الوجودية المهمة، وانخرط في الأنشطة الجماعية أو المبادرات المجتمعية التي ترتكز على الإبداع أو العمل التطوعي لسد الثغرات وتلبية الاحتياجات.
ثانياً: استشعار المعاناة والمبادرة بالعطاء
عندما تلمح ضرراً يقع على الآخرين، ابحث عن الخيوط الخفية التي قد تمتد لتؤذيك أنت أيضاً، واستشعر هذا الأثر في أعماقك. تلمس كيف يستنزف هذا الضرر مقدرات المجتمع ويعطل مسيرة التقدم والازدهار أو يزيد من كلفة الإصلاح مستقبلاً. ورغم أن غريزة الحذر قد تدعوك إلى الانكفاء أو الهروب، اجعل هدفك توجيه هذا التوجس الداخلي نحو الإقدام والمبادرة بفعل كل ما بوسعك لتدارك الموقف. بادر بتقديم يد العون والمساعدة حتى وإن بدت الكلفة عالية أو كانت الظروف غير مواتية أو النتائج غير مضمونة. تحلَّ بمزيد من التواضع والفضول لاستيعاب أبعاد المشكلة وتقديم العون الأنسب. واسأل نفسك دائماً عما إذا كان يمكنني أن أترك هذا المكان أو هذا النظام المشترك بحال أفضل مما وجدته عليه؟ واجعل من مشاعر الانتماء النبيلة الناتجة عن عطائك المجتمعي وقوداً يذكي روح البطولة لديك لتسهم مع رفاقك في تذليل عقبات هذا العالم.
ثالثاً: الابتكار في حل المشكلات وإعلاء قيم التصالح
احرص على صياغة عقلية تعاونية مرنة في شتى شؤونك. وحيثما وجدت، اعمل مع الآخرين على تحديد مكامن الألم والتهديدات التي تواجههم، وافتحوا باب الحوار الهادئ للوقوف على مسبباتها. حلل بعمق أثر الأنظمة والسياسات والهياكل القائمة في الحياة اليومية لمن حولك، واستثمر الذكاء الجماعي لطرح أفكار مبتكرة للتطوير. ثقف نفسك في مهارات التعبير عن المشاعر بصدق وشجاعة، وتعلم ثقافة الاعتذار الفعال التي تضمن معالجة الأخطاء وتعميق الروابط الإنسانية حتى بعد الأزمات أو الخلافات الحادة. ولا تتردد في طلب المساعدة، واعلم أن غالبية الناس يشعرون بالفخر والسمو النفسي حين تُتاح لهم فرصة تقديم عمل ذي قيمة. واعمل على رفع الروح المعنوية والقدرات الإبداعية لفريقك عبر إشاعة الأجواء الإيجابية والاحتفاء بالنجاحات المشتركة، مستفيداً من تنوع الرؤى وتعدد الكفاءات لابتكار حلول مستدامة وفعالة على المدى الطويل.
وتتوفر كذلك فرص بيئية وتخطيطية لبناء هذه المرونة في المدن والأحياء السكنية، مثل تصميم مساحات عامة مجانية وحاضنة تجمع الناس في أجواء ترفيهية وثقافية ملهمة كالمتنزهات والملتقيات المجتمعية. كما أن تهيئة قنوات آمنة ومحفزة للحوار المجتمعي وسرد التجارب حول القضايا الملحة تسهم بوضوح في تمتين هذه المرونة، والتي تنعكس بدورها إيجاباً على كفاءة المؤسسات المدنية لخدمة الكافة. ووفقاً لما جاء في فصل الرفاهية وفعالية الدولة ضمن تقرير السعادة العالمي الصادر عام ألفين وثلاثة وعشرين، فإن الدول التي تسخر مواردها بانتظام لخدمة المصالح المشتركة والارتقاء بالرفاه الاجتماعي تحرز تقييماً مرتفعاً للغاية في مؤشرات الازدهار الوطني الشامل، والذي يقيس كفاءة الدخل الفردي، والقدرة الجماعية، واستتباب السلم المجتمعي.
إن المرونة الاجتماعية، كشأن المرونة الفردية، لا تتأتى إلا بالمران الدؤوب. فنحن ككائنات بشرية تسير على قدمين، جُبلنا على دوافع فطرية تبدأ بالانقلاب ثم الزحف والحبو وصولاً إلى المشي، غير أننا إن أردنا أن نمضي بخطى ثابتة وشجاعة نحو خريف العمر، فلا يمكننا الاكتفاء بالتمنيات والجلوس وادعين طوال اليوم، بل لا بد من ممارسة النشاط البدني بانتظام لضمان حيوية الجسد وطول العمر. وينسحب هذا المنطق تماماً على المرونة الاجتماعية، فالقدرة على استشعار الأعباء الجماعية للأزمات الكبرى، وإعطاء الأولوية للتكاتف الإنساني في صياغة الحلول، تتطلب ممارسة واعية ومستمرة، قد لا تكون سهلة أو مريحة في كثير من الأحيان.
إن بعث الروح في المرونة الاجتماعية والاستثمار الحقيقي فيها يقتضيان منا دراسة علمية رصينة وتوثيقاً دقيقاً للأضرار المشتركة الناتجة عن الأزمات الوجودية، وتوحيد الصفوف لمواجهتها، بغية استباق الدمار وحماية المجتمعات من تبعات الكوارث المريرة. ولعلنا نتساءل هل يضمن لنا اعتماد مقاييس واضحة ومنهجية لتعليم وتعزيز المرونة الاجتماعية مستقبلاً أكثر ذكاءً وأقل هدراً للمقدرات؟ إن الارتكاز على طبيعتنا البشرية في التناغم الوجداني والسلوكي، واستثمار قدرتنا الفطرية على رؤية الصورة الكاملة للمستقبل من منظور عالمي بعيد المدى يستهدف نجاة الجنس البشري، كفيلان بأن تضاعف المرونة الاجتماعية من طاقاتنا الجماعية لمواجهة التهديدات وابتكار الحلول الكفيلة بحمايتنا والارتقاء بنا جميعاً مع تقليل الأضرار إلى الحد الأدنى.
