القائمة الرئيسية

كيف أصبحت الهجرة مفتاحاً للنجاح في كأس العالم

كيف أصبحت الهجرة مفتاحاً للنجاح في كأس العالم
ملخص المقال

يتناول المقال تأثير ظاهرة اللاعبين المولودين خارج أوطانهم على كرة القدم الدولية، من خلال إبراز تجربة المنتخب المغربي في مونديال 2022 كنموذج بارز للاستفادة من هذا التنوع، إلى جانب اتساع هذه الظاهرة في بطولات كأس العالم الحديثة. وتوضح أن ارتفاع نسبة اللاعبين ذوي الأصول المهاجرة أو المولودين في الخارج يعكس تحولات تاريخية مرتبطة بالهجرة والاستعمار وسياسات التجنيس، كما هو الحال في فرنسا وإنجلترا وسويسرا وغيرها. وتشير دراسات حديثة إلى وجود علاقة إيجابية بين التنوع داخل المنتخبات وتحسن الأداء والنتائج، إذ يسهم في توسيع قاعدة المواهب وإدخال تنوع في المهارات والخبرات. ومع ذلك، تؤكد المقالة أن هذا العامل ليس كافيًا وحده لتحقيق النجاح، إذ تظل عناصر مثل جودة التدريب، والقوة الاقتصادية، ووجود لاعبين استثنائيين عوامل حاسمة. وتخلص في النهاية إلى أن الهجرة أصبحت عنصرًا مؤثرًا في تشكيل ملامح كرة القدم العالمية ورفع مستوى التنافسية فيها.

لم يكن أشد المتفائلين يتوقع الطفرة الكروية التي حققها المنتخب المغربي في نهائيات كأس العالم لكرة القدم عام 2022، فقبل أن تطأ أقدام لاعبيه أرض الملعب، كان المغرب يقبع في المرتبة الثانية والعشرين ضمن تصنيف الاتحاد الدولي، ولم يسبق له على مدار تاريخه المونديالي أن تخطى عتبة دور الستة عشر. ومع ذلك، فقد تمكن أسود الأطلس من إطاحة عمالقة بحجم بلجيكا وإسبانيا والبرتغال، وهي منتخبات كانت ولا تزال تتربع ضمن قائمة العشرة الأوائل عالمياً، ليمهدوا بذلك طريقاً تاريخياً قادهم ليكونوا أول منتخب أفريقي وعربي يبلغ المربع الذهبي في تاريخ البطولة.

ولم تكن مسيرة المنتخب المغربي مجرد مفاجأة عابرة أو إنجاز استثنائي مستحق فحسب، بل إنها فتحت باباً لنقاش واسع تجاوز المستطيل الأخضر، إذ تبين أن أربعة عشر لاعباً من قوام الفريق المكون من ستة وعشرين لاعباً قد ولدوا ونشأوا خارج حدود المغرب، وهو المعدل الأعلى بين جميع المنتخبات التي شاركت في تلك النسخة.

وتتجه الأنظار في بطولة كأس العالم لعام 2026 نحو مشاركة قياسية للاعبين المولودين خارج أوطانهم الأصلية، بما يفوق أي نسخة مضت، حيث تشير الإحصاءات إلى أن ربع اللاعبين المختارين لتمثيل منتخباتهم الوطنية والبالغ عددهم الإجمالي ألفاً ومائتين وثمانية وأربعين لاعباً، قد ولدوا في بلاد غير التي يدافعون عن ألوانها في المحفل العالمي.

وتتضاعف هذه النسب بشكل لافت في بعض المنتخبات، إذ تصل نسبة اللاعبين المولودين في الخارج إلى ستة وتسعين بالمائة في منتخب كوراساو، وخمسة وثمانين بالمائة في منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، وثلاثة وسبعين بالمائة في المنتخب المغربي. وبنظرة شمولية، نجد أن اللاعبين المولودين خارج بلادهم يشكلون الأغلبية العظمى في ثماني تشكيلات من أصل ثماني وأربعين دولة مشاركة في العرس العالمي.

ولم تكن الهجرة يوماً عنصراً غريباً على بطولة كأس العالم، بل رافقتها منذ مهدها الأول، ففي النسخة الثالثة للمونديال التي أقيمت عام 1938على سبيل المثال، كان اثنا عشر بالمائة من اللاعبين يرتدون قمصان دول لم يولدوا على أرضها. ويعزى ذلك في جزء منه إلى أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لم يقرر وضع قوانين صارمة تنظم أهلية اللاعبين وتمثيلهم للمنتخبات الوطنية إلا بحلول عام ألفين وتسعمائة واثنين وستين، وهو ما يفسر كيف كان مألوفاً في الماضي أن يمثل اللاعب الواحد أكثر من دولة خلال مسيرته الرياضية.

وفي الزمن الحاضر، يستمد العديد من اللاعبين أهليتهم لتمثيل دول أخرى غير التي ولدوا فيها من خلال روابط الدم التي تجمعهم بآبائهم أو أجدادهم، وغالباً ما ينشأ هؤلاء النجوم في أحضان مجتمعات المغتربين التي تشكلت جراء موجات الهجرة المتعاقبة في العقود الماضية. ويبرز النجم الكرواتي إيفان راكيتيتش الذي قاد بلاده لنهائي كأس العالم عام 2018 كأحد أبرز الشواهد على ذلك، فقد ولد وترعرع في سويسرا لكنه آثر في نهاية المطاف تمثيل موطن أجداده كرواتيا، وفي حديث صحفي يعود لعام 2025، أكد راكيتيتش أنه حينما وضع في موقف الاختيار بين البلدين، استمع لصوت قلبه الذي أمره دون تردد باللعب لصالح كرواتيا.

وفي المقابل، يكتسب لاعبون آخرون حق تمثيل منتخباتهم الجديدة عبر شروط الإقامة الطويلة والمواطنة، ولعل النجم البرتغالي بيبي يجسد هذا المسار بدقة، فهو برازيلي المولد والنشأة، ولكنه دافع عن ألوان البرتغال في أربع نسخ متتالية لكأس العالم بين عامي 2010 و2022، بعد أن نال الجنسية البرتغالية في الرابعة والعشرين من عمره.

ومع ذلك، فإن اللاعبين المولودين في الخارج لا يروون سوى نصف الحكاية، إذ تغص المنتخبات العالمية بأعداد هائلة من أبناء المهاجرين من الجيل الثاني. ويعد المنتخب الفرنسي المتوج بلقب كأس العالم لعام 2018 النموذج الأشهر في هذا السياق، حيث كان اثنا عشر لاعباً من أصل ثلاثة وعشرين لاعباً في القائمة الذهبية ينحدرون من أصول وجذور أفريقية.

إن هذه التركيبات البشرية لم تأتِ من فراغ أو بمحض الصدفة، فقائمة فرنسا جاءت انعكاساً طبيعياً للروابط الاستعمارية وتاريخ ما بعد الاستعمار الذي جمعها بدول شمال وغرب أفريقيا. وعلى النحو ذاته، بدأ المنتخب السويسري منذ منتصف العقد الأول من القرن الحالي يكتسي بملامح موجات الهجرة القادمة من يوغوسلافيا السابقة، والتي تسببت فيها الحروب وحالات النزوح الجماعي التي رافقت تفكك تلك الجمهورية في تسعينيات القرن الماضي.

ولا تختلف قائمة المنتخب الإنجليزي لعام 2026 عن هذا المشهد، إذ تروي في طياتها فصولاً من تاريخ الهجرة إلى بريطانيا، فإلى جانب النجم مارك غويهي المولود في ساحل العاج، تضم القائمة تسعة لاعبين على الأقل ولد أحد والديهم خارج الأراضي البريطانية، وينتمي معظمهم لعائلات هاجرت من المستعمرات البريطانية السابقة في أفريقيا ومنطقة الكاريبي، مما يبرز بوضوح أثر الهجرات التي تدفقت على المملكة المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وفي المقابل، تشهد البطولة ظاهرة عكسية تتمثل في وجود أربعة وعشرين لاعباً ولدوا في إنجلترا ولكنهم اختاروا تمثيل منتخبات أخرى، ومن بينهم خمسة لاعبين يرتدون قميص إسكتلندا، وتسعة عشر لاعباً يدافعون عن ألوان دول تقع خارج حدود الجزر البريطانية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية ونيوزيلندا وغانا.

هل تنعكس هذه الظاهرة إيجاباً على الأداء الفني في الملعب؟

على الرغم من شح البحوث العلمية التي درست مدى تأثير كثرة اللاعبين المهاجرين على تطور أداء المنتخبات الوطنية، فإن المعطيات والأدلة المتوفرة تدعم هذه الفرضية وتؤكد جدواها الفنية.

ففي دراسة تحليلية صدرت عام 2022، شملت جميع نسخ كأس العالم الممتدة من عام 1970 وحتى عام 2018، تبين أن المنتخبات التي كانت تضم في صفوفها عدداً أكبر من اللاعبين المولودين في الخارج نجحت في الذهاب بعيداً في أدوار البطولة. وكشفت الدراسة عن مؤشر رقمي لافت يفيد بأن وجود كل لاعب إضافي مولود في الخارج يسهم في زيادة معدل المباريات التي يخوضها الفريق بنحو خمسة عشر بالمائة من المباراة الواحدة.

وقد حافظت هذه العلاقة الطردية على صحتها حتى بعد تحييد الفروقات الاقتصادية والاجتماعية الشاسعة بين الدول، مما يعطي مؤشراً قوياً على أن الهجرة تمنح المنتخبات تفوقاً ومزايا تفوق مجرد امتلاك الثروة المالية أو الإرث العريق في عالم كرة القدم.

وفي سياق متصل، تناولت دراسة أخرى أجريت عام 2023 مسيرة المنتخبات الأوروبية التي شاركت في بطولات كأس العالم وكأس الأمم الأوروبية في الفترة الممتدة بين عامي 1970 و2018، واعتمد الباحثون على الألقاب العائلية للاعبين لتقصي جذور أجدادهم، ومن ثم قياس مدى التنوع الثقافي والعرقي داخل كل منتخب، لتخلص الدراسة إلى أن المنتخبات الأكثر تنوعاً كانت الأعلى كفاءة والأفضل أداء في المتوسط.

وأظهرت الأرقام بدقة أن كل زيادة تعادل انحرافاً معيارياً واحداً في مؤشر التنوع كانت تترجم عملياً على أرض الواقع إلى زيادة في فارق الأهداف، وهو الناتج من طرح الأهداف المستقبلة من الأهداف المسجلة، بمعدل يصل إلى هدف وثلاثة أعشار الهدف في كل مباراة.

ويمكن تفكيك هذه الظاهرة وفهم أسبابها عبر عاملين رئيسيين، يكمن الأول في أن الهجرة تسهم بشكل فعال في توسيع خيارات الأجهزة الفنية وتكبير قاعدة المواهب المتاحة للمنتخبات، ويلوح منتخب غانا في مونديال ألفين وستة وعشرين كشاهد إثبات على ذلك، حيث يعتمد بقوة على طاقات أبناء المغتربين في أوروبا الغربية، الأمر الذي يتيح له الاستفادة من مواهب صقلت مهاراتها وتأسست في أعرق المدارس والأكاديميات الكروية العالمية.

أما العامل الثاني فيتمثل في التنوع الفريد في القدرات والمهارات الفنية والبدنية التي يجلبها اللاعبون المهاجرون إلى الفريق، إذ تطلب كل خانة في المستطيل الأخضر مواصفات بدنية وتكتيكية معينة، فمدافعو قلب الدفاع يحتاجون للبنية الجسمانية القوية والطول الفارع، بينما يحتاج لاعبو الأجنحة والهجوم إلى السرعة الفائقة والمهارة العالية، ومن ثم فإن المجتمع الذي يتسم بالتنوع البشري يمنح المنظومة الرياضية خيارات أوسع لملء كل مركز باللاعب المثالي، مما يخلق حالة من التكامل والانسجام التام على مستوى الفريق.

ولا يعني هذا بالطبع أن الهجرة هي الوصفة السحرية الوحيدة لرفع الكؤوس، فالمنتخب الأرجنتيني توج بلقب كأس العالم عام 2022 دون أن تضم قائمته لاعباً واحداً من مواليد خارج الأرجنتين، فالنجاح يظل رهيناً بعوامل أخرى بالغة الأهمية مثل الكثافة السكانية، والقوة الاقتصادية، وكفاءة الأجهزة التدريبية، ناهيك عن أن امتلاك لاعب بعبقرية ليونيل ميسي يشكل فارقاً حاسماً بحد ذاته.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المؤشرات العلمية المتاحة تؤكد أن للهجرة بصمة واضحة في صياغة خريطة كرة القدم الدولية، تتجاوز مجرد تعديل الأسماء والقوائم المشاركة في البطولات. وإذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء وتساءلنا، لو اقتصرت قائمة المغرب في مونديال ألفين واثنين وعشرين على اللاعبين الذين ولدوا ونشأوا داخل القطر المغربي فحسب، هل كنا سنشهد ذلك العبور التاريخي للمربع الذهبي؟ سيبقى هذا التساؤل معلقاً في غياهب الاحتمالات، ولكن إذا ما نجح منتخب كوراساو في تفجير مفاجأة مماثلة في هذه النسخة، فإن الاعتراف بدور الهجرة في صناعة الأمجاد الكروية سيتجاوز مرحلة النقاش ليصبح حقيقة لا يمكن لأحد غض الطرف عنها.

مقالات ذات صلة