لم تقتصر الألياف الاصطناعية على إحداث ثورة في عالم الأزياء والموضة فحسب، بل إنها أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية للمرأة وصاغت نمط عيشها من جديد.
وفي السابع والعشرين من شهر أكتوبر لعام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين، تكللت إحدى عشرة سنة من البحوث الدؤوبة التي شارك فيها أكثر من مئتين وثلاثين عالماً وفنياً في شركة ""دوبونت"" بالإعلان عن ولادة أول ليف صناعي بالكامل في تاريخ البشرية. ونشر الذراع الإعلامي للشركة آنذاك أن هذا الليف العجيب قد استُخلص من الفحم والماء والهواء؛ ليمثل تجسيداً حياً لنظرية علمية تحولت إلى واقع، حيث تم غزل وحياكة حرير اصطناعي من سلاسل جزيئية ذات طول ووزن جزيئي غير محدودين تقريباً. ولم تمضِ سوى ستة أشهر تقريباً حتى اعتلى هذا الليف، الذي أُطلق عليه اسم ""النايلون""، منصة الصدارة في معرض نيويورك الدولي لعام ألف وتسعمئة وتسعة وثلاثين، حيث استعرض جناح ""عالم كيمياء دوبونت الساحر"" أحدث ابتكاراته أمام ما يقارب المليون والنصف المليون زائر.
وعلى النقيض من حرير الريون نصف الاصطناعي، الذي يُصنع من ألياف نباتية معدلة كيميائياً مثل القطن، تميز النايلون بمتانة فائقة ووفرة مستمرة في المواد الخام التي يستطيع الكيميائيون التحكم في جودتها بدقة. وبدا هذا الليف مهيأً منذ اللحظة الأولى ليدخل في حزمة واسعة من التطبيقات اليومية، بدءاً من المنسوجات وأغطية الأسرة، وصولاً إلى الخيوط وشباك الصيد وشعيرات الفراشي. غير أن شركة ""دوبونت"" اتخذت قراراً مصيرياً باختيار الجوارب النسائية لتكون البوابة والوسيلة لتدشين النايلون عالمياً. ومع قيام العارضات في المعرض بمد الجوارب ولويها لاستعراض قوة هذا الليف الجديد ولمعانه، ولدت صيحة مدوية في عالم الموضة.
ومع حلول عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين، انحسر الإقبال على الجوارب الحريرية الباهظة الثمن، وهيمنت الجوارب المصنوعة من النايلون ومجموعة متنامية من الألياف الاصطناعية على الأسواق. هذه المواد المبتكرة، والتي اتسعت عائلتها لاحقاً لتشمل الأكريليك والبوليستر والسباندكس، أدت إلى ظهور أزياء موجهة للأسواق الاستهلاكية الضخمة، تميزت بمجموعات السترات المنسوجة والبدل الصالحة للغسيل والارتداء الفوري دون حاجة للكي. ومع ذلك، فإن النجاح المذهل للنايلون ونظرائه من المواد الاصطناعية قد يحجب عن الأعين ذلك التحالف غير المتوقع بين قطاعي الصناعات الكيميائية ودور الأزياء، وهو التحالف الذي رعى ثورة الموضة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد مهد هذا التعاون الطريق للمواد الاصطناعية لتحل محل المواد التقليدية كالحرير والقطن والصوف، بل وتتفوق عليها في بعض الأحيان، لتصبح في نهاية المطاف جزءاً طبيعياً لا يتجزأ من تفاصيل الحياة المعاصرة.
ولم يكن قطاع العلوم البحتة في شركة ""دوبونت""، والذي شهد ولادة النايلون، إلا ثمرة رؤية نائب رئيس الشركة تشارلز ستاين، الذي نجح في أواخر عشرينيات القرن العشرين في إقناع مجلس الإدارة بالخروج من عباءة البحوث ذات الربحية السريعة والمضمونة، وتخصيص مبلع مئتين وخمسين ألف دولار للبحوث العلمية المجردة. ولم يكن هذا النهج بدعاً من الأمر في الأوساط الصناعية، إذ كانت شركات مثل ""جنرال إلكتريك"" و""بيل للهواتف"" تدير مختبرات بحثية مماثلة، إلا أنه كان أمراً نادراً للغاية، لا سيما مع الحرية الواسعة والمدى الفسيح الذي منحه ستاين للبحوث النظرية الاستشرافية. واستطاع ستاين استقطاب العالم والاس كاروثرز وغيره من كبار الكيميائيين من مقاعد التدريس الأكاديمي في الجامعات إلى أروقة المختبرات عبر إغرائهم بتمويلات سخية وتوفير طواقم عمل مساعدة لا حدود لها.
وفي مختبرات ""دوبونت""، وجد كاروثرز الحرية الكاملة لاختبار نظرية هيرمان ستودينجر المثيرة للجدل آنذاك، والتي كانت ترى أن البوليمرات تتكون من سلاسل جزيئية ذات أطوال غير محدودة. وبعد اختبار تركيبات وتوليفات كيميائية شتى طوال أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، ركز كاروثرز وفريقه البحثي على مركبات البولي أميد، وهي سلاسل طويلة من الكربون والأكسجين والنيتروجين والهيدروجين التي يمكن غزلها وسحبها لإنتاج ألياف مرنة ولينة.
وفي عام ألف وتسعمئة وستة وثلاثين، نجح مختبر كاروثرز في غزل مركبات البولي أميد بشكل متواصل لمدة تصل إلى عشر دقائق، وهي خطوة حاسمة نحو إنتاج ليف صالح للاستخدام التجاري. ومع استمرار الفريق في تطوير الآلات والمعدات لتنقية هذه العملية وصقلها، بدأ قطاع التسويق في ""دوبونت"" استكشاف التطبيقات الممكنة لهذا الليف الجديد. وفي ذلك الوقت، كانت الواردات اليابانية تستأثر بتسعين بالمئة من إمدادات الحرير الخام في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان ثلاثة أرباع هذه الكمية يذهب لصناعة أكثر من مليون ونصف المليون زوج من الجوارب التي يشتريها الأمريكيون يومياً. ومع تصاعد وتيرة التصنيع والعسكرة في اليابان، الأمر الذي فاقم التوترات السياسية المزمنة مع أمريكا، أصبحت فكرة إيجاد بديل محلي لليف الحرير أمراً جذاباً للغاية ويحمل أبعاداً استراتيجية.
وبدأت شركة ""دوبونت"" في إنتاج نماذج أولية من جوارب النايلون في عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين، وذلك ضمن جهودها لإقناع المصنعين بالقدرات الواعدة لهذا المنتج، وهم الذين سيتولون حياكة الجوارب وبيعها في نهاية المطاف. وتحقيقاً لهذه الغاية، قامت الشركة بصناعة آلات جديدة وطورت تقنيات حياكة مخصصة للنايلون وحده. وكان من بين هذه الابتكارات مد الجوارب المحيكة حديثاً فوق قوالب مصممة على هيئة الساق البشرية لمنع انكماشها أثناء تعرضها للبخار لتثبيت شكلها وحجمها حرارياً. هذه الجوارب التجريبية، التي حيكت في فبراير من عام ألف وتسعمئة وتسعة وثلاثين، سجلت ظهورها الأول في معرض سان فرانسيسكو الدولي، ولفتت الأنظار بشدة في معرض نيويورك العالمي في وقت لاحق من ذلك العام. وسرعان ما رصدت مجلات الموضة واستبيانات المستهلكين حماساً جارفاً وشعبية واسعة لهذه الجوارب نظراً لشفافيتها ومتانتها وملمسها الناعم الخالي من التجاعيد، ليصبح النايلون على الفور اسماً يتردد في كل بيت. وفي أول طرح رسمي لبيع جوارب النايلون للجمهور في الرابع والعشرين من أكتوبر لعام ألف وتسعمئة وتسعة وثلاثين في مدينة ويلمنغتون بولاية ديلاوير، نفدت الكمية المعروضة والبالغة أربعة آلاف زوج في غضون ثلاث ساعات فقط. وتضاعف الطلب بصورة جنونية بعد طرح جوارب النايلون في جميع أنحاء البلاد في مايو من عام ألف وتسعمئة وأربعين. ولكن في الحادي عشر من فبراير لعام ألف وتسعمئة واثنين وأربعين، اختفت هذه الجوارب فجأة من الأسواق بعد أن وجهت ""دوبونت"" كل إنتاجها من النايلون لخدمة المجهود الحربي وصناعة مظلات الهبوط للجيش.
وفي عام ألف وتسعمئة وخمسة وأربعين، ومع وضوع الحرب العالمية الثانية لأوزارها، أعادت ""دوبونت"" توجيه بوصلتها نحو المستهلكين المدنيين، واضعة توقعات بإنتاج كميات من النايلون تكفي لحياكة ثلاثمئة وستين مليون زوج من الجوارب سنوياً، ورغم أن بعض العقبات التقنية قد أخرت الإنتاج الكمي الضخم وحدت من عدد الجوارب التي وصلت إلى الأسواق في عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين، إلا أن تركيز الشركة المتجدد على التطبيقات الاستهلاكية قاد إلى ابتكار عائلة حقيقية من الألياف، شملت البوليستر في عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين، والأكريليك في عام ألف وتسعمئة وخمسة وخمسين، والسباندكس في عام ألف وتسعمئة وثمانية وخمسين، وطُرحت جميعها في الأسواق تحت أسماء تجارية رنانة وسهلة التداول مثل الداكرون للبوليستر، والأورلون للأكريليك، والليكرا للسباندكس.
وقد تضافرت الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لتسريع وتيرة تبني النايلون وقبوله، ومن ثم الإقبال على الألياف الاصطناعية التي تلته. فبالنسبة للمصنعين، ساهم النقص الحاد في المواد الخام التقليدية نتيجة الطفرة الاقتصادية التي أعقبت الحرب في زيادة جاذبية البدائل الاصطناعية المشتقة من الوفرة النفطية والغاز الطبيعي. وبالنسبة لمصممي الأزياء، فإن متانة النايلون وقابليته للغسل وسهولة العناية به وببقية الألياف المستحدثة قد فتحت آفاقاً إبداعية جديدة، تُرجمت في نهاية المطاف إلى إنتاج وبيع كميات هائلة من الملابس والإكسسوارات في صناعة الملابس. أما بالنسبة للمستهلكين، فإن الخصائص الفريدة للنايلون والمواد الاصطناعية الأخرى جعلت الكثيرين يقبلون عليها ليس فقط باعتبارها بدائل صناعية تعوض غياب المواد الطبيعية، بل كخامات ومواد جديدة قائمة بذاتها ولها مزاياها الخاصة.
وطوال فترة الخمسينيات من القرن العشرين، ساعدت الأقمشة الاصطناعية في تلبية تطلعات الجماهير وشغفهم بالحصول على خيارات ملابس جديدة ومبتكرة بعد سنوات طويلة من الكساد الاقتصادي ومرارة الحرب. وتحولت هذه المواد إلى جوارب، وتنانير قصيرة، وفساتين زفاف، وقمصان رسمية، وسراويل مخصصة للتزلج. وكانت النساء هُن الفئة المستهدفة الأساسية في سوق هذه الملابس، والتي تميزت بتفاصيل تصميمية مبتكرة مثل الكسرات الدائمة، والطيات المثبتة حرارياً، ومقاومة التجاعيد، وثبات الألوان. وأرست هذه الأزياء توجهاً عاماً نحو اقتناء خزانة ملابس تعتمد على شعار الغسل والارتداء الفوري، ونالت تقديراً كبيراً بفضل ما توفره من راحة وتسهيل للحياة. ولاقت هذه المزايا العملية قبولاً خاصاً لدى الشابات اللواتي عبّرن في استطلاعات الرأي التي أجرتها شركة ""دوبونت"" عن ضيقهن وتذمرهن من المشقة اليومية لعمليات الكي، ورحبن بأسلوب حياة معاصر مفعم بالحرية والانطلاق. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تتضاعف مبيعات الغسالات الكهربائية في الولايات المتحدة الأمريكية لأكثر من ثلاث مرات بين عامي ألف وتسعمئة وخمسين وألف وتسعمئة وستة وخمسين؛ إذ إن هذه المزايا الموفرة للجهد والوقت شجعت المستهلكين على قبول الألياف الاصطناعية، والترحيب بعلم الكيمياء نفسه، الذي بات يقدم وبشكل متزايد ما عجزت الطبيعة عن توفيره.
ومجرد أن فتح المصنعون والمستهلكون قلوبهم للمواد الاصطناعية، لم يعد هنالك مجال للتراجع إلى الوراء. إن الثورة التي انطلقت شرارتها الأولى مع النايلون قد فتحت الباب لظهور قصات وتصاميم وقوام وألوان كان من المستحيل صياغتها باستخدام الألياف الطبيعية وحدها، واستمرت في تشكيل أذواق المستهلكين وتوجيهها طوال العقود التالية.
