القائمة الرئيسية

كيف تحوّل الشركات الموقع الجغرافي إلى ميزة تنافسية؟

كيف تحوّل الشركات الموقع الجغرافي إلى ميزة تنافسية؟
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يمكن للشركات تحويل الموقع الجغرافي إلى ميزة تنافسية حقيقية من خلال بناء شبكة متنوعة من مواقع الأعمال بدلاً من الاعتماد على مدينة واحدة، مؤكدة أن اختيار المدن المناسبة لم يعد يعتمد فقط على التكاليف، بل يشمل عوامل مثل توافر المواهب، والاتصال العالمي، وجودة الحياة، والمرونة المناخية. كما تسلط الضوء على صعود مدن متوسطة الحجم ومراكز ناشئة تنافس الوجهات التقليدية، وتوضح كيف يمكن لاستراتيجية مواقع مدروسة أن تساعد الشركات على إدارة المخاطر، جذب الكفاءات، وتعزيز النمو والقدرة على الصمود في عالم يزداد تقلباً وتعقيداً.

  • في ظل حالة عدم اليقين العالمية، تستطيع الشركات التي تمتلك مواقع في مجموعة متنوعة من المدن إدارة المخاطر بشكل أفضل، واغتنام فرص النمو، وتعزيز قدرتها على الصمود.
  • ومع ظهور المزيد من المدن كمراكز أعمال واعدة، أصبحت الشركات تمتلك خيارات تتجاوز المراكز التقليدية مثل نيويورك ولندن وطوكيو.
  • وتعتمد أقوى استراتيجيات اختيار المواقع على تحقيق توازن بين الكثافة التجارية، والاتصال، وتوافر المواهب، وجودة الحياة، والقرب من التجمعات الاقتصادية، والقدرة على مواجهة التغيرات المناخية.

مع تجاوز مؤشر عدم اليقين العالمي المستويات التي شهدها خلال فترة الجائحة، لم يعد بإمكان الشركات الاعتماد على وجود جغرافي متركز في عدد محدود من المواقع. فأصبح توزيع المنشآت، مثل المصانع والمكاتب، عبر مواقع مدروسة بعناية أمراً ضرورياً. ويساعد هذا التنويع، خاصة عبر عدة دول، على إدارة المخاطر، واغتنام فرص النمو، وتعزيز المرونة التشغيلية.

إلا أن تحديد المواقع المناسبة للأعمال ليس مهمة سهلة. فهناك بالطبع القوى التقليدية الكبرى مثل نيويورك ولندن وطوكيو. لكن البصمة الجغرافية للشركة لا ترتبط فقط بالتكاليف أو فرص النمو. بل إن بناء محفظة متوازنة من المواقع الحضرية يمثل عنصراً أساسياً في تطوير الأعمال وإدارة المخاطر.

ولهذا ينبغي للرؤساء التنفيذيين أن يفكروا بدرجة أقل في البحث عن “أفضل” مدينة واحدة، وبدرجة أكبر في إنشاء محفظة متنوعة من المواقع تشمل مراكز القيادة العالمية، ومراكز المبيعات الإقليمية، وعقد التصنيع، ومراكز الابتكار، ومواقع التعهيد، ومواقع احتياطية لتعزيز المرونة.

ويعني ذلك تقييم توافر المواهب، وشبكات النقل والاتصال الرقمي، والقدرة على التكيف مع التغير المناخي، والأسواق المجاورة المكملة، وعوامل أخرى عديدة، وليس فقط تكلفة افتتاح منشأة جديدة.

خيارات أوسع لمواقع الأعمال

عند بناء محفظة من مواقع الأعمال، أصبح لدى الشركات اليوم مجموعة أكبر بكثير من المدن للاختيار منها مقارنة بأي وقت مضى، وفقاً لتقرير جديد صادر عن منتدى أوليفر وايمان.

وقد صنّف التقرير 1500 مدينة بوصفها مراكز للتجارة والاتصال والاستثمار، مستخدماً مؤشرات تتراوح بين حجم حركة الطيران ووجود الشركات متعددة الجنسيات. ووجد أن هذه المدن تساهم بنحو 75% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يعادل حوالي 88 تريليون دولار من الإنتاج الاقتصادي، وتضم 1.9 مليار مستهلك و92% من الشركات المدرجة في الأسواق المالية حول العالم.

وتُظهر التصنيفات أن مجموعة متنامية من المدن متوسطة الحجم بدأت تنافس المدن التقليدية الكبرى مثل لندن وطوكيو ونيويورك. وأصبحت هذه المدن الأصغر قادرة بشكل متزايد على تقديم مزايا للشركات الباحثة عن الاتصال، والمهارات، والمواهب، وجودة الحياة، فضلاً عن القدرة على إدارة المخاطر الناشئة مثل التغير المناخي.

وتتمتع العديد من المدن متوسطة الحجم باتصال قوي محلياً ودولياً، وقوى عاملة كبيرة محتملة، ومدن مجاورة أو عواصم وطنية تعزز من قيمتها. كما توفر غالباً مساكن أكثر قدرة على تحمل التكاليف، ومخزوناً متنامياً من المواهب، ومواقع استراتيجية ضمن سلاسل التوريد المتغيرة. وبعضها، مثل هامبورغ في ألمانيا ومانشستر في المملكة المتحدة، يجذب أيضاً رؤوس أموال الشركات الناشئة والمواهب التقنية والأنشطة التكنولوجية العالمية.

الكثافة والاتصال عنصران حاسمان

لإنشاء محفظة قوية من مواقع الأعمال، يمكن مواءمة نقاط قوة كل مدينة مع احتياجات الوظائف المختلفة داخل الشركة. فقد ترغب فرق المبيعات في التواجد بالقرب من العملاء، بينما تفضل فرق البحث والتطوير أن تكون قريبة من الجامعات ورؤوس الأموال الاستثمارية والعمالة الماهرة. أما عمليات التصنيع والخدمات اللوجستية فقد تفضل المدن التي توفر روابط نقل قوية وشبكات مورّدين واسعة وإمكانية الوصول إلى الأسواق المجاورة.

وفي هذه المجالات تحديداً، بدأت المراكز الحضرية سريعة النمو في آسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بمنافسة مراكز الأعمال التقليدية. فقرابة ثلث المدن المئة الأولى في المؤشر التجاري للتصنيف تقع في الأسواق الناشئة، وهي زيادة كبيرة مقارنة بالعقدين الماضيين. وتتمتع هذه المراكز بمزايا يصعب تكرارها، منها التركيز الكثيف للشركات متعددة الجنسيات، وشبكات الموردين المشتركة، وقواعد المواهب الأعمق، وسرعة إتمام الصفقات.

ويعزز الاتصال هذه المزايا. فالمدن التي تتمتع بروابط جوية قوية محلياً ودولياً، أو تقع بالقرب من مناطق حضرية نشطة اقتصادياً، توفر فرصاً أكبر للعملاء والفرق وسلاسل التوريد. وتُظهر نتائج التقرير أن المراكز التجارية الأعلى تصنيفاً ترتبط جواً بمتوسط 94 مدينة دولية، كما تخدم عادةً شبكات الطيران المحلية أيضاً.

كما أن المدن المجاورة لها أهمية كبيرة. إذ يمكن أن تضم التجمعات الحضرية مدناً قريبة من مراكز أعمال مكملة تمتلك موانئ رئيسية ومورّدين وجامعات وعملاء خاصين بها.

فعلى سبيل المثال، تتعزز قوة هونغ كونغ من خلال موقعها ضمن تجمع حضري أكبر يضم شينزن وقوانغتشو المجاورتين. فجميع هذه المدن تعد مراكز تجارية رائدة، لكن حجمها مجتمعة يفوق طوكيو، مع ناتج محلي إجمالي يتجاوز 1.4 تريليون دولار وعدد سكان يقارب 48 مليون نسمة ضمن نطاق يمكن الوصول إليه خلال ساعة واحدة عبر القطار فائق السرعة.

وتوجد تجمعات مشابهة في مناطق أخرى، مثل ميونيخ–شتوتغارت–زيورخ وسنغافورة–جوهور باهرو–باتام. وتمتلك كل مدينة من هذه المدن نقاط قوة خاصة بها، لكنها تصبح أكثر قدرة على المنافسة عند العمل ضمن منظومة متكاملة.

العيش في الحاضر والتخطيط للمستقبل

ينبغي أن تكون استراتيجية المواهب واستراتيجية المدن جزءاً من الحوار نفسه.

فالمدن التي تجمع بين الجامعات القوية، والمسارات المهنية المتنوعة، والمرافق الترفيهية الحيوية، تجذب العاملين، وخاصة أبناء جيلي الألفية والجيل Z. وتوفر مدن مثل لندن وبوسطن وسيؤول هذه المقومات بوضوح، لكن أصحاب العمل يمكنهم أيضاً العثور على الخصائص نفسها في أماكن مثل هلسنكي ومانشستر ووهان.

غير أن السؤال لا يقتصر على معرفة أماكن توافر العمالة اليوم، بل يشمل أيضاً تحديد المدن القادرة على إنتاج المواهب وجذبها والاحتفاظ بها خلال العقد المقبل، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة والتصنيع المتقدم والخدمات الرقمية.

ويقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى إلغاء 92 مليون وظيفة وإضافة 170 مليون وظيفة جديدة بحلول عام 2030. ويُعد هذا التحول أحد الأسباب التي تجعل الموظفين يولون أهمية متزايدة للتدريب. فثلث العاملين حول العالم يعتقدون أن الوصول إلى برامج التدريب هو العامل الأكثر تأثيراً في تحسين تجربتهم المهنية، بينما لا يشعر سوى نحو ثلثهم بالثقة في أنهم يحصلون على المهارات التي يحتاجون إليها.

كما تسهم الحوافز الداعمة للأعمال والعاملين، مثل تسهيلات التأشيرات والسياسات الضريبية الجاذبة، في استقطاب المواهب. وبينما أصبحت بعض الدول أكثر تشدداً في منح التأشيرات للعمال الأجانب خلال السنوات الأخيرة، نجحت دبي والرياض وهونغ كونغ في جذب الموظفين من خلال معدلات ضرائب شخصية منخفضة أو معدومة وإجراءات تأشيرات سريعة.

وقد يكون ذلك عاملاً حاسماً بالنسبة للمهنيين العالميين القادرين على التنقل، خاصة عندما يقترن بفرص مهنية واعدة.

الحد من المخاطر المرتبطة بالمناخ

ينبغي أيضاً أن تكون قدرة المدينة على الصمود أمام التحديات المناخية جزءاً من معايير اختيار مواقع الأعمال.

فحالات الفيضانات المتكررة، واضطرابات شح المياه، وموجات الحر الشديدة قد تؤدي إلى توقف العمليات، وارتفاع التكاليف التشغيلية، وهجرة الكفاءات. وتكون هذه التحديات أكثر حدة في العديد من المدن النامية، حيث يفرض النمو السريع ضغوطاً متزايدة على البنية التحتية. ولذلك يجب إدراج مخاطر المناخ ضمن قرارات اختيار المواقع من خلال اختبارات الضغط والتقييمات المتخصصة، جنباً إلى جنب مع عوامل التكلفة والنمو والمواهب.

وتتصدر بعض المدن بالفعل مجال الجاهزية المناخية. فهناك أربع مدن سويسرية ضمن أعلى المدن تصنيفاً في المؤشر الفرعي للاستدامة في التقرير. كما تعمل مدن أخرى على مواجهة هذه التحديات، مثل باريس التي تسعى إلى ضمان وجود “جزيرة باردة” يمكن لكل مقيم الوصول إليها خلال سبع دقائق سيراً على الأقدام. أما سنغافورة فتعمل على توسيع قنوات التصريف، ورفع مستويات الأراضي، وإنشاء خزانات لاحتجاز المياه للحد من مخاطر الفيضانات.

ورغم أن اختيار المواقع المناسبة للأعمال قد يكون معقداً، فإن الخيارات المتاحة اليوم كثيرة ومتنوعة. ويمكن للشركات، من خلال التنويع ومراعاة احتياجات القوى العاملة والمستهلكين والخدمات اللوجستية، إلى جانب المخاطر الناشئة مثل التغير المناخي، أن تبني بصمة جغرافية أكثر تنوعاً وقدرة على الصمود.

المصدر

مقالات ذات صلة