إذا سبق وأن تمنع طفلك بشدة وعاند في صباح يوم الأنشطة الرياضية أو سباق الجري المفتوح بالمدرسة، أو رفض تماماً التحدث أمام زملائه في الصف، فاعلم أنك لست وحدك في هذه المعاناة.
بالنسبة لبعض الأطفال، تثير هذه المناسبات شعوراً ثقيلاً ومقلقاً في نفوسهم، حيث تطاردهم مخاوف وتساؤلات من قبيل: ماذا لو كنت الأبطأ بين الجميع؟ ماذا لو ركز الجميع أنظارهم علي؟ ماذا لو أخطأت وأخفقت؟
أمام هذا الموقف، يجد الآباء أنفسهم في حيرة من أمرهم، فإن ضغطوا على الطفل بقوة، تحول الصباح إلى نوبة بكاء وصراخ حادة، وإن تركه الآباء على راحته، ساورهم القلق من أن يكونوا قد علموا طفلهم الانسحاب والاستسلام عند أول عقبة.
فهل يصح أحياناً أن ننصاع لرغبة الطفل ونتماشى مع قراره؟ وكيف نمنحه أفضل فرصة ممكنة لكي يتحلى بالشجاعة ويحاول في المرات القادمة؟
أهمية مواجهة المخاوف برفق ولين
عندما نتجنب أمراً نخشاه، نشعر براحة فورية مؤقتة. هذا الشعور بالراحة قوي ومؤثر للغاية، لأنه يرسل إشارة إلى الدماغ بأن الهروب والتجنب هما الحل الأنجح. ومع مرور الوقت، يكبُر الخوف وتزداد رغبة المرء في التهرب، وهذا الأمر ينطبق علينا جميعاً، كباراً وصغاراً، وليس على الأطفال فحسب.
لذلك، من الناحية التربوية، من الأنفع للطفل أن يواجه مخاوفه عاجلاً لا آجلاً، وذلك قبل أن يتحول سلوك التهرب إلى عادة متأصلة في سلوكه.
بيد أن هذا لا يعني أبداً إجبار الطفل على خوض تجربة تسبب له حالة من الهلع، فالضغط الزائد عن الحد قد يرسخ في ذهنه فكرة مفادها أن هذا الموقف ينطوي بالفعل على خطر حقيقي مهدد له.
إن مساعدة الطفل على مواجهة مخاوفه قبل أن يستحوذ عليه أسلوب التهرب أمر بالغ الأهمية، وشكل هذه المساعدة يتوقف على الدوافع الحقيقية وراء هذا الخوف.
ابدأ بفهم أبعاد المشكلة وفك طلاسمها
إذا كنت تستشعر قدوم يوم عصيب وصعب على طفلك، فبادر بالحديث معه حول مشاعره بوقت كافٍ قبل ذلك اليوم. اطرح عليه أسئلة هادئة ورفيقة لتستبين السبب الحقيقي وراء هذا الرفض والمقاومة.
هل حدث أمر سيئ في المرة الماضية؟ هل يواجه مشكلة ما مع أصدقائه؟ هل يخشى طفلك الفشل، أو إطلاق الأحكام عليه من الآخرين، أو التعرض للسخرية والتهكم؟
يمكنك فتح الحوار بقولك: لقد لاحظت أنك التزمت الصمت تماماً عندما ذكر والدك يوم الأنشطة الرياضية، فهل هناك أمر ما يقلقك بشأن هذا اليوم؟
قد لا يجد الأطفال الكلمات المناسبة للتعبير عن مشاعرهم على الفور، لذا امنحهم الوقت الكافي. ومن المفيد جداً إجراء هذه الحوارات جنباً إلى جنب بدلاً من المواجهة المباشرة وجهاً لوجه، كأن تتحدث معه عند الخلود إلى النوم، أو أثناء المشي، أو خلال قيادة السيارة معاً. ففي غياب التواصل البصري المباشر، يجد الأطفال سهولة أكبر في التفكير والحديث عن الأمور الصعبة التي تؤرقهم.
واحذر أن تقاطع طفلك لتقول عبارات من قبيل ""ستكون بخير"" أو ""لا يوجد ما يدعو للقلق""، فهذه الكلمات قد تُفهم على أنها استخفاف بمشاعره وتقليل من شأنها، مما قد يدفع الطفل إلى العزوف عن الكلام. إن مجرد الإنصات الواعي كفيل بأن يشجع الأطفال على البوح والفضفضة.
الاعتراف بالمشاعر ومنحها الشرعية
بمجرد أن تتضح لك صورة ما يحدث في نفس طفلك، احرص على أن تبث في روعه أن مشاعره هذه طبيعية ومفهومة تماماً، وذلك قبل أن تنتقل إلى مرحلة تقديم الاقتراحات والحلول. فالأطفال يجدون سهولة أكبر في التفكير في الحلول عندما يشعرون بأن هناك من يستمع إليهم ويفهمهم. يمكنك أن تقول له: أنا أرى وأشعر أن هذا الأمر يبدو كبيراً ومخيفاً بالنسبة لك الآن، ومن الطبيعي جداً أن تكون قلقاً من ذلك.
ثم تريث والزم الصمت لبرهة، فقد يجهش الطفل بالبكاء، وهذا البكاء غالباً ما يكون جزءاً صحياً من عملية استيعاب المخاوف والتغلب عليها.
وفي هذه اللحظة تحديداً، تشتد رغبتنا كآباء في التدخل لإنقاذ الطفل أو طمأنته بشكل مفرط. وعوضاً عن ذلك، حاول أن تكتفي بأن تكون حاضراً كقوة داعمة وسند له، حيث يمكنك ضمه إلى صدرك وقول عبارة بسيطة مثل ""يبدو أن هذا الأمر شاق وصعب عليك حقاً"".
صياغة خطة عمل مشتركة
عندما يصل الطفل إلى هذه المرحلة من الهدوء، ساعده على التفكير في كيفية المشاركة بطريقة تجعله يشعر بالأمان والقدرة على السيطرة. يمكنك أن تسأله: أتساءل ما الذي يمكن أن يجعل الذهاب إلى هناك أكثر سهولة بالنسبة لك؟ ما هو الجزء البسيط والصغير الذي تظن أنك قادر على إنجازه؟
وتتعدد الخيارات هنا، فقد يتلخص الحل في قطع مضمار الجري مشياً بدلاً من الركض، أو إلقاء الكلمة أمام معلم واحد يثق فيه الطفل قبل مواجهة الصف بأكمله، أو حتى الذهاب والمكتفاء بالمشاهدة والمراقبة كخطوة أولى.
وفي بعض المناسبات والأنشطة، يجدر بك التحدث بهدوء مع المعلم في المدرسة، لضمان تنسيق الخطة وتطبيقها في المدرسة تماماً كما تم الاتفاق عليها في المنزل. تذكر دائماً أن الهدف ليس تحقيق أداء مثالي مبهر، بل إن الغاية هي مساعدة طفلك على المشاركة بطريقة تناسب قدراته الحالية ويستطيع تحملها.
واحذر من الاستعجال أو ممارسة الضغط عليه، وإذا قال لك طفلك ""لا أعلم""، فتقبل ذلك وأخبره أنه من الصعب على المرء التفكير عندما يتملكه القلق. وأحياناً يكون من المفيد أخذ استراحة قصيرة، والعودة لمناقشة الخيارات المتاحة في وقت لاحق.
التعامل في يوم الحدث
عندما يأتي اليوم الموعود، يمكنك تذكير طفلك بهدوء بما اتفقتم عليه مسبقاً. ومن الأساليب الناجحة في هذا السياق أن توضح له ما ترغب في حدوثه، مع إتاحة الفرصة له للتعبير عن مكنون صدره ومشاعره، كأن تقول له: لقد حان وقت الذهاب الآن، وأنا أعلم تماماً أن هذا الأمر ليس سهلاً عليك، وأن هناك جزءاً بداخلك يرفض الذهاب بشدة.
وإذا انتابت طفلك حالة من الحزن أو البكاء، فابقَ قريباً منه ودع تلك المشاعر تأخذ مجراها الطبيعي دون كبت. لست بحاجة إلى حل المشكلة فوراً أو استعجاله ليتخطى هذه الحالة، بل إن وضع يدك برفق على ظهره أو قول عبارة دافئة مثل ""أنا بجانبك"" يكون كافياً في معظم الأحيان.
إن الأطفال يحتاجون في كثير من الأحيان إلى معايشة الخوف والشعور به قبل أن يتمكنوا من تجاوزه والعبور منه، ومن هنا تحديداً يولد وتنمو الشجاعة. فالشجاعة ليست غياب الخوف، بل هي القدرة على المضي قدماً والتقدم خطوة إلى الأمام على الرغم من وجود الخوف.
وعندما يدرك الأطفال أن بمقدورهم حمل مخاوفهم والمشاركة في الأنشطة رغماً عنها، يبدأون في تطوير ثقة حقيقية في قدراتهم على مواجهة تحديات الحياة وصعابها.
هل يصح إطاعة رغبتهم في الانسحاب أحياناً؟
نعم، يجوز ذلك في بعض الأحيان، فإذا كان طفلك يمر بحالة شديدة من الضيق والاضطراب، فإن تراجعه خطوة إلى الوراء بشكل مؤقت سيساعده على استعادة توازنه وشعوره بالسيطرة على الأمور.
إن التغاضي عن المشاركة لمرة واحدة وعابرة لا يشكل معضلة تربوية، ومن حق الأطفال ألا تعجبهم بعض الأمور والأنشطة.
ولكن تكمن علامة الخطر في تحول هذا السلوك إلى نمط متكرر، أي عندما يتسلل خيار التجنب والهروب بشكل مستمر، أو عندما يبدأ الطفل في تفويت فرص وأنشطة يرغب في القيام بها في قرارة نفسه.
وإذا كان هناك تاريخ سابق من التعرض للتنمر والمضايقات، أو تجربة سابقة مريرة، أو إذا بدأ الخوف والقلق يلقيان بظلالهما على تفاصيل حياته اليومية ويعيقانها، فحينها يجدر بك استشارة طبيب العائلة للحصول على إحالة إلى طبيب نفسي متخصص في رعاية الأطفال.
كيف نغرس مفاهيم الإنجاز والمشاركة في نفوسهم؟
إن الجزء الأكبر من العوامل التي تساعد الطفل على الإقدام والمحاولة يُبنى من خلال الحوارات اليومية العادية داخل المنزل، وليس في صباح يوم النشاط المعني. ويتعلق الأمر بهندسة توقعات الطفل برفق، وترسيخ فكرة أننا لسنا مطالبين دائماً بالفوز، أو بأن نكون الأفضل، أو أن نصيب في كل مرة، وأن الخطأ والإخفاق أمور طبيعية ومقبولة في هذه الحياة.
وهناك أربعة محاور أساسية يجدر بالآباء دمجها وتكرارها في أحاديثهم مع الأطفال بصفة مستمرة.
المحور الأول يتلخص في تفهم أن الله قد خلقنا بعقول وأجساد متفاوتة، وبالتالي فإن بعض الأمور قد تأتي سهلة وميسرة لبعضنا وصعبة على البعض الآخر. هذا الاختلاف والتباين هو السُّنة الطبيعية في الكون، وهو أمر يستحق الإعجاب والتقدير وليس المقارنة والمفاضلة في الطبقات والترتيب، حيث يمكنك القول مثلاً: لقد استمتعت كثيراً اليوم بالتعلم من زميلتي فريدة في العمل، فهي تمتلك معرفة واسعة ومبهرة حول كيفية إدارة الموارد المائية في البيئة.
أما المحور الثاني فهو ترسيخ قناعة أن المهارة تُبنى بالجهد والممارسة ولا تأتي هبة جاهزة دون سعي. فالأطفال يظنون غالباً أن التميز في الرياضة أو الموسيقى أو الخطابة هي مواهب ثابته وفطرية، إما أن تولد بها أو تفتقدها للأبد. ولكن الحقيقة أن القدرة تتطور وتنمو بالمراس والتدريب، فالطفل الذي يمارس الرياضة يومياً سيجد الجري في يوم الأنشطة المدرسية أمراً يسيراً لأنه استثمر وقته وجهده في التدريب، وليس لأنه وُلد بقدرات خارقة للركض.
ويتمثل المحور الثالث في توجيه نظرة الطفل وتنبيهه إلى حجم التقدم الذي يحرزه مقارنة بنفسه في الماضي، بدلاً من مقارنة ترتيبه بين أقرانه، كأن تقول له: في الأسبوع الماضي كنت تستطيع سباحة عشرين متراً فقط، والآن ها أنت تسبح ما يقارب ثلاثين متراً.
أما المحور الرابع والأخير، فهو التأكيد على أن الاستمرار والمثابرة في مواجهة الأمور الشاقة هو الإنجاز الحقيقي المفخرة. فمن السهل على المرء القيام بما يجيده ويبرع فيه أصلاً، ولكن التمسك بالأمر ومواصلة المحاولة في مجال لا يأتينا بسهولة هو التحدي الأكبر والأجدر بالثناء عندما تلاحظه على طفلك، حيث يمكنك القول: أنا أرى كم تشعر بالإحباط والمشقة أثناء القراءة الآن، ولكن استمرارك ومواصلتك المحاولة رغم هذه الصعوبة هو أكثر ما يملأ نفسي بالفخر والاعتزاز بك.
الغاية ليست تنشئة طفل لا يعرف الخوف
إن الهدف الأسمى للتربية ليس الوصول إلى طفل منزوع الخوف، بل الغاية هي تنشئة طفل يتعلم، بمرور الوقت ومن خلال خطوات صغيرة مدروسة، أنه قادر على قهر الصعاب وإنجاز الأمور الشاقة، وأن اختلافه وتميزه عن الطفل الذي يقف بجواره هو أمر طبيعي، ومقبول، وجزء لا يتجزأ من طبيعة الحياة البشرية.
