""حينما نستبدل الخوف من المجهول بالفضول والشغف، فإننا نفتح عقولنا على فيض لا ينتهي من الفرص والاحتمالات. يمكننا أن نرتضي للخوف أن يحكم وتيرة حياتنا، أو أن نستدعي روح الطفل الكامنة في أعماقنا؛ ذلك الطفل الذي يدفعه فضوله لتجاوز كل الحدود، والقفز خارج مناطق الراحة، والترحيب بكل ما تأتي به الحياة"".
— آلان واتس
ثمة سحر خاص يكتنف كلمة ""الفضول""، فهي ليست مجرد مفهوم نظري، بل أداة عملية قابلة للتطبيق، ومنبع للإلهام والطموح في آن واحد. تجمع هذه الكلمة بين البساطة الشديدة والتعقيد العميق؛ ولطالما كانت رفيقة دربي في قاموسي الشخصي والمهني، ولا أزال أكتشف فيها معاني وأبعاداً تتسع يوماً بعد يوم. ورغم أن الصورة الذهنية التقليدية التي تقترن بالفضول هي صورة طفل في ربيعه الرابع لا يتوقف عن إمطار من حوله بأسئلة وعلامات استفهام حول كل صغيرة وكبيرة، إلا أنني أصبحت أنظر إلى الفضول اليوم بوصفه ممارسة حياتية مستمرة، ومهارة تحتاج إلى صقل دائم، وعقلية واعية نتبناها حتى تتحول إلى عادة راسخة. وأكاد أجزم أن هذه العادة هي واحدة من أهم الركائز التي يجب على القادة المعاصرين غرسها في ذواتهم ليتمكنوا من إدارة دفة القيادة بكفاءة واقتدار.
في العام المنصرم، قمت بصياغة قراءة تلخيصية لكتاب ""خمسة عشر التزاماً للقيادة الواعية""، وهو واحد من أقرب الكتب إلى قلبي في الفكر القيادي. تتمحور فكرة الكتاب حول نموذج هندسي بسيط للغاية وهو ""الخط المستقيم""، حيث يفترض المؤلفون أن المرء منا يقف في أي لحظة من حياته إما ""فوق الخط"" أو ""تحته"". فحينما نكون في المساحة التي تعلو الخط، فإننا نتبنى عقلية منفتحة ترحب بالفرص والاحتمالات؛ أما حينما نهبط تحت هذا الخط، فإننا نقع أسارى لمشاعر الخوف والنزعات الدفاعية الجامدة. ومن الطبيعي الإنساني جداً أن نجد أنفسنا تحت الخط في كثير من الأحيان، لكن التحدي الحقيقي يكمن في امتلاك الوعي واللغة القادرة على رصد موقعنا بدقة، ومن ثم اتخاذ قرار واعٍ بالارتقاء مجدداً وفوق الخط. ويمضي المؤلفون إلى أبعد من ذلك ليؤكدوا أننا في كل موقف نمر به، نكون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الالتزام بالفضول المعرفي والبقاء فوق الخط، أو الالتزام بإثبات أننا على صواب والتمترس خلف آرائنا تحت الخط.
وعندما نعلن انحيازنا التام للفضول، فإننا نفتح لأنفسنا أبواب التعلم، والنضج، وتطوير ذواتنا وشبكة علاقاتنا. وفي المقابل، حينما يصبح كل همنا هو الانتصار لآرائنا وإثبات صحة وجهة نظرنا، فإننا نصاب بعمى فكري يحجب عنا كل مظهر أو صوت باستثناء صدى أصواتنا ورؤيتنا الأحادية الضيقة.
في بداية عهدي بهذه الفكرة، قاومت بشدة هذا التناقض الصارخ بين الرغبة في الفضول والرغبة في أن نكون على صواب دائماً، بيد أنني كلما أمعنت النظر وأخضعت الأمر للتجربة العملية، تجلت لي هذه الحقيقة الساطعة؛ وفي مواقف أكثر مما أود الاعتراف به، ضبطت نفسي متلبساً بالتمسك برأيي وإثبات صحة موقفي، وأدركت حينها بوضوح أنني في اللحظة التي اخترت فيها أن أكون ""على صواب""، كنت أتنازل طواعية عن أثمن ما أملك، وهو فضولي وشغفي بالمعرفة.
وفي سياق متصل، تتحدث نانسي كلاين في كتابها الفذ ""وقت للتفكير"" عن القوة الخارقة التي تنبع من منح الطرف الآخر إنصاتاً كاملاً ومخلصاً لا تشوبه شائبة تشتيت. والسؤال هنا: كيف نصل إلى هذه المرتبة من الإنصات؟ الإجابة تكمن في توليد اهتمام صادق وفضول حقيقي لمعرفة مكنونات نفس الطرف الآخر والوقوف على أبعاد تجربته.
وحينما خطوت خطواتي الأولى في عالم التوجيه والإرشاد المهني، كنت أقع أحياناً في حبائل التشتت ويتسلل إليّ شيء من السأم، ولكن ما إن ألزمت نفسي بممارسة الفضول الواعي وتدربت على إبداء اهتمام عميق بكل فكرة يطرحها العميل، حتى تبخر ذلك الشعور بالملل تماماً، وتحول شغفي باكتشاف عوالم عملائي وما سيميطون عنه اللثام في اللحظة التالية إلى متعة ذهنية متجددة. وأيقنت حينها أن المحادثات الإنسانية بطبيعتها لا يمكن التنبؤ بمساراتها، وأن كل برهة تحمل في طياتها حيوية فريدة، وكان هذا الإدراك هو الترياق الشافي الذي خلصني من عادتي المزمنة في مقاطعة حديث الآخرين.
إن الفضول في جوهره يعني الانفتاح المطلق على الآفاق الرحبة، والترحيب بالرؤى الجديدة والتفسيرات المبتكرة والأسئلة غير التقليدية. ولهذه المزايا، يبرز الفضول كأداة بالغة الأثر في إدارة النزاعات وفض الخصومات؛ فالتوقف للحظة والتحول من المقاومة إلى رغبة حقيقية وفضول صادق لفهم ما يدور في خلد الطرف الآخر وما يرمي إليه، قد يكون السلاح الأكثر فاعلية وجدوى في حقيبة أي ساعٍ للإصلاح وحل الخلافات.
الأبعاد البيولوجية والعصبية لظاهرة الفضول
إذا كانت هذه الأطروحات تبدو منطقية من الناحية البديهية، فإن الأبحاث العلمية الحديثة بدأت تزيح الستار عن الأسس البيولوجية والعصبية التي تفسر هذه الظاهرة. فقد سلطت مجلة ""سبيكتيفيك أمريكان"" الضوء على دراسة علمية صدرت في عام ألفين وأربعة عشر، شارك في قيادتها عالم الأعصاب الشهير شاران رانغاناث من جامعة كاليفورنيا ديفيس، حيث تواصلت الدراسة إلى أن حالة الفضول تحدث تحولاً في كيمياء الدماغ، مما يرفع من كفاءة الذاكرة في الاحتفاظ بالمعلومات ويعزز القدرة على التعلم.
وقد جاءت تفاصيل هذه الدراسة مثيرة للدهشة والاهتمام، حيث طلب الباحثون من تسعة عشر متطوعاً الإجابة عن مجموعة من أسئلة الثقافة العامة والتفاصيل النادرة، من قبيل: ""ما هو المعنى الحقيقي لمصطلح ديناصور؟"" أو ""ما هي الأغنية المنفردة لفرقة البيتلز التي تربع صيتها على قوائم الصدارة لأطول فترة بلغت تسعة عشر أسبوعاً؟"". وطُلب من المشاركين تحديد مستوى فضولهم لمعرفة الإجابات الصحيحة. إثر ذلك، عُرض على كل مشارك مائة واثني عشر سؤالاً، كان نصفها يثير شغفهم بشدة بينما لم يحظَ النصف الآخر بأي اهتمام لديهم، وفي هذه الأثناء كان الباحثون يراقبون نشاط أدمغتهم عبر تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. وكان الباحثون يعمدون بعد عرض كل سؤال إلى الانتظار لبضع ثوانٍ يعرضون خلالها صورة لوجه شخص عشوائي لا علاقة له بالسؤال، قبل أن يكشفوا عن الإجابة الصحيحة. وفي الختام، خضع المشاركون لاختبار لقياس مدى تذكرهم للأسئلة وصور الوجوه العابرة، وهنا تجلت النتيجة المذهلة:
""اكتشف رانغاناث وفريقه العلمي أن شغف المشارك وفضوله لمعرفة إجابة سؤال معين لم يسهم فقط في تثبيت الإجابة الصحيحة في ذاكرته، بل امتد أثره ليجعل الدماغ قادراً على تذكر صورة الوجه العشوائية غير المرتبطة بالسؤال والتي سبقت الإجابة. وأكد اختبار متابعة أُجري بعد مرور أربع وعشرين ساعة النتيجة ذاتها؛ إذ تذكر الأشخاص الوجوه التي اقترنت بأسئلة مثيرة للشغف بدقة فائقة. ومفاد ذلك أن الفضول يهيئ خلايا الدماغ ويعيد صياغة جاهزيتها لاستقبال المعرفة وتخزينها في الذاكرة طويلة المدى بشكل أعم وأشمل"".
ولم تتوقف الاكتشافات عند هذا الحد، بل وجد الباحثون أن هرمون ""الدوبامين""، وهو الناقل العصبي المسؤول عن مشاعر المتعة والتحفيز والمكافأة، يتدفق في الدماغ في مرحلة ترقب الإجابة وانتظارها، وليس فقط عند معرفتها. بمعنى أن الدوائر العصبية التي تضيء نشاطاً وتوهجاً عندما نحصل على مكافأة مالية أو قطعة حلوى، هي ذاتها التي تنشط في حالة الفضول؛ مما يعني أن الفضول في حد ذاته يمثل مكافأة ذاتية مبهجة للدماغ.
وعلاوة على ذلك، أظهرت الدراسة أن الفضول يحفز منطقة ""الحصين"" في الدماغ، وهي المركز المسؤول عن نحت الذكريات وحفظها. وهذا يفسر تماماً سبب تذكر تلك الصور العشوائية، ففي اللحظة التي عُرضت فيها، كان الدماغ يسبح في بحر من كيمياء الفضول، مما جعله إسفنجة قادرة على امتصاص كافة المؤثرات والتعلم من البيئة المحيطة. وفي قراءتهم الختامية، كتب الباحثون: ""إن هذه النتائج المخبرية قد تكون في الواقع دون الحجم الحقيقي للتأثيرات الهائلة التي يحدثها الفضول على وتيرة تعلمنا في تفاصيل الحياة اليومية"".
كيف نمارس الفضول في واقعنا؟
إن الاحتفاظ بجذوة الفضول متقدة، لا سيما في الأوقات التي تشتد فيها الضغوط والتحديات، ليس بالخيّن؛ إذ نسقط غريزياً في فخ الرغبة العارمة في امتلاك الإجابات الفورية وإثبات أننا على حق، مما يحرمنا من فرص التعلم والنضج في اللحظات التي نكون فيها في أشد الحاجة إليها. ولعل التمسك بالفضول أثناء محادثة محتدمة أو عند ترنح مشروع ما يبدو أمراً يتنافى مع المنطق الاندفاعي الأول، لكنه في حقيقة الأمر الترياق الوحيد لكسر الجمود والخروج من المأزق.
ولكن، كيف السبيل إلى صياغة الفضول وتحويله إلى عادة ملازمة لنا؟ إليكم جملة من الأفكار والممارسات المقترحة:
أولاً وقبل كل شيء، يجب أن ندرك أن الفضول يستلزم الحضور الذهني الكامل والتواجد الواعي في قلب اللحظة، ومنح الأشخاص والمواقف انتباهنا الخالص. وحينما نستشعر أن رغبة الانتصار للرأي بدأت تفرض سطوتها علينا، يتعين علينا تسمية الأشياء بمسمياتها، وأخذ أنفاس عميقة، وإعادة توجيه بوصلتنا نحو الفضول. تعرفوا على العلامات الجسدية والنفسية التي ترسلها ذواتكم عندما تتمترسون خلف آرائكم، حتى يتسنى لكم رصدها وتصحيح المسار بمرونة وسرعة.
ثانياً، راقبوا بدقة النسبة بين مساحات الإنصات وطرح الأسئلة من جهة، ومساحات إملاء الأوامر والحديث المسترسل من جهة أخرى. فالفضول الحقيقي يفرض علينا الإنصات للآخرين بتجرد وعزل الأحكام المسبقة، ويتطلب شغفاً صادقاً بمعرفة منطلقاتهم وأفكارهم، والإقرار الشجاع بأن ثمة رؤى غير رؤيتنا قد تفوقها صواباً، وأننا لسنا بمعزل عن الخطأ.
ثالثاً، الإيمان الراسخ بأن القيادة في عصرنا الراهن لم تعد تتمحور حول احتكار المعرفة وامتلاك الأجوبة الجاهزة، بل أصبحت مرادفة للقدرة على التعلم المستمر. فالواقع المعقد الذي نعيشه يتجاوز في تشابكه وجود حلول معلبة وصالحة لكل زمان ومكان؛ وإن القبول بمبدأ ""عدم المعرفة المسبقة"" هو الذي يفتح الأبواب على مصراعيها لاستكشاف الممكن واستشراف الخطوات القادمة بوعي.
رابعاً، عدم إغفال أهمية الرعاية الذاتية. فعندما نرزح تحت وطأة الإنهاك الجسدي، أو نتغافل عن أخذ فترات راحة كافية، أو نعاني من الحرمان من النوم، فإننا ننزلق تلقائياً وتحت الخط، ونفقد مخزوننا الاستراتيجي من الحضور الذهني والقدرة على ممارسة الفضول.
زراعة الفضول في الحقول المؤسسية
لا تنحصر مسؤوليتنا كقادة في مراقبة مستويات فضولنا الشخصي فحسب، بل تمتد لتشمل زراعة هذه العادة وتنميتها في نفوس فرق عملنا والمحيطين بنا. وفي هذا الصدد، يذكر ماريو ليفيو، مؤلف كتاب ""لماذا: ما الذي يجعلنا فضوليين""، في مقابلة له:
""إن معظم السمات النفسية، والفضول ليس بمنأى عنها، تحمل في طياتها مكوناً وراثياً وجينياً؛ وحقيقة أن بعض البشر يفوقون غيرهم شغفاً وفضولاً تعود في جزء منها إلى الخارطة الجينية. ولكن، وكما هو الحال في كافة الصفات الإنسانية، فإن الوراثة لا تروي القصة كاملة، بل نجد أنفسنا أمام التداخل الشهير بين الطبيعة والتنشئة، فكلاهما يترك بصمته. إذ يمكننا إشعال فتيل الفضول وتعزيزه بممارسات واضحة، كالتحفيز على طرح الأسئلة وتشجيع الأفراد على استكشاف المجهول، تماماً كما يمكننا وأد هذا الفضول وكبته عبر الأنظمة الإدارية الصارمة والأيديولوجيات الجامدة"".
وينقلنا هذا الحديث إلى ركيزة بالغة الأهمية في الفكر القيادي والتنظيمي الحديث، ألا وهي ""الأمان النفسي"". ففي دراسة حديثة نشرتها أليسون رينولدز وديفيد لويس في مجلة ""هاروارد بيزنس ريفيو"" حول ديناميكيات فرق العمل، أظهرت النتائج أنه على الرغم من الأهمية البالغة للتنوع المعرفي (أي جمع عقول تفكر وتخوض في معالجة الأمور بأساليب متباينة في غرفة واحدة)، إلا أنه يظل عاجزاً بمفرده ما لم يقترن ببيئة حاضنة:
""إن المجموعات التي سجلت أداءً استثنائياً كانت تقابل الأخطاء بفضول معرفي بنّاء، وتتقاسم المسؤولية المشتركة عن النتائج والمخرجات؛ ونتيجة لهذه الروح، غدا بمقدور الأفراد التعبير عن ذواتهم وطرح أفكارهم ورؤاهم دون وجل من تبعات النقد الاجتماعي أو اللوم. إن البيئة التي صاغوها عبر تفاعلاتهم اليومية هي ما نطلق عليه بيئة الأمان النفسي"".
ويعرف الباحثون الأمان النفسي بأنه ""اليقين الراسخ لدى الموظف بأنه لن يتعرض للعقاب أو التهميش أو الإهانة إذا ما جهر بفكرة، أو طرح سؤالاً، أو أبدى مخاوف، أو حتى وقع في حبائل الخطأ"". وينبه الباحثون إلى أن هذه السمة على قدر عالٍ من الهشاشة، إذ يمكن نسفها وتدميرها في لمحة بصر بسبب تنهيدة تذمر أو استنكار صدرت في غير محلها. فالبيئات التي تسمح للأفراد بالمشاركة بنبضهم الكامل، وتجفف منابع القلق الاجتماعي والسلوكيات الدفاعية، هي البيئات الآمنة نفسياً، وهي بالتالي الحقول الخصبة التي ينمو فيها الفضول الحقيقي.
وقد أثمرت أبحاث المؤلفين عن تحديد السلوكيات والمشاعر الأكثر ارتباطاً بالفرق ذات الأداء العالي؛ تلك الفرق التي تتربع على قمة التنوع المعرفي، والأمان النفسي، والقدرة التكيفية. وتجلت هذه الصفات في كلمات محددة: فضولي، مشجع، تجريبي، متسائل، محتضن، وقوي ومؤثر. ولا تعكس هذه المفردات أهمية الفضول فحسب، بل ترسم لنا معالم الطريق لزراعته. ولعل المفردة الأخيرة ""قوي ومؤثر"" تستوقفنا بغرابتها، فالقوة هنا في هذا السياق تعني: الحزم والشجاعة في التعبير عن الأفكار وإخضاعها للتحليل والتشريح المعمق والمكثف.
إن التحلي بالفضول لا يعني بأي حال من الأحوال أن نكون بلا موقف أو مجردين من الآراء؛ بل يعني أن تكون عقولنا وقلوبنا منفتحة على التحدي، ومستعدة لقبول فكرة أننا قد نكون على خطأ. وهذا يتقاطع مع واحدة من القواعد الذهبية المفضلة لدي في إدارة مجموعات العمل، والتي تتلخص في شعار: ""آراء راسخة، متمسك بها بمرونة"". فمن الأهمية بمكان، لا سيما في المواقع القيادية، أن تكون لدينا قناعات وآراء قوية، ولكن الأهم هو أن نرسل إشارات واضحة لفرقنا بأننا نرحب بنقد هذه الآراء ومراجعتها، وأن نكون القدوة الحية في ذلك ليحذو الآخرون حذونا.
وفي ذات السياق، تأتي الأبحاث المعمقة التي أجرتها شركة ""جوجل"" حول أسرار تميز فرق العمل لتؤكد القوة السحرية للأمان النفسي. فقد خلصت النتائج إلى أن الفرق التي يحظى فيها الأعضاء بفرص متساوية في التعبير والحديث، وحيث يبدي الأفراد حساسية وتفهماً للحالة المزاجية لبعضهم البعض ويرتبطون بروابط إنسانية وشخصية، هي الفرق التي تربعت على عرش الأداء الأعلى والإنتاجية الأرقى؛ وهذه هي البيئة المثالية التي يتنفس فيها الفضول الحقيقي.
إن رعاية الفضول وتنميته داخل المؤسسات تتطلب منا سهر المستمر على صون الأمان النفسي، وتحفيز ثقافة التساؤل والتجريب. يتعين علينا غرس اليقين بأن الاختلاف في الرأي مكفول، وأنه لا عواقب سلبية لقول فكرة قد لا تحالفها الصواب، وعلينا أن نجسد بأفعالنا الاهتمام الصادق بكل ما ينطق به أفراد فريقنا.
نخلص من ذلك كله إلى أن الفضول هو سمة ملازمة للمؤسسات الرائدة وعادة شخصية أصيلة في الآن ذاته. نولد جميعاً ومنا هذه الهبة، ومسؤوليتنا تكمن في تعهدها بالرعاية والصقل. ومن السهولة بمكان أن ننجرف وراء رغبة الانتصار للذات وإثبات أننا على صواب دائماً متناسين فضولنا المعرفي، لكن الثمن الذي ندفعه جراء هذا الانجراف باهظ للغاية، على الصعيدين الفردي والمؤسسي. ومثل كل الأمور العظيمة والجوهرية في هذه الحياة، يحتاج الفضول إلى وعي متيقظ والتزام لا ينقطع، ليبقى دائماً في صدارة تلك الأشياء التي نصفها بأنها: ""بسيطة في المفهوم، ولكنها ليست سهلة في التطبيق"".
