بقلم: روني هيندل-جيلر
قبل نحو عامين، وأثناء قراءتي لكتاب ""عادات بسيطة للأوقات المعقدة"" لمؤلفته جينيفر غارفي بيرجر، استوقفتني التفرقة بين مفهومين نخلط بينهما كثيراً، وهما: ""المعقد"" و""المتشابك"". لقد كان هذا التمييز، أكثر من أي شيء آخر تعلمته في حياتي المهنية، المفتاح الذي فتح لي أبواب الفهم لأسباب شعورنا الدائم بالإنهاك والإحباط أمام معضلات العمل. والجانب الأكثر تحرراً وعمقاً في هذا الإدراك هو اكتشافي أن العجز عن حل مشكلة ما لا يعود في معظم الأحيان إلى قصور في الذكاء أو قلة في المعرفة، بل هو نتاج طبيعي للوقوف وجهاً لوجه أمام تحدٍ يتسم بالتعقيد المطلق وغموض المسار. وكنت كبقية من حولي ومن أعمل معهم، نتعامل مع المعضلات المعقدة وكأنها مجرد مشكلات مشتبكة ومترابطة الأجزاء. فالمشكلات المشتبكة، وإن كانت تتطلب خبرة تخصصية وتتداخل فيها الخيوط والعناصر، إلا أن الوصول إلى إجاباتها يظل ممكناً، وصياغة الخطط المحكمة لها تظل متاحة. أما في حالة التعقيد الحقيقي، فإن الحلول تكون محجوبة عن الرؤية المستقبلية، ولا يمكن استيعابها وفهم أبعادها إلا بأثر رجعي وقراءة متأنية لما استقر بعد انقضاء الموقف.
وحين استقرت هذه التفرقة في ذهني، بدأت أطبق عملياً فكرة ""التجارب الآمنة الفشل""، وهي من أهم الأدوات المعتمدة في بيئات التعقيد، وصِرت أميل إلى استعارة مفهوم ""الملاحة وتوجيه الدفة"" كلما واجهت موقفاً معقداً. ويقيني أنني وجدت في هذا الأسلوب مرونة نفسية جعلتني أتعامل باسترخاء مع أمور كانت تثير مخاوفي في السابق، ولأول مرة في حياتي المهنية، وجدت نفسي أتقبل الفشل بصدق كجزء من عملية التعلم.
لكن ما لم أكن أدركه في ذلك الوقت هو أن ما خفي عني في علم التعقيد كان أعظم بكثير. فقبل بضعة أشهر، وتحديداً بفضل جينيفر غارفي بيرجر مرة أخرى، تعرفت على إطار عمل ""كنيفين"" (Cynefin) الذي ابتكره العالم ديف سنودن مستنداً إلى أبحاث الأنظمة التكيفية المعقدة. وإذا كان هذا المجال يثير شغفكم، فإنني أنصحكم بمتابعة برنامج ""التيار الإنساني"" (The Human Current) وهو بودكاست شهير تقدمه أنجي كروس وهالي كامبل غروس، يستضيف نخبة من العقول التي تبحر في عالم التعقيد بأسلوب يجمع بين الفائدة والمتعة.
وتعود كلمة ""كنيفين"" إلى أصول ويلزية وتعني البيئة الحاضنة أو الموطن، ويتألف هذا الإطار من خمسة نطاقات أساسية. فالمعقد والمتشابك، إلى جانب البسيط والفوضوي، يشكلون معاً خريطة ترشدنا من النطاق الأعلى والأسهل في التنبؤ إلى النطاق الأدنى والأشد غموضاً. وإن تحديد النطاق الذي تقع فيه المشكلة بدقة، سواء كانت بسيطة واضحة، أو متشابكة، أو معقدة، أو فوضوية، يمنحنا الرؤية السديدة لاختيار أسلوب التعامل الأنسب معها. أما النطاق الخامس فهو نطاق الشتات والاضطراب، وهو النتيجة الطبيعية لغياب الرؤية وعدم القدرة على تحديد طبيعة المشكلة وتصنيفها. وفي هذا السياق، يذكر سنودن وزميلته ماري بون في مقال منشور عام ألفين وسبعة في مجلة هاروارد بيزنس ريفيو، يستعرض هذا الإطار ببراعة، قائلين: ""في هذا النطاق، تتنازع الرؤى المختلفة وتتصارع من أجل فرض سيطرتها، ويدخل القادة الفئويون في جدال عقيم، وتصبح الفوضى العارمة هي سيد الموقف"".
ويتميز إطار كنيفين عن غيره من النماذج التقليدية ذات المربعات الأربعة الجافة والتصنيفات الجاهزة، بكونه حيوياً وديناميكياً يحاكي واقع الحياة الفوضوي. فالأمر الذي يلوح في الأفق بسيطاً اليوم، قد يهوي بنا إلى قاع الفوضى إذا ما تبدلت الظروف وتغافلنا عن إدراك هذا التحول. كما أن الأمور قد تتداخل وتتمدد عبر أكثر من نطاق واحد، فالحدود هنا مرنة وليست قاطعة. ولا يمكننا وصف أي نطاق في هذا الإطار بأنه خير مطلق أو شر مطلق؛ فرغم أننا نسعى جاهدين لتجنب إحداث الفوضى، إلا أن تقلبات الواقع قد تفرضها علينا أحياناً، وفي كثير من الأحيان يمكننا تفكيك الجوانب المشتبكة والبسيطة وعزلها عن الجوانب المعقدة، مما يجعل المعضلات أكثر طواعية للحل والإدارة. ويتطلب كل نطاق من هذه النطاقات مهارات خاصة وأدوات متباينة لاتخاذ القرارات المناسبة.
ولمن يرغب في إلقاء نظرة سريعة على هذا الإطار، أنصح بمشاهدة مقطع فيديو قصير لا يتجاوز الأربع دقائق. ومما تجدر ملاحظته أنه كلما تراجعت قدرتنا على التنبؤ وانتقلنا نحو النطاقات الأكثر غموضاً، تتبدل طبيعة العلاقة بين الأسباب والنتائج، وتتحول المعارف المتاحة والممكنة، وتتغير معها نوعية الممارسات المطلوبة بشكل جذري. ويتلخص إطار كنيفين في التحرك عبر أربعة نطاقات رئيسية هي: البسيط الواضح، والمشتبك، والمعقد، والفوضوي.
لقد تملكتني حماسة بالغة تجاه هذا الإطار دفعتني للاطلاع على كل ما كُتب حوله، ومتابعة المرئيات والاستماع إلى التدوينات الصوتية بشغف. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ناقشته مع عملائي وزملائي، وحتى مع أشخاص التهمتني بهم الصدف في الطرقات. وقمت بطرحه في ورشة عمل جمعتني بكبار القادة في شركة تقنية يمتد عملي معهم لسنوات، وشهدت بنفسي كيف أحدث هذا الإطار لديهم التحول الفكري ذاته الذي عشته؛ إذ أعاد صياغة نظرتهم لكيفية مواجهة المعضلات الشائكة، مستندين إلى تقبل ما يمكن معرفته والاعتراف بحدود ما لا يمكن الإحاطة به. كما ساعد هذا الإطار عملائي على إدراك حقيقة هامة، وهي أنه إذا أرادوا قيادة مؤسسة تواجه تحديات معقدة، وأزعم أن كل مؤسسة في عصرنا الحالي تواجه ذلك، فإن عليهم التصالح تماماً مع فكرة ""عدم المعرفة المسبقة""، وهو أمر يستلزم بناء قدرات ومهارات جديدة. فالتعامل مع التعقيد يفرض علينا فتح الأبواب لوجهات النظر المتنوعة، والتخلي عن اتكالنا التقليدي المفرط على رأي الخبير الواحد، ففي بيئة التعقيد تفقد الخبرة الفردية كفايتها، ويصبح التعاون وتعدد الرؤى ضرورة لا غنى عنها.
وبناءً على هذه الرؤية الشاملة التي يستند إليها إطار كنيفين، ورغم اتساع هذا العلم وتشعب تفاصيله، أود أن أشارككم ست ممارسات عملية وقابلة للتطبيق الفوري لاستلهام أفكار هذا الإطار والانتفاع بها.
تحديد نطاق المشكلة بدقة
حين عرضت إطار كنيفين على عملائي، طلبت منهم تشريح تحدٍ حقيقي مروا به وقراءته من منظور هذه النطاقات المختلفة. فتحول هذا التمرين البسيط إلى حوار استثنائي وعميق حول مشروع يعد الأشد تعقيداً والأقل نجاحاً في تاريخ الشركة. واكتشف القادة في تلك الجلسة أن النهج السائد في المؤسسة كان يميل دائماً إلى افتراض أن كل الأمور بسيطة أو مشتبكة على أقصى تقدير، وهو ما كان يقودهم في النهاية إلى مربع الفوضى. إن فهم طبيعة التحدي واستيعاب مكامن التعقيد فيه قد فتح آفاقاً جديدة لاتخاذ قرارات مغايرة وسمح بظهور أساليب عمل مبتكرة. ولو أنهم في ذلك المشروع قاموا بتسمية الأمور بمسمياتها وقدروا حجم المجهول حق قدره، لاختلفت طريقة إدارة العلاقة مع العميل تماماً، ولأتاحوا مساحة لتطوير المشروع وتكييفه خطوة بخطوة، بدلاً من تقييد أنفسهم بميزانية جامدة وخطة عمل ولدت ميتة ومحكوم عليها بالفشل منذ اليوم الأول.
التمهل والتباطؤ الواعي
إن إتقان العمل في بيئات التعقيد يتطلب منا كبح جماح السرعة والتمهل قليلاً. ففي التمهل وحده تكمن القدرة على رصد وتأمل ما يدور في محيطنا بدقة، وإتاحة الوقت الكافي لطرح الأسئلة الحصيفة، والاستماع والملاحظة العميقة. وحين نتباطأ، تتضح أمامنا الملامح والحلول التي تبحث عن فرصة للظهور. ومن الأفكار الملهمة في إطار كنيفين ونظريات التعقيد بصفة عامة، ما يُعرف بـ ""رصد الإشارات الضعيفة""، ويعني هذا المفهوم أن نكون على درجة عالية من الحساسية والانتباه للتفاصيل الصغيرة العابرة في البيئة المحيطة، والتي يصفها سنودن بـ ""الهوامش""، إذ قد تكون هذه التفاصيل مصدراً لمعلومات جوهرية وحيوية. وإذا استسلمنا لإيقاع السرعة والتسرع، سنفقد حتماً تلك الإشارات الصغيرة التي ترشدنا نحو الملاحة الآمنة في عالم التعقيد.
التعايش مع الفوضى وعدم الترتيب
من خلال قراءاتي واستماعي المستمر لكل ما يخص علم التعقيد، يتأكد لي يومياً أن قبول هذا المفهوم يقتضي منا الاعتراف بحقيقة واضحة؛ وهي أنه عندما تبدو الأمور مستعصية على الفهم والحلول بعيدة المنال، فهي كذلك بالفعل في تلك اللحظة. وبدلاً من استهلاك الطاقات في محاولة فرض نظام صارم بالقوة، يجدر بنا تمثل نصيحة سنودن التي أوردها في مدونته مؤخراً إذ يقول فيها: ""تروضوا على التعايش مع الاختلاف في الرأي وقبول قسط من الفوضى وعدم الترتيب. فكلما ارتقيت في سلم المسؤولية واجهت تحديات أكبر، وتراجعت قدرتك على فرض النظام الآلي، لذا تدرب على العيش في غياب هذا النظام في مرحلة مبكرة من مسيرتك المهنية"".
تبني ثقافة التجريب المستمر
إن الركيزة الأساسية للنجاح في بيئة التعقيد هي الشعور بالارتياح التام تجاه مبدأ التجريب. ويقع ابتكار وتطبيق ""التجارب الآمنة الفشل"" واستخلاص الدروس والعبر منها في السويداء من علم التعقيد. وحين تواجه تحدياً معقداً، اجعل سؤالك الدائم لنفسك: ""ما هي الخطوة الصغيرة التي يمكنني اختبارها الآن؟"". وتذكر دائماً أن المعضلات المعقدة لا تملك جواباً نموذجياً واحداً، وأنك في مرحلة استكشاف وملاحة لرسم الطريق. وإذا تفتق ذهنك عن عدة أفكار صغيرة، فلا تتردد في اختبارها جميعاً.
العمل الجماعي وتعدد الآراء
يقوم علم التعقيد على قناعة راسخة بأن الخبرة الفردية وحدها قاصرة، وأن القرارات الفوقية الصارمة لن تجدي نفعاً، بل لا بد من تلاقح الرؤى وتعدد وجهات النظر. ويؤكد سنودن على ذلك بقوله: ""في النطاقات المعقدة، تصبح خطوط السيطرة الصارمة، والسلطة الهرمية الجامدة، والسعي لتجنب النقاشات أو الحوارات الجانبية، ممارسات غير مستحبة وتأتي بنتائج عكسية"". وفي ختام نقاشي مع عملائي حول تحديهم المعقد، طلبت منهم تدوين قائمة بالأفعال التي يلتزمون بها في مواجهة التعقيد، وتلك التي يتجنبونها. فجاء على رأس قائمة الالتزامات ""إشراك الآخرين والاستئناس بآرائهم""، بينما تصدر قائمة المحظورات ""الارتداد إلى أسلوب القيادة والسيطرة التقليدي"". وهنا أدركوا أن الأسلوب الذي يندفعون إليه غريزياً في الأزمات هو الأسلوب الأقل فاعلية على الإطلاق.
الممارسة والتدريب المستمر
تنزع الطبيعة البشرية بطبعها نحو اليقين والوضوح، وقد جُبلت عقولنا بيولوجياً على التعامل مع المؤثرات الخارجية ب ردود أفعال فورية وحاسمة. ولعل العقبة الكأود في التعامل مع التعقيد، والحاجز الحقيقي أمام تبني الاستراتيجيات السابقة، هو حاجتنا الماسة لبناء صلابة داخلية وقدرة نفسية على تحمل الغموض، وتقبل عدم اليقين، والتعايش مع عدم المعرفة المسبقة. وهذا التحول لن يتأتى لمعظمنا إلا عبر المران والممارسة وبناء عادات وروتين يومي جديد. وبالنسبة لي، فقد ساهم التأمل الصباحي في صقل قدرتي الذاتية على استيعاب التعقيد وتقبله، بل والترحيب به كجزء من جماليات الحياة والعمل.
وتتعدد الممارسات والعادات التي يمكن للمرء صياغتها وتبنيها في هذا الصدد، ومن واقع تجريبتي، فإن أفضل العادات هي تلك التي تمنحنا مساحة للتوقف والتقاط الأنفاس. وفي جلسات التوجيه والإرشاد التي أقدمها، أركز كثيراً على تدريب العملاء على تحويل المؤثر الخارجي، الذي يستفز فينا عادة رغبة عارمة في إبداء رد فعل سريع، إلى إشارة تنبيهية تدعونا للتوقف الوجيز وأخذ نفس عميق. وإن اختبار هذا التكتيك في مواقف يومية بسيطة وبعيدة عن الضغوط الكبرى يمثل تجربة نموذجية ناجحة وآمنة الفشل.
خوض تجربة البدء
التفت الآن إلى تحدٍ حقيقي يواجهك في مسيرتك الحالية، وتأمله جيداً؛ هل تنظر إليه باعتباره أمراً معقداً أم مشتبكاً؟ وهل هذا التقييم منصف ودقيق؟ إذا وجدتم أن هذا التحدي ينطوي ولو في جزء يسير منه على صفة التعقيد، فما الذي تنوون تغييره في أسلوب معالجته؟ والسؤال الأهم: ما هي التجربة البسيطة والخطوة الأولى التي ستخطونها اليوم لتبدأوا رحلة التمهل، والتوقف، والتقاط الأنفاس؟
بالنسبة لي، فإن تبني لغة التجريب واستعارة مفاهيمها قد أتاح لي مقارعة التحديات المهنية والشخصية بمرونة فائقة وخوف أقل. ورغم إدراكي التام بأن الطريق أمامي لا يزال طويلاً، إلا أنني أجد نفسي اليوم أكثر قدرة على الاسترخاء والهدوء أمام أمواج التعقيد، متصالحاً مع الفوضى، ومستمتعاً بتفاصيل الرحلة؛ وأتمنى لكم من أعماقي رحلة مماثلة وملهمة.
