بقلم: روني هيندل-جيلر
على الرغم من أنني أحرص على ممارسة التأمل يوميًا، وأتمتع بعادات جيدة إلى حد معقول في التخطيط وتنظيم الوقت، فإنني أجد نفسي سريع التشتت، بل إن الأمر يبدو وكأنه يزداد سوءًا مع مرور الوقت. فمواقع التواصل الاجتماعي تعج بفيض لا ينقطع من المعلومات المثيرة للاهتمام، وكثير منها يحمل قيمة حقيقية فعلًا. أما الرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني فلا تكف عن المطالبة برد فوري، والأخبار العاجلة لا تتوقف عن الظهور وكأن العالم بأسره يعيش حالة دائمة من الاستعجال.
أصبح تخصيص وقتي لما يستحق الاهتمام فعلًا، والقدرة على تجاهل الضجيج المتواصل الذي يحيط بنا من كل جانب، أحد أصعب التحديات التي أواجهها في حياتي اليومية. وأنا على يقين من أنني لست الوحيد الذي يعاني هذا الأمر.
لهذا السبب قررت أن أتوقف قليلًا عند ظاهرة التشتت، وأن أحاول فهمها بعمق أكبر. أردت أن أعرف ما الذي يحدث لنا بالضبط، ولماذا أصبح الحفاظ على التركيز أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق، والأهم من ذلك أن أبحث عن عادات جديدة تساعدني على التعامل مع هذه المشكلة بصورة أفضل.
وأول ما لفت انتباهي أن قابلية الإنسان للتشتت ليست ظاهرة حديثة نشأت مع الهواتف الذكية أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. فمنذ فجر التاريخ صُمم الدماغ البشري ليراقب البيئة المحيطة باستمرار، وأن يلتقط أي إشارة قد تدل على وجود خطر أو تهديد. وقد وصف أحد الباحثين هذه الحقيقة بقوله إن الإنسان يولد مهيأً للاستجابة للمقاطعات والتنبيهات، فهذه هي الآلية التي مكّنته عبر آلاف السنين من البقاء متيقظًا لما يدور حوله.
لكن المشكلة أن العالم الذي تشكلت فيه أدمغتنا لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. فالإنسان القديم كان يحتاج إلى هذه اليقظة المفرطة كي ينجو من الحيوانات المفترسة أو الأخطار الطبيعية، أما نحن فنتعرض يوميًا لعشرات بل مئات التنبيهات التي تستدعي انتباهنا من دون أن تشكل أي خطر حقيقي. ومع ذلك ما زال الدماغ يتعامل معها بالطريقة نفسها تقريبًا، فيمنحها قدرًا من الاهتمام لا تستحقه.
ومن هنا تبرز حقيقة مهمة كثيرًا ما نتجاهلها: الانتباه هو أثمن مورد نملكه.
وقد عبّر عالم النفس والفيلسوف ويليام جيمس عن هذه الفكرة بوضوح لافت قبل أكثر من قرن من الزمن. فقد رأى أن الانتباه هو قدرة العقل على أن يختار شيئًا واحدًا من بين أشياء كثيرة متاحة في اللحظة نفسها، وأن يمنحه حضوره الكامل ووعيه الكامل. وهذا الاختيار لا يتحقق إلا بالتخلي المؤقت عن أشياء أخرى واستبعادها من دائرة التركيز. أما النقيض الحقيقي للانتباه فهو تلك الحالة الذهنية التي يتشتت فيها الفكر بين اتجاهات متعددة، فلا يثبت على شيء، ويغدو الإنسان مشوشًا ومبعثرًا وعاجزًا عن الإنجاز.
لهذا كانت القدرة على تحديد ما يستحق اهتمامنا وما لا يستحقه عنصرًا أساسيًا في كل عمل إبداعي أو فكري أو مهني ذي قيمة. ولم يكن هذا الأمر مهمًا في الماضي فحسب، بل يبدو أنه أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
فالحفاظ على التركيز اليوم بات أصعب بكثير مما كان عليه قبل سنوات قليلة. ومع كل يوم يمر تزداد القوى التي تتنافس على جذب انتباهنا، وتصبح أكثر ذكاءً وخفاءً وإلحاحًا. فوسائل التواصل الاجتماعي، ورسائل البريد الإلكتروني، وتطبيقات المراسلة، والتنبيهات التي لا تتوقف، كلها صُممت بعناية شديدة لتقنعنا بأن ما تعرضه علينا يستحق اهتمامنا الفوري. والهواتف الذكية التي نحملها معنا في كل مكان أصبحت البوابة التي تتدفق عبرها هذه المطالب بلا انقطاع، حتى بات من الصعب أن نجد لحظة نخلو فيها تمامًا لأنفسنا.
أتذكر أنني كنت أتابع لسنوات طويلة الكاتب والمدون أندرو سوليفان. كان حاضرًا باستمرار في النقاشات العامة، ولا سيما خلال المواسم الانتخابية. كنت أستمتع بقراءته لما يتميز به من عمق في الرؤية وخفة في الأسلوب وسرعة في متابعة الأحداث. وكان أكثر ما يثير إعجابي فيه أنه بدا دائمًا حاضرًا في قلب المشهد، لا تفوته شاردة ولا واردة.
لكن المفاجأة أنه قرر في أحد الأيام أن يتوقف تمامًا.
وبعد فترة كتب مقالًا مطولًا يروي فيه تجربته مع ما سماه «مرض التشتت». تحدث فيه عن السنوات التي قضاها منغمسًا في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وعن الثمن النفسي والجسدي الذي دفعه نتيجة ذلك. وقد وصف التحول الذي شهده العالم الرقمي وصفًا بالغ الدقة.
ففي البداية كان التدوين نشاطًا يمارسه عدد محدود من الأشخاص. ثم جاء فيسبوك ومنح كل فرد منصة خاصة به وجمهورًا يتفاعل معه. وبعد ذلك انتشرت الهواتف الذكية على نطاق واسع، فأصبح الناس متصلين على مدار الساعة بسيل متدفق من الأخبار والمنشورات والتعليقات والتحديثات. ثم ظهر تويتر ليحول الأفكار العابرة إلى رسائل فورية تتسابق للوصول إلى الجمهور. ولم يلبث أن تبع ذلك انفجار هائل في عدد التطبيقات التي بدأت تتسلل إلى كل دقيقة من وقتنا الحر.
ويصف سوليفان هذه المرحلة قائلًا إن ما كان يُعد ضربًا من الجنون قبل سنوات قليلة أصبح هو الوضع الطبيعي للجميع. فما كان يُنظر إليه سابقًا باعتباره إيقاعًا مرهقًا لا يستطيع تحمله إلا المدونون المحترفون، تحول تدريجيًا إلى نمط الحياة السائد لملايين البشر.
وتشير إحدى الدراسات التي استشهد بها إلى أن الشباب كانوا يستخدمون هواتفهم الذكية نحو خمس ساعات يوميًا، موزعة على خمس وثمانين مرة مختلفة خلال اليوم الواحد. والأكثر إثارة للانتباه أن المشاركين في الدراسة كانوا يعتقدون أنهم يستخدمون هواتفهم بمعدل أقل بكثير من الواقع. بمعنى آخر، كانت التكنولوجيا تستحوذ على جزء كبير من حياتهم اليومية دون أن يدركوا ذلك إدراكًا كاملًا.
ولعل السبب في ذلك أن المنصات الرقمية الحديثة لم تُصمم لتكون أدوات محايدة، بل صُممت بحيث تكافئ المستخدم كلما عاد إليها. فكل إعجاب أو تعليق أو إشعار جديد يعمل كمكافأة صغيرة تدفعنا إلى العودة مرة أخرى. ولهذا تبدو المقاطعات الرقمية جذابة ومغرية، حتى عندما تعطل أعمالنا أو تقطع تركيزنا.
ويضيف سوليفان ملاحظة مهمة أخرى، وهي أن معظم هذه المشتتات لا تأتي من غرباء، بل من أشخاص نعرفهم أو نظن أننا نعرفهم. فهي مرتبطة بالأصدقاء والعائلة والزملاء والمعارف. ومنذ القدم كان الإنسان مهتمًا بمعرفة أخبار محيطه الاجتماعي، ولذلك نجد أنفسنا منجذبين إلى المعلومات الاجتماعية بالطريقة نفسها التي ننجذب بها إلى الأشياء التي تمنحنا المتعة الفورية. وعندما أصبحت هذه المعلومات متاحة بلا حدود، صار من الصعب مقاومة الرغبة في الاستمرار باستهلاكها.
