بقلم: جيل سوتي
عندما تم تشخيص والدتي بمرض الخرف المصحوب بأجسام ليوي، كان ذلك أحد أصعب الفترات في حياتي. لم أكن أتعامل فقط مع مسؤولية رعايتها، بل كنت أعيش أيضًا في ظل إدراك مؤلم بأن حالتها ستتدهور تدريجيًا حتى الوفاة. كنت أعيش في مساحة نفسية معلقة بين مرحلتين، أحاول الموازنة بين رعايتها ورعاية أطفالي الصغار والاهتمام بمرضاي، وفي الوقت نفسه أشعر بحزن واضح على الفقد الذي لم يحدث بعد لكنه كان يقترب.
هذا النوع من التجربة يُعرف باسم “الحزن الاستباقي”، وهو استجابة عاطفية لفقد لم يقع بعد. ورغم أنه شائع في حالات مرضى الأمراض العضال، إلا أنه لا يقتصر على ذلك، إذ يمكن أن يظهر أيضًا في مواقف أخرى مثل التقاعد من عمل مُرضٍ، أو مغادرة طفل للمنزل من أجل الدراسة، أو حتى الطلاق. وغالبًا ما يضع الإنسان في حالة نفسية معلقة وغير مستقرة تؤثر على توازنه وقدرته على الحضور في اللحظة.
ومثلما هو الحال مع الحزن بعد وقوع الفقد، فإن الحزن الاستباقي له خصائصه وتعقيداته الخاصة التي قد تجعل التعامل معه صعبًا، بحسب ألان وولفلت، مدير مركز الفقد والتحول في الحياة وأحد أبرز المتخصصين في هذا المجال. ورغم الميل الطبيعي إلى تجاهل هذه المشاعر أو دفعها بعيدًا، فإن إنكار الحزن والعيش في صمت معه لا يساعد غالبًا لا الشخص نفسه ولا من حوله على التكيف بشكل أفضل.
يقول وولفلت إن كثيرًا من الناس يحاولون أن يكونوا سعداء في لحظات يفترض بهم فيها أن يشعروا بالحزن، وهذا يمنعهم من استيعاب التحولات العميقة في حياتهم. ويضيف أن القدرة على التكيف مع الواقع تبدأ من الاعتراف به.
الحزن الاستباقي، مثل الحزن بعد الفقد، تجربة مؤلمة، لكن فهم طبيعته وإعطاء النفس مساحة للتعامل معه قد يساعد على تخفيف حدته والتعامل معه بوعي أكبر.
تشابه مع الحزن واختلاف عنه
يشبه الحزن الاستباقي الحزن التقليدي في كثير من جوانبه، فهو قد يحمل طيفًا واسعًا من المشاعر المتقلبة. قد يشعر الإنسان بالحزن والقلق والغضب والارتباك وأحيانًا بالراحة أو الامتنان أو الذنب، وقد تتغير هذه المشاعر بسرعة وبشكل غير متوقع، مما يجعل من الصعب تفسيرها حتى على الشخص نفسه.
تخيل مثلًا أن ابنك المراهق بدأ التقديم للجامعات. فجأة تدرك أنه سيغادر المنزل قريبًا وأن حياتك اليومية ستتغير بشكل كبير. قد تشعر بالحزن لفكرة فقدان حضوره اليومي، وفي الوقت نفسه قد تشعر بالفرح من أجله وبفصل جديد أكثر حرية في حياتك. وقد تمتزج مشاعر الفخر بمستقبله مع الخوف من فقدان العلاقة القريبة التي تربطك به.
هذه المشاعر المتداخلة قد تكون مربكة، لكنها طبيعية ويجب الاعتراف بها كما هي، بحسب وولفلت.
ويضيف أن الإنكار أو محاولة تجاهل هذه المشاعر لا يخففها، بل يزيد من ثقلها على النفس. فالتعامل الأفضل معها هو الاعتراف بها ومعايشتها.
الحزن من الداخل والمواساة من الخارج
يميز وولفلت بين الحزن بوصفه تجربة داخلية تشمل الأفكار والمشاعر، وبين المواساة أو الحداد بوصفها التعبير الخارجي عن هذا الحزن. فالحزن هو ما نشعر به في الداخل، أما المواساة فهي ما نفعله للتعبير عنه ومشاركته مع الآخرين.
وفي حين أن هناك طقوسًا اجتماعية واضحة للتعامل مع الوفاة مثل الجنازات أو تقاليد العزاء في ثقافات مختلفة، فإن التعامل مع الحزن الاستباقي يفتقر أحيانًا إلى هذه الأطر المنظمة. ومع ذلك، فإن فهم أهمية التعبير عن الحزن يساعد على التكيف معه بشكل أفضل.
المواساة تساعد الإنسان على دمج تجربة الفقد في حياته وتحويلها إلى معنى يمكن العيش معه. ومن دون هذا التعبير الخارجي قد يبقى الإنسان عالقًا في حالة الحزن دون تقدم.
كما أن طبيعة الحزن الاستباقي متغيرة من شخص لآخر، وقد تختلف أيضًا لدى الشخص نفسه من وقت لآخر، لذلك لا يوجد نمط واحد صحيح للتعامل معه. لكن الأهم هو الاعتراف بالمشاعر والتعامل معها بجدية.
وتتأثر طريقة التعامل مع الحزن بعوامل متعددة مثل عمق العلاقة مع الشخص، والخلفية الثقافية أو الدينية، وطبيعة الشخصية، وكذلك الدعم الاجتماعي المتاح. فضعف الدعم الاجتماعي أو وجود تاريخ من القلق أو الاعتماد العاطفي الشديد على الشخص المتوقع فقدانه قد يجعل التجربة أكثر صعوبة.
طرق أكثر صحة للتعامل مع الحزن الاستباقي
يقترح وولفلت مجموعة من الاحتياجات الأساسية التي تساعد الإنسان على التعامل مع هذا النوع من الحزن بطريقة أكثر توازنًا.
أولًا، الاعتراف بالحزن وبحقيقة الفقد المحتمل. فمحاولة إنكار الواقع أو تجاهله لا تساعد على التكيف، بينما الاعتراف بالمشاعر المختلفة، حتى المؤلمة منها، يساعد على فهم الذات واتخاذ خطوات أكثر وعيًا.
ثانيًا، تقبّل جميع المشاعر دون استثناء، سواء كانت مريحة أو مؤلمة. فالمشاعر المتقلبة جزء طبيعي من التجربة. كما يمكن التعامل معها عبر تسميتها وفهم معناها بدلًا من مقاومتها. ويمكن أيضًا تنظيم التعرض لها بحيث لا تطغى على الحياة اليومية، من خلال منح النفس فترات محددة للتأمل في الحزن، ثم العودة إلى الأنشطة الطبيعية.
وفي المقابل، لا بأس أحيانًا من تشتيت الانتباه أو الانشغال بالحياة اليومية، ما دام ذلك لا يتحول إلى إنكار دائم للمشاعر.
ثالثًا، استكشاف الذكريات المرتبطة بالعلاقة أو الشخص الذي يتم فقده تدريجيًا. فرغم أن هذا قد يبدو مؤلمًا، إلا أنه يساعد على بناء فهم أعمق لما يحدث ويمنح التجربة معنى إنسانيًا. فاسترجاع الذكريات ومشاركتها يمكن أن يعزز الشعور بالسلام الداخلي.
رابعًا، إعادة تشكيل الهوية الذاتية. فكثير من الناس يعرفون أنفسهم من خلال علاقاتهم، مثل كونهم آباء أو أبناء أو شركاء أو زملاء. ومع اقتراب الفقد قد يشعر الإنسان بأن جزءًا من هويته يختفي. لذلك من المهم إدراك هذا التحول والتعامل معه، مع الانفتاح على أدوار جديدة في الحياة.
خامسًا، البحث عن معنى في التجربة. فالفقد يدفع الإنسان إلى التساؤل عن معنى الحياة والغاية منها. وقد يساعد التأمل أو الكتابة أو الصلاة أو الحديث مع مرشدين روحيين أو قضاء الوقت في الطبيعة على الوصول إلى إحساس أعمق بالمعنى.
سادسًا، طلب الدعم من الآخرين. فمشاركة المشاعر مع أشخاص قادرين على الاستماع دون إصدار أحكام أو تقديم عبارات جاهزة قد تكون وسيلة مهمة للتخفيف من العبء النفسي.
ويحذر وولفلت من العبارات السطحية التي قد تبدو مواسية لكنها في الواقع تقلل من قيمة الألم، مثل “الوقت كفيل بالعلاج” أو “على الأقل ما زال لديك أشياء جيدة”. فمثل هذه العبارات قد تزيد الشعور بالعزلة بدل أن تخففه.
اختيار الأشخاص المناسبين للدعم مهم، سواء كانوا من العائلة أو الأصدقاء أو مجموعات الدعم أو المختصين. الأهم هو وجود من يستطيع الاستماع بصدق دون محاولة تغيير مشاعرك بالقوة.
وحتى في حال صعوبة الحديث المباشر عن الحزن، فإن مجرد التواجد مع الآخرين قد يساعد على التخفيف من الشعور بالوحدة، لأن التواصل الاجتماعي بحد ذاته عنصر أساسي للصحة النفسية.
التعامل مع الحزن مهارة حياتية
في النهاية، لا يمكن للإنسان أن يتجنب الفقد في حياته، لكن الحزن يظهر بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بمن نحبهم. فالحب والحزن مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، وهما جزء أساسي من التجربة الإنسانية.
وفي مجتمعات تميل إلى تجنب المشاعر الصعبة، قد نفتقر أحيانًا إلى الأدوات اللازمة للتعامل مع الحزن بشكل صحي. لذلك من المهم تنمية مهارات مثل الوعي العاطفي والانتباه الذهني وفهم المعنى وبناء العلاقات الاجتماعية والشعور بالأمل.
هذه المهارات يمكن تطويرها قبل حدوث الفقد، وهي تساعد الإنسان على العيش بشكل أكثر توازنًا، وعلى التعامل مع الحزن حين يأتي بطريقة أكثر إنسانية ووعيًا.
