القائمة الرئيسية

ينبغي أن نشجع الأطفال على الاعتراض والنقاش: خمس طرق لتنمية التفكير النقدي لديهم

ينبغي أن نشجع الأطفال على الاعتراض والنقاش: خمس طرق لتنمية التفكير النقدي لديهم
ملخص المقال

في هذا المقال، توضح هايدي ماتيسون أن أسئلة الأطفال الكثيرة واعتراضاتهم ليست وقاحة أو تحديًا للسلطة، بل فرصة لتنمية مهارات التفكير النقدي لديهم، وهي القدرة على تحليل الأفكار والمعلومات وتقييمها بعقلانية بدل قبولها بشكل تلقائي. وتشير الكاتبة إلى أن التربية لا ينبغي أن تقوم على الطاعة العمياء، بل على تشجيع الأطفال على التساؤل وفهم الأسباب وراء القواعد والقرارات، من خلال الحوار والأسئلة المفتوحة وإتاحة الفرصة لهم لاتخاذ القرارات ورؤية وجهات نظر مختلفة. كما تؤكد أن التفكير النقدي يبدأ من قدرة الإنسان على مراجعة أفكاره ودوافعه الشخصية وفحص الأدلة قبل تبني أي رأي، وأن دور الأهل والمدارس معًا هو خلق بيئة تحترم الفضول والحوار. وتستشهد الكاتبة ببرامج تعليمية مثل “الفلسفة للأطفال” التي طوّرها ماثيو ليبمان، إضافة إلى مبادرات تعليمية من Harvard Graduate School of Education، مؤكدة أن الهدف النهائي ليس تربية أطفال يعارضون كل شيء، بل أفراد قادرين على التفكير الواعي واتخاذ قراراتهم بناءً على الفهم والتحليل لا التلقين.

بقلم: هايدي ماتيسون

مع اقتراب الإجازات المدرسية يعيش كثير من الآباء والأمهات حالة متناقضة من المشاعر. فمن جهة يشعرون بالراحة لأنهم سيتخلصون مؤقتًا من معارك الواجبات المنزلية ومشكلات النوم وشكاوى فقدان علبة الطعام المدرسية، ومن جهة أخرى يساورهم القلق من قضاء أيام طويلة مع أطفال لا يتوقفون عن طرح الأسئلة والاعتراضات من نوع “لماذا؟” و”لكن لماذا؟”. وغالبًا لا يمر وقت طويل قبل أن يجد الأهل أنفسهم يلجؤون إلى العبارة التقليدية التي تنهي أي نقاش: “لأنني قلت ذلك”.

وبصفتي أحد الوالدين أستطيع أن أتفهم هذا الموقف جيدًا، لكنني أيضًا أعمل في مجال الفلسفة الأخلاقية وأمضيت سنوات طويلة في التدريس. وفي قاعات دراسة الفلسفة يُشجَّع الطلاب الذين يطرحون الأسئلة ويتحدون الأفكار السائدة، بل وحتى الذين يناقشون السلطة نفسها أحيانًا. فلماذا نعتبر الأمر مختلفًا عندما يفعل الأطفال الشيء ذاته؟ هل الطفل الذي يناقش والديه طفل وقح؟ أم أنه في الحقيقة يدرّب عقله على مهارات ضرورية تساعده على النمو الفكري وفهم العالم من حوله؟

تتمثل مهمة الفيلسوف الأخلاقي في التفكير في أسئلة الصواب والخطأ والخير والشر، ومحاولة الإجابة عن السؤال الأعمق: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟ ومن أهم الأدوات التي تساعد على التعامل مع هذه الأسئلة مهارة التفكير النقدي.

والتفكير النقدي يعني القدرة على تحليل المعلومات والأفكار وتقييمها بوضوح وعقلانية وموضوعية. فعندما نسمع رأيًا أو نقرأ معلومة لا نكتفي بقبولها مباشرة، بل نسأل أنفسنا: لماذا يقول هذا الشخص ذلك؟ ما الذي يدفعه إلى هذا الرأي؟ وهل توجد تفسيرات أو وجهات نظر أخرى؟

المقصود هنا ليس تربية أطفال يحبون الجدل لمجرد الجدل، وإنما تنمية عقول فضولية قادرة على الفهم والتحليل والتقييم والاستنتاج. وكما يوضح الفيلسوف والمفكر الاستراتيجي Peter Facione فإن الهدف هو أن نساعد الأطفال على أن يصبحوا باحثين عن المعنى والحقيقة، لا مجرد متلقين سلبيين لما يقال لهم. وهذا يعني أن نربي أبناءنا على طرح الأسئلة والتفكير في كل شيء، حتى لو شمل ذلك مساءلتنا نحن أنفسنا.

فكيف يمكن للوالدين أن يعلما أبناءهم التفكير النقدي داخل المنزل؟

أولًا، اطرحوا أسئلة مفتوحة لا تقتصر إجاباتها على “نعم” أو “لا”، وشجعوا الأطفال على أن يطرحوا أسئلتهم أيضًا.

ثانيًا، امنحوا الأطفال فرصًا لاتخاذ القرارات وحل المشكلات بأنفسهم بدلًا من التدخل المستمر للقيام بكل شيء نيابة عنهم.

ثالثًا، تحدثوا معهم عن الأسباب التي تقف خلف القواعد والقرارات التي تفرضونها عليهم، لأن فهم السبب يساعد الطفل على التفكير بدل الطاعة العمياء.

رابعًا، ساعدوا الأطفال على رؤية وجهات نظر مختلفة وعدم الاكتفاء برأيهم الشخصي فقط.

خامسًا، كونوا قدوة لهم في التفكير النقدي، وذلك بأن تعبّروا بصوت مسموع عن طريقة تفكيركم عندما تواجهون مشكلة أو تتخذون قرارًا.

التفكير النقدي يبدأ من التفكير في طريقة تفكيرنا نحن أنفسنا. فحين يتأمل الإنسان أفكاره ومعتقداته يمنح نفسه فرصة لفحصها بدل التعامل معها كحقائق ثابتة. فإذا اختار شخص ما مثلًا أن يتبع نظامًا غذائيًا نباتيًا، فقد يكون السبب رغبته في تقليل الأذى الذي يلحق بالحيوانات أو اهتمامه بالبيئة أو الأمرين معًا، وربما يكون السبب ببساطة أن هذا النمط أصبح شائعًا ورائجًا. وبعد أن نفهم أسبابنا يمكننا أن نسأل: هل هذه الأسباب مقنعة فعلًا أم لا؟

كما أن التفكير النقدي لا يقتصر على تقييم أفكارنا فقط، بل يشمل أيضًا تقييم أفكار الآخرين. وهذا يتطلب الانفتاح على آراء الناس المختلفة، بما في ذلك آراء أطفالنا، بدل أن تمنعنا تحيزاتنا من الاستماع إليهم. وفي الوقت نفسه من المهم أن ندرك أن لكل شخص دوافعه الخاصة، حتى إن لم تكن واضحة، ولذلك لا ينبغي أن نقبل كل ما نسمعه أو نقرؤه دون تفكير. ويمكن تعليم الأطفال هذه المهارة عبر تشجيعهم على فحص الأدلة التي يستند إليها أي رأي أو موقف.

بمعنى أبسط، يستطيع الآباء والأمهات تنمية التفكير النقدي لدى أبنائهم عندما يشجعونهم على السؤال ومراجعة الافتراضات والنظر إلى الأمور من زوايا مختلفة. فالتفكير النقدي لا يعني أن نقبل كل ما نسمعه أو نراه كما هو، بل أن نفكر فيه ونقيّمه ونكوّن أحكامنا الخاصة.

ولكي تتضح الصورة أكثر، تخيلوا أن طفلتكم سألتكم: لماذا يجب أن آكل الخضروات؟

بدل أن تقولوا لها ببساطة “لأنها مفيدة”، يمكن أن تجيبوها قائلين: “هذا سؤال جميل، ما رأيك أنتِ؟ لماذا تعتقدين أن الناس يأكلون الخضروات؟”

بهذه الطريقة يبدأ الطفل في التفكير بنفسه بدل انتظار الإجابة الجاهزة.

قد تجيب الطفلة قائلة: “لأنك قلت إن عليّ أن أفعل ذلك”.

هنا يمكنكم مساعدتها على التفكير بصورة أعمق من مجرد طاعة الوالدين، فتسألونها: “هل تعتقدين أن هذا هو السبب الوحيد؟ دعينا نفكر معًا. هل تعرفين أشخاصًا آخرين يعتقدون أن تناول الخضروات مهم؟ ولماذا برأيك؟”

ثم يمكنكم توسيع النقاش بسؤال آخر مثل: “ماذا تتوقعين أن يحدث لو أننا لم نأكل الخضروات أبدًا؟ وماذا لو كنا نأكل الحلوى فقط طوال الوقت؟”

وقد يكون من المفيد أيضًا البحث معها عن معلومات موثوقة حول فوائد الخضروات للجسم، حتى تتعلم أهمية الاعتماد على الأدلة والمعرفة عند تكوين الآراء.

وفي النهاية يمكن إعادة السؤال الأول عليها مرة أخرى، ومنحها الفرصة لتلخيص ما فهمته والوصول إلى استنتاجها الخاص.

خلال كل هذه الخطوات أنتم لا تلقنون الطفل إجابة جاهزة، بل تساعدونه على التفكير والتساؤل والوصول إلى فهم منطقي قائم على الفهم لا على التلقين.

وإذا بدا الأمر صعبًا أو مرهقًا فلا داعي للقلق، لأن المسؤولية لا تقع على الأهل وحدهم. فكثير من المدارس حول العالم أصبحت تدمج مهارات التفكير النقدي في مناهجها التعليمية. ومن أبرز الأمثلة برنامج “الفلسفة للأطفال” الذي طوّره الفيلسوف والتربوي Matthew Lipman في سبعينيات القرن الماضي. ويعتمد هذا البرنامج على نقاشات منظمة حول أسئلة مفتوحة، ويمكن تطبيقه مع أطفال في سن السادسة.

كما تقدم Critical Thinking Consortium في كندا موارد وبرامج تساعد المعلمين على دمج التفكير النقدي في التدريس، وهناك أيضًا مشروع Project Zero التابع لـ Harvard Graduate School of Education، والذي طور مجموعة من الأدوات والاستراتيجيات التي تساعد الأطفال على التفكير بطريقة أعمق وأكثر وعيًا.

ويمكن للآباء أيضًا أن يشجعوا المدارس على إدخال مهارات التفكير النقدي ضمن المناهج الدراسية، أو التعاون مع أقسام الفلسفة في الجامعات لتقديم برامج تعليمية ميسرة للأطفال.

وفي النهاية، سواء تعلم الطفل هذه المهارات في البيت أو المدرسة، فإن الأهم هو أن ينشأ في بيئة تحترم الأسئلة وتشجع التفكير والحوار واستكشاف الأفكار. فالغاية ليست أن يصبح الطفل معارضًا لكل شيء، بل أن يصبح إنسانًا قادرًا على التفكير بوعي، واتخاذ قراراته بناءً على الفهم والتحليل، لا على التلقين والتسليم الأعمى.

المصدر

مقالات ذات صلة