القائمة الرئيسية

ماري أغنِس تشيس

ماري أغنِس تشيس
ملخص المقال

يروي المقال سيرة العالمة الأمريكية ماري أغنِس تشيس التي تحولت، رغم غياب التعليم الجامعي الرسمي، إلى واحدة من أهم رائدات علم الحشائش والنباتات النجيلية في القرن العشرين. فمنذ طفولتها المبكرة نما شغفها بالطبيعة والملاحظة الدقيقة، واستطاعت عبر التعلم الذاتي والعمل في الرسم النباتي أن تشق طريقها داخل المؤسسات العلمية الأمريكية، لتصبح مرجعًا عالميًا في علم الأجروستولوجيا. وقد أسهمت خلال أكثر من ستين عامًا في جمع وتصنيف عشرات الآلاف من العينات النباتية، ونشرت دراسات وكتبًا مرجعية كان لها أثر حاسم في تطوير دراسة الحشائش في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، خصوصًا في البرازيل وفنزويلا. كما عُرفت بنشاطها الاجتماعي دفاعًا عن حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية، لتجسد نموذجًا استثنائيًا لامرأة صنعت مكانتها العلمية بالإصرار والمعرفة والعمل الميداني، وخلّفت إرثًا لا يزال علماء النبات يعتمدون عليه حتى اليوم.

بقلم: توري أ. تشين

كانت ماري أغنِس تشيس واحدة من أبرز الرائدات في دراسة الحشائش والنباتات النجيلية، وقد استطاعت، رغم غياب التعليم الأكاديمي الرسمي، أن تبني لنفسها مكانة علمية استثنائية في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية. ففي زمنٍ لم يكن فيه علم الحشائش قد نضج بعد، وكانت النساء فيه مهمشات إلى حد كبير في المؤسسات العلمية، نجحت تشيس في تحويل شغفها بالملاحظة الدقيقة ومهارتها في الرسم النباتي إلى مشروع علمي امتد لأكثر من ستين عامًا.

وخلال تلك العقود الطويلة، أسهمت في تأسيس الدراسة الحديثة للحشائش من خلال رحلات ميدانية واسعة وتعاون وثيق مع كبار علماء وزارة الزراعة الأمريكية ومعهد سميثسونيان. وقد أنجزت فهرسًا علميًا مشروحًا يضم نحو ثمانين ألف عينة من الفصيلة النجيلية، ونشرت أكثر من سبعين دراسة علمية، كما وضعت كتابين أصبحا من المراجع الأساسية في تصنيف الحشائش. وقد لعبت أعمالها دورًا محوريًا في تطور علم الأجروستولوجيا، وهو العلم المختص بدراسة الحشائش.

طفولة صنعت شغفًا مبكرًا

وُلدت ماري أغنِس ميارا في مدينة واتسيكا بولاية إلينوي في العشرين من أبريل عام 1869. كانت الابنة الثالثة بين ستة أبناء، ونشأت في أسرة متواضعة؛ فوالدها مارتن ج. ميارا كان حدادًا يعمل في السكك الحديدية وقد هاجر من أيرلندا، بينما وُلدت والدتها ماري برانيك ميارا في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي.

حين كانت أغنِس في الثانية من عمرها، قُتل والدها في حادث عنيف، فانتقلت والدتها بالعائلة إلى شيكاغو بصحبة الجدة من جهة الأم. وهناك قررت الأسرة تغيير اسمها الأخير إلى “ميريل” رغبة في بدء حياة جديدة بعيدًا عن مآسي الماضي.

ومن الذكريات القليلة التي روتها تشيس عن طفولتها، قصة طريفة تكشف مبكرًا عن حسها العلمي وفضولها الطبيعي. فقد عادت ذات يوم إلى المنزل تحمل باقة من الحشائش البرية وأهدتها لجدتها، لكن الجدة قالت لها إن الحشائش لا تُزهِر أصلًا. عندها أشارت الطفلة إلى الأزهار الصغيرة الدقيقة عند أطراف السيقان لتثبت أن الحشائش تمتلك أزهارًا بالفعل. وقد ظلت هذه الحادثة عالقة في ذاكرتها، وربطتها لاحقًا ببداية افتتانها الطويل بالحشائش.

ومع مرور السنوات، أدركت تشيس الأهمية الهائلة لهذه النباتات في حياة البشر، فكتبت تقول إن الحشائش هي أهم النباتات بالنسبة للإنسان. ولم تكن تقصد بها مجرد الأعشاب التي تغطي الحدائق، بل كل ما ينتمي إلى هذه الفصيلة الواسعة، بما في ذلك القمح والأرز والذرة والخيزران وقصب السكر والقصب البري. وكانت ترى أن الحشائش تشكل المصدر الأساسي لغذاء البشرية، وأنها من أكثر الفصائل النباتية انتشارًا على سطح الأرض.

التعليم الذاتي وبدايات العمل

انتهى التعليم الرسمي لتشيس عند المرحلة الثانوية، إذ لم تكن الجامعة خيارًا متاحًا لامرأة تنتمي إلى أسرة محدودة الدخل في أواخر القرن التاسع عشر. وقد وصفت تجربتها لاحقًا بقولها إنها كانت تلتقط تعليمها بنفسها أثناء سيرها في الحياة.

بدأت حياتها المهنية في أعمال التدقيق اللغوي وصف الحروف في صحيفة تعليمية تُدعى “سكول هيرالد”، كانت تُعنى بدعم معلمي المدارس الريفية. وكان محرر الصحيفة ويليام إنغراهام تشيس، الذي تزوجته عام 1888. غير أن حياتها الزوجية لم تستمر طويلًا؛ إذ توفي زوجها بمرض السل بعد أقل من عام من الزواج، تاركًا إياها أرملة شابة بلا عمل، مثقلة بديونه.

ورغم قسوة تلك المرحلة، أخذ اهتمامها بالعالم الطبيعي يزداد عمقًا. فقد بدأت تكتب ملاحظات عن مراقبة الطيور في مجلة “ويلسون بوليتن”، وكانت الطبيعة بالنسبة إليها ملاذًا ذهنيًا وعاطفيًا في مواجهة الحياة الصعبة.

واصلت تشيس العمل في التدقيق اللغوي بعد وفاة زوجها، وشاركت في إصدار صحيفة “إنتر أوشن” الموجهة لرجال الأعمال والعاملين في التجارة. لكن التحول الحقيقي في حياتها جاء عام 1893 عندما زارت المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو، حيث لفتت انتباهها معروضات جمع النباتات وأعمال التصنيف النباتي، فبدأ اهتمامها بعلم النبات يتخذ طابعًا جادًا ومنظمًا.

وفي أوقات فراغها راحت تدرس نباتات شمال إلينوي وإنديانا، تجمع العينات النباتية وتسجل ملاحظاتها بدقة، مستعينة بابن أخيها وبمجموعات محلية من هواة جمع النباتات. وفي عام 1897 بدأت رسميًا توثيق مجموعاتها النباتية.

من الرسم النباتي إلى البحث العلمي

أثناء جمعها للنباتات قرب نهر دي بلاينز، التقت بالقس إلسوورث جيروم هيل، وكان رجل دين ومعلم علوم مهتمًا بدراسة الطحالب والنباتات الصغيرة. أعجب هيل بقدرات تشيس الفنية، فاستعان بها لإعداد الرسوم التوضيحية لأبحاثه النباتية. وخلال السنوات الخمس التي عملت معه فيها، تعلمت استخدام المجهر المركب واكتسبت معرفة علمية عملية واسعة.

لم يكن هيل مجرد صاحب عمل، بل كان مرشدًا وصديقًا فتح لها أبواب المجتمع العلمي. فقد عرّفها إلى تشارلز فريدريك ميلسبو، أمين قسم النبات في متحف فيلد للتاريخ الطبيعي، والذي وظفها رسامةً لبعض منشورات المتحف العلمية.

وفي النهاية شجعها هيل على التقدم لوظيفة رسامة نباتية في مكتب الصناعة النباتية التابع لوزارة الزراعة الأمريكية في واشنطن. وبعد اجتيازها اختبار التأهيل، بدأت العمل هناك في الأول من نوفمبر عام 1903 براتب سنوي بلغ 720 دولارًا، وهو مبلغ كان مرتفعًا نسبيًا مقارنة بما كانت تتقاضاه النساء العاملات في المصانع آنذاك.

ومع ذلك، لم تُمنح صفة “عالِمة”، لأن هذا اللقب كان مرتبطًا بالتعليم الجامعي الرسمي، وهو المجال الذي ظل حكرًا على الرجال إلى حد بعيد. وكانت مساهمات النساء في العلوم النباتية غالبًا ما تُحصر في الرسم والنسخ والتدقيق اللغوي، لا في البحث والتصنيف.

لكن الولايات المتحدة في مطلع القرن العشرين بدأت تهتم بشكل متزايد بتطوير الزراعة والإنتاج الغذائي، وهو ما أدى إلى تأسيس مكتب الصناعة النباتية داخل وزارة الزراعة عام 1901. وقد وفر هذا التحول فرصًا جديدة للنساء للدخول إلى مجالات البحث النباتي.

التخصص في دراسة الحشائش

عملت تشيس في قسم الحشائش والنباتات العلفية، وهناك لم تكتفِ بالرسم التوضيحي، بل استغلت وجودها في المعشبة النباتية لدراسة قبيلة “بانيسياي”، وهي مجموعة واسعة من الحشائش المدارية. واستمرت طوال حياتها في العمل داخل المعاشب النباتية، أولًا مساعدة غير مدفوعة الأجر في معشبة وزارة الزراعة، ثم أمينة فخرية في المعشبة الوطنية التابعة لمعهد سميثسونيان.

وفي عام 1906 نشرت أول دراسة علمية لها بعنوان “ملاحظات حول أجناس البانيسياي”، جمعت فيها بين دقتها الفنية وخبرتها البحثية. وبعد عام واحد رُقيت إلى منصب “مساعدة علمية في الأجروستولوجيا النظامية”، وهو منصب كان يُمنح غالبًا للنساء بأجور منخفضة، لكنه حمل اعترافًا رسميًا بمكانتها العلمية.

وفي تلك الفترة بدأت تعاونًا وثيقًا مع ألبرت سبير هيتشكوك، أبرز المتخصصين في تصنيف الحشائش في وزارة الزراعة الأمريكية. كان هيتشكوك كثير السفر والنشر، وقد ألّف أكثر من مئتين وخمسين عملًا علميًا، شاركت تشيس في عدد كبير منها.

وبحلول عام 1931 كانت تشيس تحدد سنويًا ما بين ثمانية آلاف وعشرة آلاف عينة نباتية لصالح الحكومة الأمريكية والجامعات والمتاحف حول العالم. وقد اعتمد هيتشكوك اعتمادًا كبيرًا على خبرتها أثناء إعداد كتابه المرجعي الضخم “دليل حشائش الولايات المتحدة” الصادر عام 1935. وبعد وفاته عام 1936 أصبحت تشيس المسؤولة الرئيسية عن علم الأجروستولوجيا النظامية في وزارة الزراعة الأمريكية.

رحلاتها واكتشافاتها العلمية

كرست تشيس حياتها بالكامل للبحث العلمي، فلم تتزوج مرة أخرى ولم تنجب أطفالًا. وبين عامي 1905 و1912 جمعت عينات نباتية من تسع عشرة ولاية أمريكية، حتى أصبحت مرجعًا في معرفة توزيع الحشائش وبيئاتها الطبيعية داخل الولايات المتحدة.

وفي عام 1913 سافرت على نفقتها الخاصة إلى بورتوريكو لجمع الحشائش، وأسهمت نتائج رحلتها في كتاب “حشائش جزر الهند الغربية” الذي شاركت في تأليفه مع هيتشكوك عام 1917. وقد تناول الكتاب نباتات جزر واسعة في منطقة الكاريبي، من بينها جامايكا وبورتوريكو والبهاما وبرمودا وترينيداد وتوباغو.

وكانت تشيس تدرك الخلفية التاريخية والسياسية لانتشار بعض أنواع الحشائش، خصوصًا قصب السكر، الذي ارتبط بتاريخ طويل من الاستعمار والعبودية والتهجير القسري للأفارقة إلى مزارع جزر الهند الغربية.

وفي عام 1922 زارت معشبة هاكل في متحف التاريخ الطبيعي في فيينا، ثم تنقلت بين عدد من المعاشب النباتية الأوروبية في فلورنسا وبيزا وجنيف ولايدن وبروكسل وباريس.

وفي عام 1923 أصدرت كتابها الشهير “الكتاب الأول للحشائش”، الذي اعتُبر منذ صدوره مرجعًا أساسيًا للمبتدئين والمتخصصين على حد سواء. وقد أشاد النقاد برسوماتها الدقيقة وأسلوبها العلمي الواضح الذي جمع بين الصرامة الأكاديمية وسهولة العرض.

البرازيل وفنزويلا والتأثير العالمي

بعد الانتهاء من كتابها، سافرت تشيس عام 1924 إلى ريو دي جانيرو لدراسة حشائش البرازيل، ممولةً من عدة مؤسسات علمية. وقد حققت الرحلة نجاحًا كبيرًا دفعها إلى العودة مجددًا إلى البرازيل عام 1929.

وخلال رحلاتها هناك جمعت نحو عشرين ألف عينة نباتية، كان بينها خمسة آلاف نوع من الحشائش، وأسهمت أعمالها في توسيع المعرفة العالمية بالنباتات البرازيلية.

وفي عام 1940، وكانت في الحادية والسبعين من عمرها، قامت بآخر رحلاتها الخارجية إلى فنزويلا بدعوة من وزارة الزراعة الفنزويلية. وهناك عملت مع الباحثة زورايدا لوسيس دي فبرس، التي أصبحت لاحقًا من أبرز عالمات النبات في بلادها. وقد شجعتها تشيس على متابعة دراستها، واستضافتها في واشنطن أثناء تدريبها في المعشبة الوطنية.

كما أتقنت تشيس عدة لغات، من بينها البرتغالية والفرنسية والألمانية والإسبانية، الأمر الذي ساعدها على بناء شبكة واسعة من العلاقات العلمية الدولية.

نشاطها الاجتماعي والسياسي

لم يقتصر اهتمام تشيس على العلم وحده، بل انخرطت أيضًا في قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة. فقد شاركت في المظاهرات المطالبة بحق النساء في التصويت، واعتُقلت مرتين أثناء احتجاجات أمام البيت الأبيض إلى جانب الناشطة أليس بول ورفيقاتها.

كما كانت عضوًا نشطًا في عدد من الحركات الاجتماعية والسياسية، من بينها حزب النساء، والحزب الاشتراكي، واتحاد النساء المسيحي للاعتدال، والجمعية الوطنية للنهوض بالملونين.

السنوات الأخيرة والإرث العلمي

تقاعدت تشيس من وزارة الزراعة الأمريكية عام 1939 وهي في السبعين من عمرها، لكنها واصلت العمل بوصفها المرجع الأبرز لعلماء الحشائش في الولايات المتحدة. فكانت تتحقق من العينات النباتية، وتراجع السجلات العلمية الجديدة، وتقدم المشورة للباحثين في تصنيف النباتات.

ومع تقدمها في السن، أخذ الاعتراف العلمي بإنجازاتها يتزايد. ففي عام 1953 منحتها الجمعية النباتية الأمريكية شهادة تقدير لإنجازاتها المتميزة في العلوم النباتية. وبعد حصولها على الدكتوراه الفخرية من جامعة إلينوي عام 1958، بدأ زملاؤها يطلقون عليها لقب “عميدة علماء الحشائش الأحياء”.

وفي العام نفسه منحها معهد سميثسونيان صفة الزميلة الفخرية، ثم أصدر طبعة جديدة من كتابها “الكتاب الأول للحشائش” عام 1959، تأكيدًا على استمرار أهميته العلمية والتعليمية.

وقد تبرعت تشيس مع ألبرت هيتشكوك بمكتبتهما العلمية الضخمة لمعهد سميثسونيان، كما أصبحت مجموعتهما الشهيرة من رسومات الحشائش، التي تضم أكثر من ألفين وسبعمئة رسم تمثل مئات الأجناس النباتية، محفوظة في معهد هانت للتوثيق النباتي بجامعة كارنيغي ميلون.

ولا يزال إرث ماري أغنِس تشيس حيًا حتى اليوم، إذ يعتمد الباحثون وعلماء النبات والمحافظون على البيئة على أعمالها ورسوماتها وبياناتها التاريخية في دراسة قضايا علمية وبيئية معاصرة.

المصدر

مقالات ذات صلة