بقلم: ميشال ماير
في العصور الفكتورية كانت متاجر البقالة تبيع الشاي والبسكويت والسكر والدقيق والأرز والزرنيخ. ولأن الزرنيخ ظل غير خاضع للتنظيم خلال معظم القرن التاسع عشر، فقد كان متاحًا للجميع، بمن فيهم الصغار والقتلة. ويختصر كتاب، قرن الزرنيخ: كيف تسممت بريطانيا الفيكتورية في المنزل والعمل وأوقات الترفيه، للكاتب جيمس وارتون فكرة انتشار الزرنيخ في تفاصيل الحياة اليومية. ولمن قد يظن أن الزرنيخ كان مشكلة بريطانية خاصة، يوضح المؤلف أن الولايات المتحدة واجهت المشكلات نفسها التي واجهتها بريطانيا تمامًا.
كان ورق الجدران والبيرة والنبيذ والحلوى وورق التغليف والألعاب المطلية ومبيدات الأغنام والمبيدات الحشرية والملابس والجثث والحيوانات المحنطة وزينة القبعات والفحم والشموع، كلها تحتوي على الزرنيخ. وكان الزرنيخ موجودًا حتى في الأدوية، وغالبًا ما كان الأطباء يصفونه عمدًا. لكن هذا الكتاب أبعد ما يكون عن مجرد سرد لحالات التسمم المتعمد والعرضي، فوارتون راوٍ بارع يستخدم قصصه الحقيقية ليكشف الدور الذي لعبه الزرنيخ في مجالات متنوعة مثل اقتصاد السوق الحرة وتطور علم السموم الجنائي. وعلى مستوى ما، يقدم الكتاب رواية مثيرة عن الضعف البشري والجشع والجهل، وعلى مستوى آخر يمثل محاولة جادة للغاية لوضع قضايا البيئة المعاصرة في سياقها التاريخي. ويكتب وارتون: «كان تسرب الزرنيخ إلى الحياة المنزلية في القرن التاسع عشر النموذج الأولي للتلوث في العالم الصناعي الحديث، أو الحلقة التجريبية، إن شئت، لسلسلة من درامات التسمم البيئي التي لا يبدو أن لها نهاية».
إذا كان من الممكن إلقاء اللوم على حدث واحد في انتشار الزرنيخ بهذا الشكل، فهو الثورة الصناعية. فقد استُخدمت مركبات الزرنيخ منذ العصور القديمة في الأصباغ والأدوية. وهذه المركبات شائعة في الخامات المعدنية والفحم، وهما من اللبنات الأساسية للثورة الصناعية. وقد أدى الصهر والاحتراق إلى تحرير الزرنيخ العنصري، الذي اتحد بعد ذلك مع الأكسجين ليكوّن حمض الزرنيخوز أو الزرنيخ الأبيض، المعروف اليوم باسم ثالث أكسيد الزرنيخ. وكان هذا المنتج الثانوي يُباع بثمن زهيد، ثم وجد طريقه إلى عدد لا يحصى من المنتجات. فقد استخدمه صانعو الشموع لإنتاج شموع شحمية رخيصة تحترق بكفاءة تضاهي الشموع الشمعية، واستخدمته ربات البيوت لقتل الحشرات والقوارض، واستعان به الأطباء لحفظ الجثث من أجل التشريح لاحقًا، كما استخدمه المحنطون لحفظ العينات. أما أولئك الذين أرادوا درجات خضراء زاهية وثابتة في الملابس والدهانات والحلوى، فقد لجأوا إلى أصباغ زرنيخية مثل الأخضر الشِيلي، أو زرنيخيت النحاس. وبالطبع استخدمه الرجال والنساء للإفلات من جرائم القتل.
كان الزرنيخ الأبيض، الذي كان يُعرف ببساطة باسم الزرنيخ، الخيار الأول للقتلة بسبب سهولة الحصول عليه وتشابهه في تأثيره مع أمراض الجهاز الهضمي الشائعة آنذاك، ومنها الكوليرا. فقد استخدم الآباء الفقراء الزرنيخ للتخلص من الأطفال الزائدين، كما استخدمته الزوجات ضد الأزواج، والأزواج ضد الزوجات، والأبناء ضد الآباء. وأضفت صناعة التأمين على الحياة الناشئة مزيدًا من الإغراء. فقد قتلت امرأة تُدعى ماري آن كوتون والدتها وثلاثة من أزواجها وخطيبًا لها وعددًا من أطفالها وأطفال أزواجها من أصل خمسة عشر طفلًا، طمعًا في مبالغ التأمين. وعندما يُعطى الزرنيخ بكميات صغيرة على مدى فترة من الزمن، فإنه يؤدي إلى تدهور تدريجي في صحة الضحية، مع أعراض يسهل نسبتها إلى أمراض طبيعية. ولتأكيد أن الزرنيخ كان سبب الوفاة، لم تكن تشريحات الجثث وحدها كافية، بل كان الأمر يتطلب معرفة بطريقة تأثير الزرنيخ في الجسم، إلى جانب وسائل موثوقة للكشف عنه في المواد العضوية. وفي عام 1814 نشر ماتيو أورفيلا أول كتاب دراسي في علم السموم، ثم طور الكيميائي جيمس مارش عام 1836 اختبار مارش القادر على اكتشاف كميات ضئيلة جدًا من الزرنيخ في الطعام وفي بقايا الجثث البشرية، وفي عام 1841 طور هوغو راينش اختبارًا بسيطًا للكشف عن الزرنيخ باستخدام الماء وحمض الهيدروكلوريك ورقائق النحاس. وقد حُكم على كوتون بالإعدام عام 1873 استنادًا إلى هذا الرصيد الجديد من المعرفة الكيميائية.
لكن معظم حالات التسمم كانت عرضية. فالمسحوق الأبيض كان يُخطأ بسهولة على أنه جبس باريس، الذي استخدمه صانعو الحلوى لغش السكر، أو على أنه دقيق أو سكر، ما لم يُوضع عليه ملصق واضح ويُحفظ منفصلًا. وكان الأفراد يضيفون الزرنيخ إلى الطعام أو الشراب من دون قصد، كما فعل المصنعون أيضًا. ولم يكن أحد يشك في أن الفساتين الخضراء أو ورق الجدران الأخضر قد يسبب المرض وربما الموت، إلى أن أطلق طبيب تحذيره عام 1857. وبينما كان مصنعو ورق الجدران يؤكدون أن منتجاتهم المحتوية على الزرنيخ آمنة ويشككون في أي أدلة ضدهم، كان الكيميائيون والأطباء يصارعون لفهم ظاهرة التسمم المزمن منخفض المستوى الناتج عن مصادر غير غذائية. ولأن الأطباء أنفسهم كانوا يصفون جرعات صغيرة من الزرنيخ كدواء، فقد اعتقد كثيرون أن الجرعات الضئيلة لا يمكن أن تسبب المرض. ولم يتشكل إجماع على أن الزرنيخ ضار مهما كانت جرعته إلا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بعد تراكم عدد كبير من السجلات السريرية.
إذا كان لهذا الكتاب أبطال، فهم علماء السموم والأطباء الذين تتبعوا السم حتى مصدره، سواء في جرائم القتل أو حالات التسمم البيئي، والذين ناضلوا من أجل سن قوانين تحد من توافر الزرنيخ. وقد كان الصراع حول الزرنيخ بين المصلحة العامة والمشروعات الخاصة يضع عادة الأطباء والكيميائيين الإصلاحيين في مواجهة الحكومة والمصنعين، وغالبًا ما كان أنصار الإصلاح يخسرون أمام مبادئ السوق الحرة. وفي النهاية، لم يكن التشريع هو ما أجبر المصنعين على إنتاج سلع خالية من الزرنيخ، بل اشمئزاز المستهلكين من تعرضهم للتسميم المتعمد.
ويظهر قلق وارتون بوضوح في المقاطع التي يقارن فيها بين ردود الفعل القديمة والحديثة تجاه التشريعات المقترحة. ففي الماضي، فيما يتعلق بالزرنيخ، قال أحد المعارضين غاضبًا: «ليس من الصواب معاملة شعب هذا البلد كما لو كانوا أطفالًا». أما اليوم، فيما يتعلق بالدهون المتحولة، فهناك «مقاومة قوية من أولئك الذين يرفضون تدخل الحكومة في المشروعات الخاصة، مثل من يقول: لا أصدق أن هناك أناسًا ساذجين بما يكفي لدعم هذا التعدي على حرية الاختيار الشخصية». لكن ما يثير قلق وارتون أكثر هو المنتجات الصناعية الجديدة التي تغزو بيئتنا، وهي منتجات لا يمكن التنبؤ بآثارها طويلة الأمد بوضوح. ويكتب: «كما حدث مع الشموع والأوراق والأقمشة المحتوية على الزرنيخ، ستترسخ هذه المنتجات في السوق قبل أن تُكتشف أخطارها، ما يضمن أن أي محاولة لتقييد استخدامها ستواجه مقاومة من المصنعين، وستُحارب أو تُتجاهل من السياسيين المعارضين أيديولوجيًا لتدخل الحكومة في الأعمال التجارية». فعندما التقى العلم بالسوق في القرن التاسع عشر، كانت السياسة هي صاحبة الكلمة العليا. ويخشى وارتون ألا يكون القرن الحادي والعشرون مختلفًا كثيرًا.
