القائمة الرئيسية

الضوء الساطع

الضوء الساطع
ملخص المقال

يتناول المقال على موقع science history تاريخ تطور صناعة غاز الفحم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، موضحًا كيف تحولت عملية تقطير الفحم إلى مصدر لعدة منتجات أساسية مثل فحم الكوك والقطران والسائل الأمونياكي وغاز الفحم، الذي أصبح بدوره عنصرًا رئيسيًا في الإضاءة والتدفئة في بريطانيا ثم أوروبا وأمريكا. ويبرز المقال إهمال المؤرخين لأهمية هذه الصناعة رغم دورها المحوري في الثورة الصناعية، وهو ما يحاول ليزلي توموري تصحيحه عبر دراسة تربط بين بدايات الإضاءة بالغاز وتطورها الصناعي، خاصة من خلال أعمال رواد مثل ويليام مردوخ وفريدريك وينسور وشركة غاز لندن وفحم الكوك. كما يوضح كيف ساهمت نماذج التمويل بالشركات المساهمة وتطوير شبكات التوزيع في نجاح هذه الصناعة، إلى جانب الجوانب الهندسية الدقيقة مثل التحكم في الضغط والصمامات، مما يكشف أن نجاح صناعة الغاز لم يكن نتيجة العلم وحده، بل نتاج تداخل معقد بين الهندسة والاقتصاد والتجربة العملية.

بقلم: روبرت بود

كان تقطير الفحم في غياب الهواء من أهم العمليات في نظر كيميائيي الماضي، إذ مثّل تحوله إلى أربعة نواتج رئيسية هي فحم الكوك، والغاز، والقطران، والسائل الأمونياكي، رمزًا لجدوى العلم الكيميائي نفسه. فقد أصبح القطران الأساس الذي قامت عليه صناعة الكيمياء العضوية، بينما شكّل فحم الكوك وقود الأفران وأحد الأعمدة الأساسية لصناعة الفولاذ، أما السائل الأمونياكي فكان مصدرًا مهمًا لصناعة الأسمدة. ثم جاء غاز الفحم الذي كان له شأن خاص. فعلى عكس الغاز الطبيعي المستخدم اليوم، والذي يتكون في معظمه من الميثان، كان غاز الفحم خليطًا معقدًا من الغازات والعناصر، يضم الميثان والإيثيلين والهيدروجين والنيتروجين وأول أكسيد الكربون السام، إضافة إلى كبريتيد الهيدروجين ذي الرائحة الكريهة الذي منح الغاز رائحته المميزة.

منذ أوائل القرن التاسع عشر أصبح غاز الفحم وسيلة أساسية للإضاءة والتدفئة والطهي، بداية في بريطانيا ثم انتشر في أوروبا وأمريكا الشمالية. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر أصبح شائعًا إلى درجة أنه صار مادة مألوفة لا تثير الانتباه. ومع ذلك، فإن معظم مؤرخي التكنولوجيا لم يلتفتوا إلى أهميته العميقة، ولم يتتبعوا مسار تطوره مقارنة بالاهتمام الكبير الذي حظي به استخدام الطاقة البخارية. كما أن رواد هذه التكنولوجيا ومصنعيها لم يحظوا باهتمام يذكر، في حين ظل التنافس بين الغاز والكهرباء مهمشًا إلى حد كبير. وحتى المؤرخون الأدبيون لم يذكروا الغاز إلا في سياق ضيق، غالبًا عند الحديث عن استخدامه كوسيلة مفضلة للانتحار.

يحاول ليزلي توموري أن يغيّر هذا الإهمال التاريخي المؤسف. فهو يوضح أن تطور صناعة الغاز في أوائل القرن التاسع عشر كان عنصرًا حاسمًا في قطاعات رئيسية من الثورة الصناعية التي بدأت في بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر. وعلى الرغم من أن كتابه يغطي فترة زمنية محدودة، فإنه يتناول موضوعه من زاوية فكرية واسعة. ويناقش أربع قضايا مترابطة، هي البدايات الأولى لفكرة الإضاءة بالغاز في أواخر القرن الثامن عشر، وما إذا كانت تقنية الغاز قد نشأت من علوم ذلك القرن بما يعني أن الثورة الصناعية كانت امتدادًا لاكتشافات عصر التنوير، ثم تطور تقنية الإضاءة بالغاز في مصانع النسيج ضمن أعمال رائدي المحركات البخارية ماثيو بولتون وجيمس وات، وأخيرًا وبشكل موسع نموذج العمل الذي اعتمدته شركة غاز لندن وفحم الكوك، والتي أنشأت نظامًا متكاملًا لمصانع الغاز وسوقًا لخدمات الإضاءة المنزلية وإنارة الشوارع.

تعود الريادة في هذا المجال أولًا إلى البريطاني ويليام مردوخ الذي عمل على تطوير التقنية داخل شركة بولتون ووات، ثم إلى منافسه في لندن فريدريك ألبرت وينسور الألماني الأصل، الذي أسس لاحقًا ما عُرف بشركة غاز لندن وفحم الكوك. ويبين توموري كيف استطاع وينسور وشركاؤه ومديروه الوصول إلى التمويل عبر نظام الشركات المساهمة، مما منحهم أفضلية واضحة على منافسين أقل تطورًا من الناحية الرأسمالية في الخارج، وكذلك على شركة بولتون ووات التي ركزت على خدمة المصانع بشكل منفرد. في المقابل، أنشأت شركة غاز لندن وفحم الكوك شبكة واسعة لتوزيع الغاز على مصابيح الشوارع والمستهلكين المنزليين، مستخدمة شبكات المياه كنموذج تنظيمي لها.

تتميز هذه الدراسة بسمتين أساسيتين تدفعان فهم الموضوع إلى مستوى أعمق. الأولى هي التحليل الدقيق لشركة بولتون ووات، حيث يربط توموري بين فكرة خزانات الغاز الصناعية التي طورتها الشركة وبين الأجهزة التي ابتكرها كيميائيو القرن الثامن عشر. ويبرز هنا دور أنطوان لافوازييه الذي صمم أدوات لقياس الغازات وتخزينها. والحجة التي يقدمها الكاتب حول العلاقة الوثيقة بين أعمال لافوازييه وشركة بولتون ووات تبدو قوية ومقنعة. ومع ذلك، فإن فكرة اعتماد الثورة الصناعية على عصر التنوير تظل أقل وضوحًا. فبينما يثبت توموري انتقال بعض الأدوات من المجال العلمي إلى المجال التقني، فإن ذلك لا يكفي لإثبات أن النظريات العلمية كانت المحرك الأساسي لهذه الصناعة. إذ إن طبيعة غاز الفحم وإمكاناته في الإضاءة تم اكتشافها عبر الملاحظة والتجربة أكثر من كونها نتيجة مباشرة لنظرية علمية. ويستخدم توموري عبارة «مثال عصر التنوير» في مواضع عدة وكأنها مفهوم ثابت لا يحتاج إلى تفسير، بينما يبدو أن هناك فجوة حقيقية تحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل.

أما المساهمة الثانية والأوسع لتوموري، الذي جاء من خلفية هندسية في مجال الطيران، فتتمثل في فهمه العميق للهندسة التي قامت عليها أنظمة مصانع الغاز الأولى. فهو ينظر إلى الموضوع بعين المهندس أكثر من المؤرخ الاقتصادي، وهو ما يمنح تحليله طابعًا مختلفًا. ويتناول بالتفصيل آليات تنظيم الضغط والصمامات التي كان تطويرها أساسيًا لنجاح شبكة توزيع الغاز، إذ إن قدرة الشركة على منع تزويد غير الدافعين بالغاز كانت عنصرًا حاسمًا في نجاحها الاقتصادي. وهنا تظهر أهمية الجمع بين المهارة الهندسية والقدرة التجارية. فصناعة الغاز، حتى في مراحلها الأولى، لم تكن مجرد نتاج للتقدم العلمي أو الهندسي وحده، بل كانت نتيجة تداخل معقد بين الهندسة والاقتصاد، إلى جانب عنصر لا يقل أهمية وهو الحظ.

المصدر

مقالات ذات صلة