في صيف عام 1921، شهدت فيلادلفيا عرضًا تجريبيًا لمادة كيميائية انتهى بمشهد غير متوقع، حين فرّ نحو مئتي شرطي من أقوى رجال المدينة وهم يذرفون الدموع دون توقف. أحد الصحفيين وصفهم بأنهم “أشد رجال فيلادلفيا صلابة”، ومع ذلك لم يصمدوا أمام تأثير الغاز المسيل للدموع الذي جُرّب عليهم. كان هذا السلاح قد أثبت فعاليته خلال الحرب العالمية الأولى، إذ استخدم لتفريق الهجمات الجماعية وإرباك الجنود عبر إحداث تهيج شديد في العينين وصعوبة في التنفس، مما يجعلهم غير قادرين على القتال. وبعد انتهاء الحرب، بدأت الشركات المصنعة تبحث عن أسواق جديدة، لتجد أن أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة تمثل زبونًا مثاليًا، رغم أن التجربة ستكون، حرفيًا، “مبكية”.
ترجع بداية هذه المادة إلى علماء ألمان في أواخر القرن التاسع عشر، حين تم تصنيع مادة كيميائية تُعرف باسم كلوروأسيتوفينون، وهي المادة الأساسية للغاز المسيل للدموع. وعلى الرغم من الاسم، فإن هذا “الغاز” ليس غازًا بالمعنى الحرفي، بل مسحوق دقيق جدًا ينتشر في الهواء بسهولة، وعند استنشاقه يسبب دموعًا حادة لا يمكن التحكم بها، إضافة إلى تهيج في الجهاز التنفسي وألم متصاعد في العينين والحلق.
في بدايات القرن العشرين، بدأت الشرطة الفرنسية تجارب محدودة لاستخدام هذه المادة في ملاحقة المجرمين، لكنها لم تكن قد أصبحت أداة شائعة بعد. وظل استخدامها محدودًا إلى أن اندلعت الحرب العالمية الأولى، حيث تحولت إلى سلاح فعلي في ميادين القتال. استخدمتها قوات الحلفاء والألمان بشكل متقطع في البداية، ثم سرعان ما تطورت الأساليب إلى استخدام غازات أكثر فتكًا مثل الكلور وغاز الخردل في عام 1915. ومع دخول الولايات المتحدة الحرب عام 1917، تبنت هي الأخرى استخدام الغازات الكيميائية، بما في ذلك الغاز المسيل للدموع، ضمن تجارب عسكرية.
بعد انتهاء الحرب، عاد آلاف الجنود إلى بلدانهم، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام اقتصاد منهك ينتقل من الإنتاج العسكري إلى المدني، ما أدى إلى نقص حاد في فرص العمل. ومع هذا التحول، تصاعدت التوترات الاجتماعية بشكل كبير، واندلعت موجة من الإضرابات وأعمال الشغب، كان كثير منها مرتبطًا بالتنافس على الوظائف وبالتوترات العرقية، خصوصًا تجاه الأمريكيين من أصل أفريقي الذين اكتسبوا فرص عمل خلال الحرب. بين عامي 1919 و1921 فقط، شهدت الولايات المتحدة أكثر من تسعة وعشرين حادثة عنف كبرى بين إضرابات وشغب واسع، مما اضطر الحكومة إلى التدخل العسكري في عدة مناسبات لإعادة النظام.
في هذا السياق، بدأت أجهزة الشرطة تبحث عن وسيلة فعالة لتفريق الحشود دون اللجوء إلى إطلاق النار. وهنا ظهر الغاز المسيل للدموع كحل عملي في نظر العسكريين السابقين، لأنه يوفر وسيلة لتفريق المتظاهرين دون قتلهم، وفي الوقت نفسه يمكن أن يخلق سوقًا صناعيًا جديدًا لإنتاجه.
خلال الحرب، كانت الولايات المتحدة قد طورت صناعة كيميائية ضخمة لإنتاج المواد القتالية، بما في ذلك كميات كبيرة من قنابل الغاز المسيل للدموع. وبعد انتهاء الحرب، احتاجت هذه الصناعة إلى إعادة توجيه إنتاجها نحو السوق المدني. لذلك انتقل عدد من الضباط السابقين في وحدة الحرب الكيميائية إلى العمل في القطاع الصناعي، وسعوا إلى تسويق هذه المواد كأدوات مثالية للشرطة في السيطرة على الحشود. وكان بعضهم يتساءل بدهشة كيف أن قوات الشرطة لم تحصل بعد على “أحد أكثر الأسلحة فعالية وأقلها ضررًا” التي خرجت من الحرب، خاصة أنها استفادت من تطورات أخرى مثل الراديو والطائرات.
بحلول عام 1921، بدأت وحدات الحرب الكيميائية بإجراء اختبارات رسمية وعمليات بيع واسعة للغاز المسيل للدموع لصالح إدارات الشرطة في مختلف الولايات. في ذلك العام، أعلنت شرطة شيكاغو أنها ستستخدم “قنابل الغاز” لمواجهة تصاعد الجريمة المنظمة. وفي نيويورك، أجرت وحدات مكافحة الشغب في لونغ آيلاند تجارب باستخدام قنابل يدوية تحتوي على الغاز. الصحف في ذلك الوقت نشرت عناوين مثيرة تصف كيف أن رجال الشرطة أنفسهم بكوا أثناء التجارب، وكيف اضطروا إلى استخدام المنديل بدل العصي عندما لم يعودوا قادرين على الرؤية بسبب الدموع. وفي فيلادلفيا، لم تقتصر التجربة على الشرطة فقط، بل امتدت لتشمل المارة، حيث تأثر حتى كلب ضال ورجل جلس عن طريق الخطأ فوق إحدى القنابل فانفجرت تحت جسده، ففرّ الجميع من المكان وهم يئنّون من الألم والاختناق.
مع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن هذه المادة فعّالة جدًا في تفريق الحشود، وسرعان ما تبنتها قوات الشرطة في جميع أنحاء البلاد كجزء أساسي من أدواتها. وخلال سنوات قليلة فقط، تحولت من سلاح يستخدم في الحرب إلى أداة مدنية شائعة. وبحلول عام 1923، كانت أكثر من ستمئة مدينة أمريكية قد أصبحت مجهزة بالغاز المسيل للدموع، واستخدمته بالفعل في التعامل مع الاضطرابات الداخلية دون الحاجة إلى تدخل الجيش.
لم يكن الغاز المسيل للدموع الحالة الوحيدة التي انتقلت فيها تقنيات الحرب إلى العمل الشرطي، فهناك لاحقًا العديد من الأمثلة مثل الأسلحة الهجومية والمركبات المدرعة ووحدات التدخل السريع وحتى تقنيات المراقبة الإلكترونية. لكن الغاز المسيل للدموع يتميز عن غيره بأنه، في ذلك الوقت، كان يُنظر إليه كأداة أقل عنفًا مقارنة بالرصاص، وكان يستخدم كوسيلة لتقليل التصعيد بدل زيادته.
ورغم الجدل المستمر حول استخدامه اليوم، فإنه ما زال جزءًا أساسيًا من أدوات الشرطة في الولايات المتحدة، حيث يُستخدم في السيطرة على الاحتجاجات. وفي الوقت نفسه، يبقى مثالًا واضحًا على كيف يمكن لتقنية صُممت للحرب أن تتحول إلى جزء من الحياة المدنية، مع كل ما يحمله ذلك من أسئلة أخلاقية وسياسية حول حدود القوة في التعامل مع المواطنين.
