القائمة الرئيسية

من الحلاقين والجزّارين إلى الجرّاحين المعاصرين

من الحلاقين والجزّارين إلى الجرّاحين المعاصرين
ملخص المقال

يستعرض المقال على موقع science history التحول الجذري في تاريخ الجراحة خلال القرن التاسع عشر من خلال لوحة توماس إيكنز “عيادة غروس” وسيرة الجرّاح جوزيف ليستر. فبينما تُظهر اللوحة جراحًا بارزًا يعمل بثقة في بيئة جراحية بدائية تعكس واقعًا كان يُنظر إليه آنذاك كإنجاز طبي، تكشف الخلفية التاريخية عن مرحلة كانت فيها العدوى بعد العمليات تقتل أعدادًا كبيرة من المرضى رغم إدخال التخدير الذي خفف الألم لكنه زاد من معدلات الجراحة والوفيات. في هذا السياق، برز ليستر الذي اعتمد على الملاحظة والتجربة متأثرًا بأفكار لويس باستور حول الجراثيم، ليقود ثورة في الطب عبر إدخال التعقيم باستخدام حمض الكربوليك، ما أدى إلى انخفاض كبير في الوفيات وتغيير جذري في ممارسات الجراحة. ومع نجاحاته المتتالية، بما في ذلك علاج شخصيات بارزة مثل الملكة فيكتوريا، أصبحت أفكاره أساس الجراحة الحديثة. ويعكس المقال هذا التحول أيضًا فنيًا عبر مقارنة لوحة إيكنز الأولى، التي وثقت عصر ما قبل التعقيم، بلوحته اللاحقة الأكثر إشراقًا ونظافة، في إشارة رمزية إلى انتصار مبادئ ليستر وترسخ الطب الحديث القائم على النظافة والعلم.

بقلم: ريبيكا ريغو باري

في عام 1875 كان الرسّام الواقعي توماس إيكنز، الذي اشتهر لاحقًا بدراساته في تصوير الحركة، يراقب أحد أبرز جرّاحي الولايات المتحدة، صموئيل د. غروس، وهو يقوم بإزالة أنسجة ميتة من عظم فخذ مريض مصاب بعدوى خطيرة. كان إيكنز يعمل في تلك الفترة على لوحة ستصبح لاحقًا من أشهر أعماله، وهي لوحة ضخمة تُعرف باسم “عيادة غروس”، وتصور مشهدًا داخل مدرج الجراحة في كلية جيفرسون الطبية بفيلادلفيا. كانت اللوحة في آن واحد صادمة وجذابة، حتى إن متحف فيلادلفيا للفنون وصفها بأنها واحدة من أكثر الأعمال الفنية إعادة إنتاجًا ونقاشًا في تاريخ الفن الأمريكي.

يظهر غروس في اللوحة، وكان في السبعين من عمره حينها، كأنه سيد مهنته بلا منازع. يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وتبدو يده الملطخة بالدم وهي تمسك بالمشرط بثقة ودقة لافتتين. تبدو اللوحة وكأنها عمل احتفائي يمجّد الطبيب وإنجازاته، وهو ما جعل بعض المؤرخين يرونها تعبيرًا عن الرضا التام بالأساليب الجراحية السائدة في ذلك الوقت، حيث كانت غرف العمليات مظلمة والأدوات غير معقمة، دون أن يُنظر إلى ذلك كأمر مقلق.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فغروس لم يطلب رسم اللوحة بنفسه، بل قام خريجو الكلية بجمع مبلغ مالي لشرائها بعد عرضها في المعرض المئوي في فيلادلفيا عام 1876. كان أولئك الخريجون فخورين بمؤسستهم وبأطبائها البارزين، وكانت لوحة إيكنز بالنسبة لهم رمزًا لإنجازاتهم العلمية والطبية.

في العام نفسه، استضافت فيلادلفيا مؤتمرًا طبيًا دوليًا، حيث قدّم الجرّاح الإنجليزي جوزيف ليستر أفكاره حول نهج جديد في الجراحة كان قد طوره على مدى خمسة وعشرين عامًا. لم يتقبل معظم الأطباء الأمريكيين فكرته القائلة إن الأدوات والأيدي والأسطح الملوثة تحمل كائنات دقيقة غير مرئية تسبب العدوى بعد العمليات. حتى إن صموئيل غروس سخر من هذه الأفكار، معبرًا عن عدم إيمانه بما طرحه ليستر. لكن رغم هذا الرفض، كانت ثورة طبية حقيقية قد بدأت بالفعل.

صحيح أن الأطباء الأمريكيين رفضوا في البداية نظرية الجراثيم، إلا أنهم كانوا قد حققوا إنجازًا مهمًا قبل ذلك، وهو التغلب على الألم أثناء الجراحة باستخدام التخدير لأول مرة في عام 1846 في بوسطن. وقد انتشر هذا الخبر بسرعة إلى لندن، حيث قام الجرّاح روبرت ليستون بتجربة الإيثر في عملية بتر، في حدث اعتبره الكثيرون تقدمًا مذهلًا. في ذلك الوقت كان جوزيف ليستر شابًا يدرس الطب ويجلس في قاعة العمليات، يراقب تلك التطورات التي ستغير مستقبل الجراحة، رغم أنها لم تكن نهاية المشكلة.

فبينما خفف التخدير الألم، لم يعالج المشكلة الأخطر، وهي العدوى التي كانت تقتل عددًا كبيرًا من المرضى بعد العمليات. بل إن معدلات الوفاة ارتفعت في بعض المستشفيات بعد انتشار التخدير، لأن المزيد من المرضى أصبحوا يخضعون للعمليات، مما زاد من حالات العدوى. في مستشفى ماساتشوستس العام، على سبيل المثال، ارتفعت نسبة الوفيات بعد عمليات البتر من 19 إلى 23 في المئة.

كان ليستر محظوظًا من ناحية خلفيته العلمية، فوالده كان مهتمًا بالمجاهر وطور عدسات بصرية محسنة، مما جعل الابن ينشأ على حب الملاحظة الدقيقة. وعلى عكس أغلب طلاب الطب في ذلك الوقت، كان ليستر يحمل مجهرًا إلى جانب أدوات الجراحة، وهو ما كان يثير استغراب أساتذته الذين كانوا يعتقدون أن الجراحة تعتمد على المهارة اليدوية فقط، دون الحاجة إلى أدوات علمية معقدة.

كانت المستشفيات في تلك الحقبة بيئات قاسية للغاية، مزدحمة وقذرة وتعج بالروائح الكريهة، مما جعلها أرضًا خصبة لانتشار الأمراض. لم يكن أحد يعرف بعد وجود البكتيريا، وكان الجدل قائمًا حول أسباب العدوى، هل هي كائنات غير مرئية أم أبخرة سامة في الهواء. لكن ليستر كان مختلفًا، فقد كان يميل إلى التجربة والملاحظة بدل الاكتفاء بالتكهنات.

في عام 1852 لاحظ أمرين مهمين. الأول أن تنظيف الجروح المتعفنة باستخدام مواد كيميائية قوية ساعد على تحسنها. والثاني أنه عندما فحص الصديد تحت المجهر، وجد أنه يحتوي على أجسام متشابهة في الحجم، رغم أنه لم يكن يعرف ماهيتها، فكان يصفها بأنها “مواد مرضية”. لم تلق أفكاره ترحيبًا في لندن، فانتقل إلى اسكتلندا حيث كان الأطباء أكثر تقبلًا للأفكار الجديدة، لكن حتى هناك اعتبره البعض غريب الأطوار.

كان ليستر يصر على تغيير أسلوب العمل في المستشفيات، فحاول فرض قواعد مثل تهوية الغرف وتنظيف الأرضيات، لكنه واجه مقاومة كبيرة. ولم يبدأ فهم أفكاره بشكل أعمق إلا بعد أن اطلع عام 1864 على أعمال لويس باستور حول التخمّر والتعفن، والتي أعطت تفسيرًا علميًا لما كان يلاحظه.

بعد ذلك بدأ ليستر بتطبيق هذه الأفكار عمليًا، فقام باستخدام حمض الكربوليك لتعقيم الجروح أثناء العمليات. وكانت أول حالة ناجحة له لطفل يبلغ من العمر أحد عشر عامًا أصيب بكسر مفتوح في الساق، وتمكن من إنقاذه من العدوى وربما البتر. وبعد سنوات من التجارب نشر نتائج أبحاثه عام 1867، حيث أظهرت بياناته انخفاضًا كبيرًا في حالات العدوى القاتلة.

لاحقًا، وفي عام 1871، استُدعي ليستر لعلاج الملكة فيكتوريا التي كانت تعاني من خراج كبير. أجرى العملية مستخدمًا تقنيات التعقيم التي طورها، وتعافت الملكة وعاشت سنوات طويلة بعد ذلك، مما عزز من مصداقية أساليبه بشكل كبير داخل الأوساط الطبية.

واصل ليستر عمله دون توقف، وكرّس سنوات طويلة لتطوير أدواته وتعليم الأطباء الجدد، وسافر إلى عدة دول لنشر أفكاره. ومع مرور الوقت بدأت مبادئه تُقبل تدريجيًا حتى أصبحت أساس الجراحة الحديثة. وعند وفاته عام 1912 كان قد حصل على العديد من الأوسمة والتكريمات، كما ارتبط اسمه لاحقًا بغسول الفم الشهير الذي يحمل جزءًا من إرثه العلمي. والأهم من كل ذلك أنه أنقذ عددًا لا يُحصى من الأرواح، وحوّل الجراحة من ممارسة تعتمد على الحدس والخبرة اليدوية إلى علم قائم على النظافة والدقة والتجربة.

أما الرسّام توماس إيكنز، فقد عاد لاحقًا ليعكس هذا التحول في لوحة أخرى عام 1889 بعنوان “عيادة أغنيو”، حيث يظهر المشهد نفسه تقريبًا لكن في بيئة أكثر إشراقًا ونظافة، مع ارتداء الأطباء للملابس البيضاء. وكانت تلك الصورة، كما وصفها البعض، إعلانًا بصريًا عن انتصار أفكار ليستر وترسخ مبادئ التعقيم في عالم الجراحة.

المصدر

مقالات ذات صلة