بقلم: إنجريد أوكرت
عادةً ما يُبنى السرد التاريخي على أشياء ملموسة يمكن الإمساك بها، مثل أوراق قديمة مبعثرة أو إيصالات محفوظة بعناية ومربوطة بمشابك معدنية. وفي التدريب الأكاديمي للمؤرخين، يُطلب من طلاب الدراسات العليا أن يمنحوا الثقة الكاملة للكلمة المكتوبة باعتبارها الأساس الأكثر موثوقية لفهم الماضي. لكن ماذا عن الكلمة التي تُقال وتُروى شفهيًا؟ أنا أدرس تاريخ القرن العشرين، وهذا يمنحني امتيازًا نادرًا، إذ أستطيع أن أتحدث مع أشخاص عايشوا الأحداث التي أكتب عنها وأحاول فهمها. في لغة المؤرخين يُطلق على هؤلاء اسم الفاعلين التاريخيين، لكن هذا المصطلح لم أرتح له يومًا، لأنه يُحوّل الإنسان إلى مجرد دور في قصة، ويجرده من إنسانيته الحقيقية وكأنه شخصية في مسرحية كتبها غيره. بالنسبة لي، من الضروري أن نحترم الأشخاص الذين يختارون أن يشاركوا قصصهم معنا، وأن نتعامل معهم كأفراد حقيقيين لهم تجاربهم الخاصة، لا كأدوار مرسومة في سرد تاريخي جاهز.
في عامي الأول كباحثة في معهد تاريخ العلوم، وجدت نفسي أفكر كثيرًا في قيمة المقابلات المسجلة وكيف يمكن جمعها واستخدامها، خصوصًا أن المعهد يضم أرشيفًا واسعًا من التاريخ الشفوي الذي يوثق شهادات كيميائيين ومهندسين وعلماء من مجالات متعددة. كثير من المؤرخين ينظرون إلى التاريخ الشفوي باعتباره وسيلة لإضفاء لمسة حيوية على سرد الماضي، كأنه إضافة جمالية أكثر من كونه مصدرًا معرفيًا أساسيًا. وبما أن هذا النوع من التاريخ يعتمد على الذاكرة الشخصية، فإن البعض يعتبره أقل موثوقية من الوثائق المكتوبة. لكن تجربتي تشير إلى العكس تمامًا، فالتاريخ الشفوي قادر على تصحيح الروايات، وتأكيدها، وإضافة طبقات جديدة من الفهم لا تظهر في الوثائق وحدها. خلال بحثي في أطروحتي الأكاديمية أجريت مقابلات مع عدد من منتجي البرامج التلفزيونية، واكتشفت من خلالها أن تسلسل القيادة في أحد البرامج كان مختلفًا تمامًا عما ورد في دراسة أكاديمية منشورة. لولا تلك المقابلات لبقي الخطأ متداولًا في السجل المكتوب دون أن يتم مراجعته أو تصحيحه.
ازدادت قناعتي بأهمية المقابلات الشفوية كمصدر أساسي وموثوق عندما وجدت نفسي فجأة جزءًا من رواية تاريخية كتبها شخص آخر. فقد أُغلق مصنع الجعة الذي أسسه والدي في أوائل الثمانينيات في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، وهو مصنع “بريدجبورت بروينغ”، بشكل غير متوقع في شهر فبراير. وخلال أيام قليلة، امتلأت شبكة الإنترنت بمقالات تستعرض تاريخ هذا المصنع وتتناول خبر إغلاقه. بعض هذه المقالات اعتمد على مقابلات سجّلها والدي في وقت سابق لصالح أرشيف تاريخ القفزات وصناعة الجعة في ولاية أوريغون. كان من الغريب أن أقرأ تلك المقالات وأجد فيها تفاصيل عائلية لم أكن أتوقع أن يعرفها أحد خارج نطاق العائلة، تفاصيل كنت أظن أنها بقيت بيننا نحن فقط. ثم كانت المفاجأة الأكبر عندما قرأت مقالًا يحتوي على معلومات غير دقيقة في بعض جوانبه، وشعرت حينها بانزعاج حقيقي، رغم أن الأمر قد يبدو بسيطًا. كنت أرغب في أن يُصحَّح الخطأ وكأنني أدافع عن ذاكرة شخصية وليست مجرد مادة تاريخية.
بصفتي مؤرخة، فوجئت بمدى تأثري بهذا الأمر. أنا أفهم تمامًا ضغط العمل الصحفي والالتزام بالمواعيد النهائية الذي يواجهه الكتاب والصحفيون، لكن في الوقت نفسه، وبوصفي أصبحت جزءًا من هذا السرد كأنني “شخصية تاريخية”، شعرت بخيبة أمل لأن الكاتب لم يبذل الجهد الكافي للتحقق من التفاصيل. وتساءلت ماذا سيحدث بعد عشرين عامًا حين يأتي باحث دراسات عليا ليدرس تاريخ هذا المصنع، هل سيعتمد على تلك المقالات دون أن يعود إلى المقابلات الأصلية المسجلة في الأرشيف؟ والأسوأ من ذلك، هل سيفترض أن ما كُتب صحيح فقط لأنه مكتوب، بينما التاريخ الشفوي لا يُعامل بالجدية نفسها في بعض الأوساط الأكاديمية؟ هذه التجربة جعلتني أدرك أن التاريخ الشفوي ليس مجرد إضافة لطيفة تزين النصوص التاريخية الجافة، بل هو وسيلة أساسية لاستعادة تجارب الناس الحقيقية التي لا تجد طريقها عادة إلى الكتب أو الصحف.
كان الكاتب سي إس لويس قد أشار ذات مرة إلى أن كل لحظة من الزمن الذي نعيشه تحمل في داخلها أكثر مما يمكن أن يُسجَّل أو يُدوَّن، وبالتالي فإن معرفتنا بالتاريخ تظل دائمًا محدودة. ورغم اعتمادي الكبير على الوثائق المكتوبة مثل الرسائل والمذكرات والسجلات الرسمية لفهم الماضي، فإن المقابلات الشفوية تضيف لي شيئًا مختلفًا تمامًا، إذ تكشف جوانب من التجربة الإنسانية لا يمكن للأرشيف وحده أن ينقلها. المؤرخ بحاجة إلى التاريخ الشفوي، بل لا يمكنه الاستغناء عنه. وكلما كان ذلك ممكنًا، علينا أن نبحث عن الأشخاص الذين عاشوا الفترات التي ندرسها، وأن نمنحهم فرصة لسرد ما يتذكرونه. بهذه الطريقة فقط يمكننا أن نعيد للناس حضورهم الحقيقي، وأن نخرجهم من كونهم مجرد شخصيات في كتب التاريخ إلى كونهم بشرًا عاشوا وتجربوا وتركوا أثرهم في العالم.
