في عام 1806 كتب الرئيس توماس جيفرسون رسالة إلى طبيب في إنجلترا. كانت الرسالة مليئة بالثناء، إذ قال فيها إنه “يؤدي… جزءًا من واجب الامتنان المستحق لك من البشرية جمعاء. لم يُنتج الطب من قبل أي تحسين واحد بهذا القدر من الفائدة… لقد محوت من سجل آلام الإنسان واحدًا من أعظمها.”
كان امتنان الرئيس موجّهًا إلى إدوارد جينر، الذي أثبت في تسعينيات القرن الثامن عشر أن التلقيح بمرض جدري البقر يحمي في معظم الحالات من الجدري، وهو مرض أشد خطورة وقد يكون قاتلًا في كثير من الأحيان. وقد استقبل الاكتشاف بإشادة واسعة من الأطباء والمفكرين التنويريين. ومنحه البرلمان البريطاني مكافأة قدرها 10,000 جنيه إسترليني، تلتها بعد خمس سنوات مكافأة إضافية قدرها 20,000 جنيه. واعتمدت عدة دول تقنيات جينر، بما في ذلك الولايات المتحدة الناشئة آنذاك. وتنبأ جيفرسون في رسالته بأن “الأمم القادمة لن تعرف من التاريخ إلا أن الجدري البشع قد وُجد، وأنك أنت من قضيت عليه.”
ومع ذلك، فإن هذا الإجراء الوقائي المعجزي والفعّال لم يصبح ممارسة روتينية، حتى بالنسبة للأطفال. فقد كان انتشار الجدري يتذبذب طبيعيًا بين الفترات، ولم يكن الناس يلجؤون إلى لقاح جينر إلا أثناء الأوبئة. وفي مثل تلك الأوقات، كان الطلب الكبير يؤدي أحيانًا إلى نقص في اللقاح. إضافة إلى ذلك، كان اللقاح قد يتلوث بأمراض أخرى مثل الزهري، وهو احتمال كان يثير الرعب ويدفع الناس إلى تجنب التطعيم.
هذه العوامل حدّت من اعتماد لقاح الجدري لأكثر من نصف قرن، إلى أن جاء ابتكار لم يُحتفَ به كثيرًا ليحل هذه المشكلات. والمبتكرون أنفسهم يكادون يكونون مجهولين حتى لدى المؤرخين، الذين أغفلوا هذه الثورة التقنية.
في الوقت الحاضر تُنتج اللقاحات على نطاق صناعي في المصانع والمختبرات، لكن حتى سبعينيات القرن التاسع عشر كان على أي طبيب يرغب في تطعيم مريض ضد الجدري أن يجمع صديدًا حديثًا محمّلًا بالفيروس أو قشرة جافة من شخص تم تطعيمه حديثًا. وليس من المستغرب أن توفر القشور والجروح كان غير منتظم، نظرًا لتغيرات الناس وحركتهم، وقصر الفترة التي يظل فيها اللقاح صالحًا وفعّالًا، ناهيك عن امتناع الشخص السليم عن العودة للطبيب لإجراء غير علاجي. وكانت السلطات تعتمد أحيانًا على جنود تم تطعيمهم حديثًا، إذ كان يُطلب منهم تقديم جروحهم لاستخراج الصديد. لكن هؤلاء الجنود غالبًا ما كانوا قد تعرضوا لأمراض أخرى، مما أدى إلى انتقال غير مقصود لأمراض مثل الزهري أو الحمرة الجلدية.
لعقود بعد إنجاز جينر، لم تُبذل جهود كبيرة لاستخدام لقاح مأخوذ مباشرة من الأبقار، ربما لأن لقاح جينر نفسه كان مستخلصًا من جروح جدري البقر على أيدي وأذرع الحلابات المصابات. ثم، في إيطاليا حوالي عام 1840، نجح جوزيبي نيغري من نابولي في استخدام مادة مأخوذة من الأبقار لتطعيم البشر. وقد عُرض هذا النهج الجديد في المؤتمرات الطبية، لكنه لم يحظَ باهتمام جدي من المجتمع الطبي حتى عام 1864، عندما أحضر غوستاف لانوى وإرنست شامبون عجلًا مصابًا بجدري البقر من نابولي إلى باريس بهدف إنشاء خدمة للقاحات. وخلال بضع سنوات أصبح أحد العجول يُستخدم في أكاديمية الطب. وقد جعل التناقض بين الأطباء ذوي الملابس الأنيقة والمباني الفخمة وبين عجل هادئ الحدث جديرًا بالاهتمام الإعلامي. كان عجل واحد قادرًا على توفير ما يكفي من الفيروس لآلاف الجرعات خلال أسابيع قليلة، كما أن قطيعًا صغيرًا كان يكفي لتوفير التطعيم عند الحاجة لأي مدينة تواجه وباءً. والأهم أن المرضى لم يعودوا معرضين لخطر الإصابة بأمراض بشرية أخرى مصاحبة.
انتقل شامبون لاحقًا إلى الولايات المتحدة لفترة، وافتتح مكتبًا في 120 فورت غرين بليس في بروكلين، التي كانت آنذاك ثالث أكبر مدينة في البلاد، حيث حظي بمزيد من التغطية الإعلامية.
وبفضل جهود شامبون والطبيب الأمريكي المتخصص في الجدري هنري مارتن وآخرين، سارعت إدارات الصحة ورواد الأعمال إلى إنشاء “مزارع الفيروس” في أنحاء الولايات المتحدة وكندا في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. وكانت هذه المنشآت الجديدة من أوائل مرافق إنتاج المواد البيولوجية التي خضعت للتفتيش والموافقة من إدارة الغذاء والدواء. وقد وفرت هذه المزارع إمدادًا ثابتًا وغزيرًا وآمنًا من مادة اللقاح المنقذة للحياة، مما أدى بدوره إلى نتائج مذهلة. فقد تم تطعيم نحو 250,000 شخص في بروكلين عام 1894، وفي عام 1902 تم تطعيم 800,000 من سكان نيويورك، أي ما يقرب من ربع سكان المدينة.
وبحلول عشرينيات القرن العشرين، كانت برامج التطعيم قد نجحت تقريبًا في القضاء على الجدري في الولايات المتحدة.
