لماذا ما زلنا نتحدث عن لويس باستور؟
لقد مرّ 200 عام منذ ولادة رائد نظرية الجراثيم واللقاحات الحديثة، ومع ذلك ما تزال سمعته قائمة حتى اليوم. وعلى الرغم من أنه لم يزر الولايات المتحدة قط، فإن ذكرى هذا الفرنسي لم تقتصر على علماء الطبيعة هناك، بل امتدت إلى الجمهور العام أيضًا. لكن لماذا؟ ما الذي جعله أكثر بقاءً في الذاكرة من كثير من العلماء الجديرين الآخرين عبر التاريخ؟
جزء من إرث باستور يقوم على أساس بناه بنفسه. فقبل أن يدرك علماء آخرون أهمية الشهرة، كان باستور قد بدأ في بناء علاقات مع المجلات الشعبية والصحف اليومية، وعمل بشكل وثيق مع الفنانين والمصورين لتوجيه صور إيجابية عنه إلى الصحافة. لم تكن لهذه الممارسات سابقة في عالم العلم. بل استلهم باستور ذلك من أصدقائه في عالم الفن، مثل ويليام بوغيرو وجان-جاك هينر وبول دوبوا، وكان يتابع عن قرب مراجعات “صالون باريس” السنوي. كما لاحظ كيف أن النجاح الفني يعتمد على التغطية الصحفية، وكان يكتب لأصدقائه عن مراجعات أعمالهم، سواء كانت إيجابية أو سلبية.
نسخة طبق الأصل من صورة باستور الشهيرة التي رسمها إيدلفلت كما ظهرت في مجلة هاربرز ويكلي، عام 1885
ساعدت التغطية الإعلامية لإنجازاته العملية في ضمان دعم الحكومة لأبحاثه، كما ساعدت معرفة الجمهور بابتكاراته في الصناعة والزراعة وصحة الإنسان على تحويلها من تقارير أكاديمية إلى تطبيقات واقعية مؤثرة.
وقد عززت علاقاته بالصناعة سمعته كذلك. ففي بدايات مسيرته التعليمية، بدأ الكيميائي في معالجة أسئلة يطرحها عليه الصناعيون. وانتقل من أبحاثه الأساسية إلى حل مشكلات واقعية. ومع الوقت، انتقل من دراسة الكحول والخل إلى دراسة الكائنات الحية الدقيقة غير المرئية في الهواء. وتمكن من إثبات أن هذه الكائنات الدقيقة مسؤولة عن عمليات التخمر المفيدة وكذلك التعفن والفساد، وأطلق عليها اسم “الميكروبات”. كما افترض أن هذه “الجراثيم” تنتقل عبر جزيئات الغبار حتى في الهواء النظيف ظاهريًا، وأنها مسؤولة عن التهابات الجروح التي كانت تسبب وفاة الكثيرين بعد الإصابات أو العمليات الجراحية. وقد استفاد الجراح البريطاني جوزيف ليستر من هذه الفكرة، المنسوبة بالكامل إلى باستور، لتطوير أساليب التعقيم في الجراحة، مما أنقذ حياة عدد لا يحصى من البشر، وأسس للصياغة الأولى لنظرية الجراثيم.
باستور يقدم استشاراته لمصنع ويتبريد للجعة في لندن عام 1871. نقش من تصميم مارك سيفيرين، 1937
تدرّج عمل باستور من الكيمياء إلى البيولوجيا ثم إلى الطب، حيث حقق نتائج رائدة في تحصين الحيوانات والبشر ضد بعض الأمراض المعدية. وقد عرّف هذا التحصين بوصفه عملية عامة أطلق عليها اسم “التطعيم”، تكريمًا للقاح الجدري البقري الذي طوره إدوارد جينر، والذي كان الإجراء الوحيد المماثل قبل لقاحات باستور ضد الكوليرا الطيرية والجمرة الخبيثة وداء الكَلَب.
كانت لقاحات داء الكلب التي طورها باستور قصة مثالية للصحافة العالمية عام 1885، وأحدثت عناوين مثيرة في كل مكان. وتابع الصحفيون والرسامون تدفق المرضى إلى مختبره. وكان يجد وقتًا لاستقبال الزوار من النوعين. كما تبادل الضحك مع مراسل صحيفة “نيويورك هيرالد” في باريس، الذي أحضر له نسخة من مجلة “بوك” الساخرة، تحتوي على رسم كاريكاتوري بعنوان: “طفرة باستور — أوقات ذهبية لضحايا داء الكلب. الآن هو الوقت المناسب ليعضك كلب مسعور وتأخذ رحلة إلى باريس.”
""طفرة باستور - أوقات ذهبية لكارهي الماء""، من عدد ديسمبر 1885 من مجلة بوك
وبعد هذا الإنجاز، لم يعد باستور بحاجة إلى السعي وراء الصحافة، لكنه استمر في تعزيز حضوره في الثقافة الشعبية والثقافة الرفيعة. فقد خصص وقتًا للجلوس أمام الرسامين والنحاتين، وشارك في تشكيل صورته العامة خلف الكواليس، بما في ذلك تعاونه مع صهره في إعداد سيرة ذاتية مطولة نُشرت عام 1885 دون ذكر اسميهما على الغلاف.
حصل باستور على العديد من الجوائز العلمية خلال حياته، لكن بعد نجاح لقاح داء الكلب تضاعف حجم التكريم الموجه إليه. فقد افتُتح “معهد باستور” في باريس عام 1888 بتمويل من عشرات الآلاف من المواطنين العاديين، وملايين الفرنكات من العائلات الصناعية والمصرفية، إضافة إلى تبرعات من قيصر روسيا وسلطان تركيا وإمبراطور البرازيل. وفي احتفال عيد ميلاده السبعين عام 1892 في جامعة السوربون، رافقه رئيس الجمهورية إلى المنصة وسط تصفيق 400 شخصية بارزة.
عند وفاته عام 1895، أقيم له جنازة رسمية، لكنه لم يُدفن في “البانثيون” حيث يرقد كبار رموز فرنسا، بل أنشأت عائلته سردابًا شبيهًا بالكنيسة تحت معهد باستور، وزُين بفسيفساء بيزنطية جديدة، ما جعله يُعامل كقديس تقريبًا، وحوّل مقر المعهد إلى أرض ذات طابع مقدس. وفي العقود التالية، استجابت مدن حول العالم ببناء تماثيل ونُصب تذكارية حافظت على حضوره في الوعي العام.
في الولايات المتحدة، عُرف باستور أولًا بين العلماء والأطباء، لكن شهرته كمبتكر ورجل معجزات انتشرت بين العامة. ففي عام 1869 كتب أحد صانعي النبيذ في كاليفورنيا إلى إحدى الصحف قائلًا: “باستور يحظى بشعبية بين صانعي النبيذ مثل رئيس الولايات المتحدة، ولو كان هنا لانتُخب لمنصب رفيع.”
تمثال باستور من تصميم لوران ماركست في جامعة السوربون (يسار) والجزء الداخلي من قبره في معهد باستور (يمين)، من سلسلة بطاقات بريدية، حوالي عام 1920
أصبح باستور اسمًا مألوفًا في 1885 عندما أنقذت لقاحاته ضد داء الكلب حياة أربعة أطفال أمريكيين نُقلوا إلى باريس للعلاج. وبعد وفاته، حظي بتكريم واسع في الصحافة الأمريكية، من مجلات مثل “هاربرز ويكلي” و“ليتراري دايجست” إلى مجلة “ذا هاوسهولد” الموجهة للنساء، حيث وُصف بأنه “العالم الفرنسي الشهير، أحد المحسنين العمليين للعالم”.
ساعدت اكتشافاته العملية في ترسيخ صورته كبطل ملائم لثقافة “الإنجاز” الأمريكية، مما أدى إلى احتفاء واسع به بعد وفاته. وعلى عكس فرنسا، حيث يضمن “معهد باستور” استمرارية إرثه، فإن حضوره في الولايات المتحدة كان متنوعًا ومتغيرًا، لكنه ظل حاضرًا في الذاكرة عبر مؤسسات ومبادرات متعددة.
في بداية القرن العشرين، تلقى إرثه دفعة جديدة عندما أسس رجل النفط جون د. روكفلر “معهد روكفلر للأبحاث الطبية” عام 1901 مستلهمًا نموذج معهد باستور. وفي عام 1912 اشترى روكفلر منزل باستور في مدينة دول الفرنسية ليُحوّل إلى متحف.
ومع اقتراب الذكرى المئوية لولادته عام 1922، نُظمت فعاليات واسعة في الولايات المتحدة شملت مؤتمرات ومحاضرات ومعارض، واحتفالًا وطنيًا في فيلادلفيا. حضره علماء بارزون، وتُليت رسائل من الرئيس وارن هاردينغ ورئيس المحكمة العليا ويليام تافت والرئيس السابق وودرو ويلسون، وبُث الحدث عبر الراديو على مستوى البلاد.
ملصق إعلاني لمعرض يُقام في ستراسبورغ، فرنسا، عام 1923، إحياءً لذكرى مرور مئة عام على ميلاد باستور.
كما احتفلت فرنسا بهذه المناسبة بإصدارات وفعاليات متعددة، بعضها ارتبط بالولايات المتحدة، حيث قُدمت أدوات زجاجية أصلية من مختبراته إلى جامعات أمريكية لتُعرض كأنها “آثار مقدسة” مرتبطة بحياته العلمية.
في عام 1926، حقق كتاب “صيادو الميكروبات” نجاحًا كبيرًا، وظل يُطبع لأكثر من قرن. وقد خُصص فصلان لباستور وحده، وألهم الكتاب أجيالًا من العلماء. وفي 1996، وصفه أحد محرري مجلة “نيو ساينتست” بأنه ربما كان قد ألهم مئات الآلاف لدخول مجالات الأحياء أو الطب.
بعد عقد، شاهد الأمريكيون فيلم “قصة لويس باستور”، الذي قدم سيرة درامية لحياته، ورغم إضافاته الخيالية، نجح في تقديم لحظات تاريخية مهمة مثل تطوير لقاح الجمرة الخبيثة وعلاج أول مريض بداء الكلب واحتفاله في السوربون. وحضر العرض الأول جوزيف مايستر، أول طفل تلقى لقاح داء الكلب على يد باستور، إلى جانب أحد مرضاه الأمريكيين الأوائل، ليحقق الفيلم نجاحًا فنيًا كبيرًا.
في الثلاثينيات والأربعينيات، ظهر باستور في الدراما الإذاعية، لكن أكبر انتشار له كان في مجلات القصص المصورة للأطفال، حيث ظهرت شخصيات تاريخية ضمن قصص “حقيقية”. وقد قرأ مئات الآلاف هذه المجلات، ما جعلها من أكثر مصادر تاريخ الطب انتشارًا في ذلك العصر.
غلاف ولوحات من العدد رقم 4 من مجلة Vidas Ilustres المكسيكية المصورة التي تضم باستور، مايو 1956
في الوقت نفسه، بدأت ألعاب تعليمية للأطفال تحمل اسمه وصورته، مثل مجموعة المجهر “لويس باستور”، التي عرّفت الأطفال على العلم بطريقة تفاعلية.
غطاء لمجموعة مجهر لويس باستور، بعد عام 1920
لكن مع إطلاق الاتحاد السوفيتي لقمر “سبوتنيك”، شعرت الولايات المتحدة بصدمة علمية، ما دفع الحكومة إلى ضخ استثمارات ضخمة في التعليم العلمي. وتم تمويل برامج لطلاب المدارس الثانوية لدراسة العلوم في الجامعات.
يذكر الكاتب أنه كان أحد هؤلاء الطلاب في أواخر الخمسينيات، حيث أمضى ثلاثة صيفيات في مختبرات علمية جامعية، وتعلم العمل بدقة واحترافية.
في السبعينيات والثمانينيات، فتحت الاكتشافات العلمية في علم الوراثة والحوسبة مجالات جديدة، ورغم بعدها عن مختبرات باستور التقليدية، ظل يُنظر إليه باعتباره أساسًا لربط العلم بالمجال الطبي. وفي عام 1995 أعلنت فرنسا “عام باستور” إحياءً لذكرى وفاته، وأقيمت فعاليات عالمية واسعة.
أما أحدث مظاهر الاحتفاء به في الولايات المتحدة فكان معرض “باستور في عمر 200” في جامعة ييل، الذي جمع بين كتب ومواد ثقافية أمريكية وأدوات أصلية من مختبره.
معرض في متحف باستور بجامعة ييل بمناسبة مرور 200 عام
ورغم وجود فعاليات محدودة في الخارج، يبدو أن هذا المعرض هو الاحتفال الأمريكي الأبرز اليوم. وهنا يُطرح السؤال: هل سيكون هذا هو الوداع الأخير لباستور في الثقافة الأمريكية؟
المؤشرات ليست مشجعة. فالتاريخ يتغير، ومؤرخو العلم باتوا أكثر تنوعًا، وأقل تركيزًا على سردية التقدم التي تصنعها نخبة أوروبية. كما أن طريقة تعاملنا مع العلم نفسها تغيرت، وأصبحنا نرى الطبيعة من خلال صور رقمية ونماذج مجردة بدلًا من التجربة الحسية المباشرة.
كان الطلاب والعامة في الماضي قادرين على رؤية العالم كما رآه باستور، وممارسة التجربة بأيديهم داخل المختبر. أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة أكثر بعدًا عن التجربة المباشرة، رغم أنها أكثر وضوحًا بصريًا.
وربما، مع التغيرات البيئية وزيادة الاهتمام بالطبيعة والتقنيات الرقمية، قد يعود بعض الناس إلى إدراك حسّي أعمق للعالم المادي، مما قد يساعدهم على تقدير الجهد الذي بذله علماء مثل باستور لفهم العالم بكل تعقيداته.
