القائمة الرئيسية

تشخيص الموتى

تشخيص الموتى
ملخص المقال

يناقش المقال على موقع science history ظاهرة “التشخيص الطبي للشخصيات التاريخية”، متخذًا من تشارلز داروين مثالًا رئيسيًا، حيث حاول باحثون معاصرون إعادة تفسير معاناته الصحية المزمنة—من القيء الشديد والألم والأعراض العصبية والهضمية—عبر عشرات التشخيصات المتناقضة التي تراوحت بين أمراض عضوية ونفسية ونادرة، رغم عدم وجود أدلة حاسمة. ويمتد هذا الاتجاه ليشمل شخصيات تاريخية عديدة مثل فان غوخ وشوبان وهتلر ولينكولن، وأحيانًا قادة سياسيين معاصرين، ما يثير جدلًا حول دقة وأخلاقيات هذا النوع من “الطب الاسترجاعي”. ويشير المقال إلى أن هذه المحاولات غالبًا ما تتجاهل السياقات التاريخية والثقافية وتعتمد على بيانات ناقصة، مما يجعل نتائجها أقرب إلى التكهنات منها إلى العلم. كما يعرض مثال إخناتون الذي أسيء تفسير تمثيله الفني كدليل طبي، قبل أن تُظهر الفحوصات الحديثة عدم وجود تشوهات حقيقية. وفي النهاية، يحذر المقال من الإفراط في إسقاط الطب الحديث على الماضي، مؤكدًا أن كثيرًا من هذه الحالات ستظل غامضة، وأن التواضع العلمي أفضل من محاولة فرض يقين طبي على تاريخ غير مكتمل.

بقلم: سام كين

هل تعلم أن تشارلز داروين كان يعاني من الذئبة؟ ومن النعاس القهري أيضًا؟ بالإضافة إلى تلف في الأذن الوسطى، وحساسية من الحمام، ورهاب الساحات المفتوحة، ومتلازمة التعب المزمن، ورم في الغدة الكظرية، وداء شاغاس، وشيء يُسمى التهاب الكبد الكامن المزمن؟

هذا على الأقل ما يريد منك بعض “المحققين الطبيين” المعاصرين تصديقه. هؤلاء المحققون وغالبًا ما يكونون أطباء ومؤرخين طبيين نشروا عشرات الدراسات التي تعيد تشخيص داروين بكل واحد من هذه الأمراض، في محاولة لحل لغز سبب اعتلال صحة مؤسس علم الأحياء الحديث طوال حياته.

وبالتأكيد، عانى داروين من صحة متدهورة مزمنة. فقد شملت قائمة أعراضه الطويلة الدمامل، ونوبات الإغماء، وخفقان القلب، وخدر الأصابع، والأرق، والصداع النصفي، والدوخة، والأكزيما، وغازات شديدة للغاية. لكن أكثر ما كان يعاني منه داروين هو القيء. كان يتقيأ بعد الإفطار، وبعد الغداء، وبعد شاي العصر  ويستمر حتى يصل إلى حالة جفاف من القيء المتكرر. وفي أسوأ حالاته كان يتقيأ عشرين مرة في الساعة، وذات مرة استمر القيء معه 27 يومًا متواصلة.

لقد قلبت حالته الصحية السيئة حياته بالكامل، إذ كانت تمنعه كثيرًا من زيارة الآخرين أو حضور الاجتماعات العلمية. ولم يكن يستطيع الكتابة لأكثر من 20 دقيقة دون ألم في مكان ما من جسده، وقد فقد ما مجموعه سنوات من العمل بسبب أمراض مختلفة. حتى لحيته الشهيرة ربما تركها تنمو جزئيًا لتخفيف حكة الأكزيما التي كانت تصيب وجهه.

من الواضح إذن أن شيئًا ما كان خطأً مع داروين. لكن تحديد ما هو هذا الشيء تحديدًا ظل مهمة شبه مستحيلة، كما يظهر من قائمة التشخيصات المتضاربة. إذ تتراوح الاحتمالات بين أمراض مناعية، وعدوى فيروسية، وأورام سرطانية، واضطرابات نفسية.

تشارلز داروين

جزء من المشكلة أمام من يحاولون إعادة تشخيص داروين تاريخيًا هو عدم وضوح أي الأعراض كانت أساسية وأيها كان ثانويًا أو مضللًا، أو ما إذا كان يعاني من أكثر من مرض في الوقت نفسه. الحقيقة أن لا أحد يعرف على وجه اليقين ما الذي كان يعانيه تشارلز داروين، ومن المرجح أنه لن يُعرف ذلك أبدًا ما لم تظهر أدلة تاريخية جديدة.

وداروين ليس حالة استثنائية. فهناك صناعة صغيرة كاملة من محاولات إلصاق الأمراض بالشخصيات التاريخية الشهيرة. فقد تم تشخيص فريدريك شوبان بعد وفاته بالتليف الكيسي، ودوستويفسكي بالصرع، وإدغار آلان بو بداء الكلب، وجين أوستن بجدري الماء في مرحلة البلوغ، وفلاد المخوزق بمرض البورفيريا، والإسكندر الأكبر بفيروس غرب النيل. ولم يتردد الباحثون في نسب اضطرابات نفسية أيضًا، إذ يبدو أن فينسنت فان غوخ قد شُخّص بنصف اضطرابات الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية.

وكامتداد لهذه الظاهرة، يقوم بعض علماء النفس أحيانًا بتشخيص شخصيات بارزة في حياتهم المعاصرة عن بُعد، خصوصًا السياسيين. لكن دقة هذه التشخيصات ليست أفضل حالًا.

ومن أكثر الأمثلة تطرفًا ما يتعلق بأدولف هتلر. خلال الحرب العالمية الثانية، كلف مكتب الخدمات الاستراتيجية وهو الجهة التي سبقت وكالة الاستخبارات المركزية بإعداد تقارير عن الحالة النفسية لهتلر، وجاءت بعض المقاطع أشبه بمحاكاة ساخرة لمصطلحات التحليل النفسي الفرويدي. فقد لاحظ أحد المحللين وجود “ارتباط ليبيدي قوي بين الأم والابن” في عائلة هتلر، وذهب إلى أن هتلر كان يخشى أن يقوم والده بإخصائه، رغم عدم وجود أي دليل على ذلك.

والأكثر خطورة أن المحلل ادعى أن كراهية هتلر لليهود ناتجة مباشرة عن شعوره بالعار من هذا الانحراف، وأنه أسقط كراهيته الذاتية على اليهود. وبعيدًا عن عبثية هذا المنطق، فإنه يتجاهل تمامًا السياقات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي أدت إلى صعود هتلر. فوفق هذا التصور، مجرد منحرف نفسي يصل إلى السلطة يؤدي حتمًا إلى “الحل النهائي”.

ورغم غرابة هذه الاستنتاجات، استمر علماء النفس في فحص القادة السياسيين عن بُعد خلال العقود التالية. ففي عام 1964، أجرت مجلة “فاكت” استطلاعًا لآراء الأطباء النفسيين في البلاد، ونشرت تقريرًا يفيد بأن ما يقرب من 1200 منهم اعتبروا المرشح الجمهوري للرئاسة باري غولدووتر “غير مؤهل” لمنصب الرئاسة. لاحقًا، رفع غولدووتر دعوى تشهير ضد المجلة وكسبها، ما أدى إلى أن تنشئ الجمعية الأمريكية لعلم النفس ما يُعرف بـ”قاعدة غولدووتر”، التي تحظر أخلاقيًا على الأطباء النفسيين تشخيص شخصيات عامة لم يجروا فحصًا مباشرًا لها. لكن هذه القاعدة لم توقف الممارسة فعليًا. ومع احتدام السياسة الأمريكية في العقود الأخيرة، خرق العديد من المختصين هذه القاعدة وعلقوا على الحالة النفسية لدونالد ترامب.

على اليسار، غلاف عدد سبتمبر-أكتوبر 1964 من مجلة فاكت. على اليمين، رسم كاريكاتوري لباري غولد ووتر من العدد نفسه، استُخدمت فيه عناصر مستوحاة من مخططات علم فراسة الدماغ.

يرى بعض علماء النفس أن الحاجة إلى تجنب أزمات محتملة قد تبرر تجاوز قاعدة غولدووتر. بينما يحذر المدافعون عنها من مخاطر التخلي عنها، لأن ذلك يجعل المختصين يبدو وكأنهم أدوات حزبية، ويقوض مصداقيتهم. والأسوأ من ذلك أن المطالبة بعزل سياسيين بسبب صحتهم النفسية تعزز فكرة خاطئة بأن الاضطرابات النفسية وصمة عار تمنع أصحابها من العمل.

وتزداد خطورة التشخيص عن بُعد لأن ما يُعتبر اضطرابًا نفسيًا يعتمد بشكل كبير على السياق الثقافي، ويتغير عبر الزمن. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك، أن أحد الأطباء النفسيين في الاتحاد السوفيتي خلال الثمانينيات كان يعتقد أن ميخائيل غورباتشوف يعاني بوضوح من “الفصام البطيء”، وهو مرض كانت أعراضه تشمل “السعي إلى الحقيقة، والمثابرة، والأفكار الإصلاحية، والاستعداد لمخالفة التيار”. ولم تدرك الطبيبة إلا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أنها كانت هي نفسها من تمتلك منظورًا مشوهًا.

إذا كان علماء النفس يبررون تشخيص السياسيين عن بُعد بتجنب الأزمات، فإن دوافع التشخيصات بعد الوفاة للشخصيات التاريخية أقل وضوحًا. وربما يعود هذا الدافع جزئيًا إلى هوسنا بالمشاهير، فهو نوع من القيل والقال “المحترم”. كما يرتبط برغبة أكاديمية في معرفة كل تفاصيل حياة الشخصيات الشهيرة. لكن السؤال الأهم هو: ما الذي نأمل أن نتعلمه فعليًا من هذه التشخيصات؟

أحيانًا، خصوصًا باستخدام التحليل الجيني وأدوات التصوير الحديثة، يمكن للعلماء الوصول إلى نتائج مهمة أو حل جدل تاريخي طويل. مثال ذلك إخناتون، فرعون مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الذي أثار اهتمام علماء المصريات لقرون، خصوصًا بسبب ثورته الدينية والفنية الجذرية التي فرضت عبادة إله واحد.

لكن ما يثير الاستغراب دائمًا هو تمثيلاته الفنية. ففي تماثيله ورسومه، تظهر ملامح وجهه وجسده بشكل مبالغ فيه أو مشوّه أحيانًا. وقد وصفه بعض علماء الآثار بعبارات ساخرة مثل “قمة النفور الجسدي” أو “فرس النبي البشري”.

وقد لاحظ الباحثون صفات غير معتادة في صور إخناتون، مثل رأس لوزي الشكل، وأطراف طويلة ونحيلة، وركب تنثني للخلف، وشفاه ممتلئة بشكل غير طبيعي، وصدر غائر، وبطن بارز. وهذا يثير التساؤل، خصوصًا أن باقي الفن المصري في عهده كان واقعيًا للغاية.

تمثال ضخم لأمنحتب الرابع، قبل أن يغير اسمه إلى إخناتون، أصله من مجمع معبد الكرنك في الأقصر الحالية بمصر، حوالي 1353-1347 قبل الميلاد

انقسم الباحثون إلى فريقين: الأول يرى أن هذه الصور رمزية وليست واقعية، والثاني يرى أنها واقعية وتشير إلى اضطراب طبي مثل متلازمة فروهليش أو التثدي الوراثي. لكن هذه الفرضيات بقيت دون دليل حاسم.

في عام 2007، سمحت الحكومة المصرية بإجراء تحاليل جينية على مومياوات ملكية من عدة أجيال، بما في ذلك إخناتون، إلى جانب فحوصات بالأشعة المقطعية. وأظهرت النتائج عدم وجود تشوهات كبيرة، ما يشير إلى أن العائلة الملكية كانت تبدو طبيعية. وبالتالي، من المرجح أن التماثيل لم تكن تهدف إلى الواقعية، بل كانت دعاية سياسية، ربما لإظهار الفرعون ككائن فوق بشري.

وفي حالات أخرى، تبدو فائدة التشخيصات بعد الوفاة أقل وضوحًا بكثير. فقد اقترح بعض الباحثين أن أبراهام لنكولن كان يعاني من متلازمة مارفان، بسبب بنيته النحيفة وأطرافه الطويلة. لكن حتى لو أمكن إثبات ذلك جينيًا، فهل سيساعدنا هذا حقًا على فهم قراراته أو عصره أو شخصيته بعد أكثر من 150 عامًا من وفاته؟

أبراهام لينكولن، أغسطس 1863. دفعت ملامح لينكولن الجسدية العديد من الأطباء والمؤرخين إلى التكهن بحالته الصحية.

غالبًا ما تكون هذه المحاولات مثل حالة داروين: مجموعة من الأعراض غير الواضحة، وسجلات تاريخية غير دقيقة، وأحيانًا مكتوبة بعد وفاة الشخص بسنوات أو قرون، ما يجعلها أقرب إلى الأسطورة منها إلى الطب.

كما أن هناك إشكالات أخلاقية. فبينما يرى البعض أن تحليل الرسائل واليوميات أو حتى الجينات امتداد طبيعي للبحث التاريخي، فإن الحمض النووي قد يكشف معلومات لم يكن الشخص نفسه يعرفها، وقد تمس أحفاده الأحياء بطريقة غير مريحة.

ورغم كل الانتقادات، من غير المرجح أن تتوقف هذه الممارسة. فالدراسات الجديدة تظهر باستمرار، بل إن بعضها يتجاوز التشخيص إلى افتراض أن أمراضًا معينة كانت سببًا في الحروب أو الأعمال الفنية الكبرى. ومع ذلك، نادرًا ما يكون هناك ضرر مباشر في هذا النوع من التكهنات، لذا لا حاجة لفرض “قاعدة غولدووتر” على التاريخ.

لكن ربما ما نحتاجه فعلًا هو شيء من التواضع. فالغموض الذي يحيط بما كان يعانيه داروين وغيره من الشخصيات التاريخية قد يظل، على الأرجح، لغزًا سنضطر إلى التعايش معه.

المصدر

مقالات ذات صلة