بقلم: باتريك هـ. شيا
الذرة من أجل السلام
في تاريخ برنامج الأسلحة النووية الأمريكي، تظل فكرة استخدام القنابل الاندماجية الحرارية لحفر الأرض واحدة من أكثر الأفكار غرابة وتميّزًا. اليوم، يكاد يكون هناك إجماع على ضرورة تجنب التفجيرات النووية، لكن في خمسينيات القرن العشرين لم يكن هذا الأمر محسومًا بعد. ففي ذلك الوقت، التقت موجة التفاؤل غير المحدود التي ميّزت تلك الحقبة مع أجواء الحرب الباردة المتوترة وسباق التسلح مع الاتحاد السوفيتي، ما دفع بعض أبرز العلماء الأمريكيين إلى التفكير في أفكار تجمع بين الطموح والعبث، بل وقد تبدو مرعبة صراحةً.
في مرافق «لجنة الطاقة الذرية» المنتشرة في أنحاء الولايات المتحدة، بدأ يتشكل توجه بين الفيزيائيين الذين أخذوا يشعرون بعدم الارتياح تجاه عملهم في تطوير برنامج الأسلحة النووية. فقد أمضوا سنوات طويلة من حياتهم المهنية في تصميم قنابل أكثر قوة وفتكًا، وبدأوا يتساءلون إن كان بالإمكان استخدام تلك القنابل نفسها في خدمة أغراض نافعة.
برزت هذه الفكرة إلى العلن لأول مرة عام 1953، عندما ألقى الرئيس دوايت أيزنهاور خطابه الشهير «الذرة من أجل السلام» أمام الأمم المتحدة. سعى أيزنهاور إلى تهدئة المخاوف الدولية المتزايدة بشأن تضخم الترسانة النووية الأمريكية، واعدًا بأن بلاده ستعمل على تعزيز الاستخدامات السلمية لهذه التقنيات بدلًا من توظيفها في الدمار. وفي ختام خطابه، تعهّد أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن «تُسخّر الولايات المتحدة قلبها وعقلها بالكامل لإيجاد الطريق الذي لا تُكرّس فيه عبقرية الإنسان المدهشة لموته، بل تُكرّس لحياته».
دعاية حركة ""الذرات من أجل السلام"" من ملحق لمجلة ""العالم الحر"" الفلبينية المؤيدة للولايات المتحدة، يونيو 1956
ورغم الطابع العظيم الذي اتسمت به هذه الرؤية، فإن خطاب أيزنهاور كان يفتقر إلى مضمون عملي حقيقي، إذ لم يتضمن أي مقترحات محددة أو أهداف واضحة أو سياسات يمكن أن توجه هذا التوجه الجديد. لذلك، اندفع علماء لجنة الطاقة الذرية المكلّفون بإيجاد استخدامات سلمية للطاقة النووية في محاولة ترجمة هذا الخطاب إلى واقع ملموس، فطرحوا أفكارًا كانت في أفضل الأحوال محفوفة بالمخاطر، وفي أسوأها غير منطقية تمامًا.
نشأة «بلوشير»
في عام 1956، قامت مصر بتأميم قناة السويس وإغلاقها، ما أدى إلى قطع شريان حيوي يربط أوروبا بحقول النفط في الشرق الأوسط. في هذا السياق، بدأ علماء في مختبر لورنس للإشعاع في ليفرمور، بولاية كاليفورنيا، بدراسة فكرة استخدام المتفجرات النووية لحفر قناة تمر عبر إسرائيل، متجاوزة مصر بالكامل.
وبعد تحليل الخرائط الطبوغرافية وإجراء حسابات دقيقة لقوة الانفجارات المطلوبة، توصّلوا إلى أنه يمكن نظريًا، باستخدام 520 تفجيرًا نوويًا فقط، شق قناة بطول يقارب 160 ميلًا عبر صحراء النقب، بحيث تربط البحر الأبيض المتوسط بخليج العقبة. لم تحظَ هذه الفكرة بأي دعم حقيقي، بل كانت أقرب إلى تمرين ذهني منها إلى خطة قابلة للتنفيذ، لكنها كانت مؤشرًا مبكرًا لما سيأتي لاحقًا.
في العام التالي، اجتمع عدد من العلماء في المختبر نفسه لمناقشة الاستخدامات السلمية المحتملة للمتفجرات النووية. خلال هذا الاجتماع، قُدِّمت 24 ورقة بحثية تناولت مشاريع ضخمة مثل حفر القنوات والموانئ والخزانات، بالإضافة إلى مشاريع تتعلق باستخراج النفط، مثل التكسير الهيدروليكي النووي وتسييل الرمال القطرانية تحت الأرض. وبعد الاطلاع على هذه الأفكار، علّق الفيزيائي إيزيدور رابي بسخرية قائلاً: «إذن، تريدون تحويل قنابلكم الذرية القديمة إلى محاريث؟»، في إشارة إلى نبوءة وردت في سفر إشعياء في العهد القديم:
«سيحوّلون سيوفهم إلى محاريث، ورماحهم إلى مناجل. لا ترفع أمة سيفًا على أمة، ولا يتعلمون الحرب بعد الآن.»
وعلى إثر هذا الاجتماع، أنشأت لجنة الطاقة الذرية رسميًا مشروع «بلوشير» عام 1957، ضمن مبادرة «الذرة من أجل السلام». وفي عام 1958، أعلن الأدميرال لويس شتراوس، رئيس اللجنة، عن المشروع للجمهور، مؤكدًا على ضرورة تطوير متفجرات نووية دقيقة يمكن استخدامها بطريقة آمنة واقتصادية.
كان علماء المشروع ينظرون إلى الطبيعة وكأنها مادة قابلة للتشكيل، تنتظر أن يُعاد تشكيلها باستخدام أدوات نووية. وكما قال إدوارد تيلر، المعروف بلقب «أبو القنبلة الهيدروجينية»: «إذا لم يكن جبلُك في المكان المناسب، فأرسلوا لنا بطاقة.»
لكن هذه العبارة الساخرة عكست مشكلة أعمق في المشروع. فبدلاً من التساؤل عما إذا كانت القنابل النووية هي الحل المناسب لمشكلة ما، كان مؤيدو المشروع يتساءلون ببساطة: ما المشكلات التي يمكن حلها باستخدام انفجار كبير بما يكفي؟ من وجهة نظرهم، كانت هذه التقنية توفر طاقة هائلة مركّزة في حزمة صغيرة نسبيًا، وسريعة التأثير، وبتكلفة منخفضة. نظريًا، كان هذا الطرح يبدو منطقيًا، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا، إذ كان هناك شبه إجماع على أن التداعيات الإشعاعية الناتجة عن التفجيرات النووية يجب تجنبها بأي ثمن.
ظهرت أولى المقترحات لاستخدام القنابل الذرية في أعمال الحفر في أواخر الأربعينيات، لكن التكلفة العالية للمواد النووية والخوف من الإشعاع حالا دون تنفيذها. تغير الوضع عام 1952 عندما فجّرت الولايات المتحدة أول قنبلة هيدروجينية، والتي كانت أقوى بكثير وأقل تكلفة نسبيًا من القنابل الانشطارية. وكما ذكرت مجلة «تايم» لاحقًا: «إذا استُخدمت الذرات على نطاق واسع جدًا، فهي أرخص عمال في العالم، وتزداد رخصًا عامًا بعد عام.»
كما أن القنابل الهيدروجينية تنتج كميات أقل من النواتج الإشعاعية مقارنة بالقنابل الذرية، رغم أن التفاعل الانشطاري اللازم لإطلاقها يعني أن الإشعاع لا يمكن التخلص منه تمامًا.
وجدت فكرة «بلوشير» صدى عميقًا لدى إدوارد تيلر، الذي أصبح، بصفته مدير مختبر لورنس، أحد أبرز المدافعين عنها. وباقتراح منه، أجرت لجنة الطاقة الذرية أول اختبار نووي تحت الأرض في 19 سبتمبر 1957، لدراسة إمكانية استخدام التفجيرات في الحفر دون إطلاق إشعاع قاتل. عُرف هذا الاختبار باسم «رينييه»، واعتُبر نجاحًا كاملًا بحسب اللجنة، إذ تم احتواء الانفجار بالكامل تحت سطح الأرض، ولم يتسرب أي إشعاع إلى الغلاف الجوي.
وبعد أن بدا أن مشكلة الإشعاع قد حُلّت، فُتح الباب على مصراعيه أمام تطوير الاستخدامات السلمية للقنابل النووية. وجاء ذلك في توقيت مناسب، إذ إن إطلاق الاتحاد السوفيتي لقمر «سبوتنيك» خلق حاجة ملحّة لدى الولايات المتحدة لاستعادة تفوقها التكنولوجي. فانهالت المقترحات، ومنها استخدام التفجيرات النووية لبناء سدود، وتغيير مجاري الأنهار، وتعديل المناخ، بل وحتى منع الزلازل من خلال إطلاق اهتزازات صغيرة على طول الصدوع الجيولوجية. كما طُرحت أفكار أخرى مثل إذابة الجليد القطبي، وإغراق الصحارى، وحفر الموانئ، وتوسيع الممرات البحرية، وتسهيل عمليات التعدين عبر تكسير الصخور.
قد تبدو هذه الأفكار اليوم سخيفة أو صادمة، لكنها في نظر تيلر وزملائه كانت مجرد استخدام جديد لأداة قوية. وقد سعى علماء «بلوشير» إلى استكشاف هذه الاستخدامات بحماسة تكاد تلامس التهور.
مشروع «تشاريت»
أُطلق مشروع «تشاريت» عام 1958، وكان أول مشروع من مشاريع «بلوشير» يُنظر إليه بجدية. تمثّل المقترح في إنشاء ميناء صناعي في «كيب طومسون»، وهي منطقة نائية تقع على الساحل الشمالي الغربي لولاية ألاسكا. وعلى خلاف السياسات السابقة التي كانت تهدف إلى إبقاء المعلومات المتعلقة بالقنبلة الهيدروجينية طيّ الكتمان، روّجت الحكومة لهذا المشروع بنشاط، باعتباره مثالًا على مدى أمان التفجيرات النووية.
كان إدوارد تيلر الوجه الإعلامي للمشروع، وقد أطلق حملة علاقات عامة واسعة في أنحاء ألاسكا للترويج للفكرة بوصفها مشروعًا نافعًا. وفي عام 1960 نشر مقالًا في مجلة «بوبولار ميكانيكس» بعنوان «سنصنع المعجزات»، شرح فيه خطة تقضي بدفن أربع قنابل بقوة 100 كيلوطن، وقنبلتين بقوة ميغاطن واحد، تحت الأرض على الساحل، بحيث يتم تفجيرها على نحو متسلسل لتشكيل ميناء جديد في لحظة واحدة. وأصرّ تيلر على أن هذا الميناء سيُنعش الاقتصاد المحلي، خصوصًا من خلال استغلال رواسب الفحم غير المستغلة في المنطقة. وقال: «إذا نجح مشروع تشاريت، فسنمتلك المعرفة والخبرة اللازمة لإنشاء ميناء في أي مكان نحتاجه، ويمكن تصميم حجمه وشكله بما يتناسب مع المتطلبات المحلية.»
لكن أفراد مجتمعات الإنويت والإينوبياك الصغيرة القريبة من كيب طومسون لم يفهموا جدوى هذا المقترح. فهم يعيشون في منطقة نائية من ألاسكا الغربية، ولا حاجة لهم إلى ميناء، خاصة إذا كان سيتجمد تسعة أشهر في السنة. كما أشاروا إلى أن طبقات الفحم التي أشار إليها تيلر تقع بعيدًا عن الموقع المقترح، ولا يمكن الوصول إليها إلا باستخدام الزلاجات التي تجرها الكلاب.
ومع استمرار التخطيط، واجه تيلر صعوبة في تبرير المشروع بأي أساس منطقي سوى إثبات إمكانية تنفيذه. وعندما أدرك السكان المحليون ذلك، بدأوا بتنظيم معارضة للمشروع، مستندين إلى كارثة تسببت بها إحدى قنابل تيلر الهيدروجينية قبل سنوات قليلة، وهي تجربة «كاسل برافو» التي أُجريت في جزر مارشال. فقد أخطأ العلماء في تقدير قوة الانفجار، ما أدى إلى انتشار إشعاعي واسع أثار غضبًا عالميًا. وسُجلت مستويات غير مسبوقة من الترسبات الإشعاعية، حيث بلغ سمك الحطام المشع في بعض المناطق نحو 2 سنتيمتر. وتم إجلاء سكان عدة جزر، ولا يزال بعضها غير صالح للسكن حتى اليوم بسبب التلوث.
حذّر السكان المحليون من أن تكرار كارثة مماثلة في كيب طومسون سيكون مدمرًا للمجتمعات الأصلية التي عاشت على هذه الأرض لآلاف السنين.
في المقابل، أصرّ تيلر على أن العملية يمكن تنفيذها بأمان، لكنه أقرّ بأن إطلاق بعض الإشعاع أمر لا مفر منه. ودعمت لجنة الطاقة الذرية موقفه، حيث جاء في بيان لها: «رغم أنه من المناسب بذل جهود كبيرة لتقليل مخاطر الإشعاع الناتجة عن استخدام التفجيرات النووية لأغراض سلمية، فقد يكون من المقبول أيضًا تحمّل قدر إضافي من المخاطر على صحة وسلامة الجمهور.» لم تكن هذه التصريحات مطمئنة للسكان المحليين.
في عام 1959، كان عدد المعارضين للمشروع لا يزال محدودًا، لكنهم تمكنوا من إقناع لجنة الطاقة الذرية بتمويل دراسات يجريها باحثون من جامعة ألاسكا حول البيئة الجغرافية والبيولوجية والبشرية في المنطقة. وخلال السنوات التالية، أجرى العلماء ما يُعد من أكثر الدراسات البيئية شمولًا في ذلك الوقت، وكانت نتائجها صادمة.
فعلى الرغم من عدم حدوث أي تفجيرات نووية بالقرب من كيب طومسون، تبيّن أن النباتات والحيوانات في المنطقة تحتوي بالفعل على مستويات مرتفعة من الإشعاع. اكتشف الباحثون أن الأشنات، المنتشرة بكثرة في المنطقة، تمتص الترسبات الإشعاعية بكفاءة عالية. وتتغذى حيوانات الرنة على هذه الأشنات، ثم يتغذى السكان المحليون على الرنة، ما يؤدي إلى انتقال الإشعاع عبر السلسلة الغذائية. ونتيجة لذلك، كانت مستويات الإشعاع في أجسام السكان مرتفعة بشكل مقلق.
وضعت هذه النتائج المخاطر التي يواجهها شعب الإينوبياك في صورة واضحة. فقام المعارضون بالتنسيق مع «جمعية شؤون الهنود الأمريكيين»، وتواصلوا مع مجتمعات أخرى لتشكيل شبكة إقليمية للدفاع عن نمط حياتهم. وفي عام 1960، تعاونت هذه الشبكات مع علماء الأحياء وجماعات الحفاظ على البيئة لتأسيس «جمعية الحفاظ على البيئة في ألاسكا»، وتنسيق الجهود لمعارضة المشروع. وبحلول عام 1962، أدت معارضة السكان والعلماء إلى تعليق مشروع «تشاريت» إلى أجل غير مسمى. وكان من المفترض أن يكون أول عرض عملي للهندسة الجيولوجية النووية، لكنه أصبح بدلًا من ذلك أحد أوائل المشاريع الحكومية التي وُوجهت بمعارضة بيئية خالصة.
وقالت سيليا هانتر، إحدى مؤسِّسات الجمعية لاحقًا: «كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون فرض قراراتهم على الجميع، ثم اكتشفوا فجأة أنهم يواجهون جمهورًا واعيًا ومطلعًا.»
مشروع «جنوم»
بينما كان مشروع «تشاريت» غارقًا في الدراسات البيئية، أدّى اتفاق دولي عام 1958 إلى وقف التجارب النووية مؤقتًا، ما عطّل بقية مشاريع «بلوشير». ومع ذلك، استمرت الدراسات التخطيطية، وعندما أنهى الاتحاد السوفيتي هذا الوقف عام 1961، كان مشروع «جنوم» جاهزًا للتنفيذ.
صُمم المشروع لاختبار إمكانية استخدام انفجار نووي عميق تحت الأرض لتخزين الحرارة، ثم استعادتها لاحقًا لإنتاج الكهرباء، مع بقاء الإشعاع محصورًا تحت السطح. وقد حظي الاختبار بتغطية إعلامية واسعة، ودُعي الصحفيون ومسؤولون أجانب والجمهور لمشاهدته في موقع يبعد نحو 25 ميلًا عن مدينة كارلسباد في ولاية نيومكسيكو.
في ظهر يوم 10 ديسمبر 1961، فجّر العلماء جهازًا نوويًا بقوة 3.1 كيلوطن على عمق 360 مترًا تحت سطح الأرض. لكن الأمور لم تسر كما خُطط لها. فقد ذكرت مجلة «تايم» أن «ما بدأ كحلم علمي مشرق كاد يتحول إلى كابوس»، إذ كشفت سلسلة من الأخطاء الصغيرة وسوء التقدير عن خطر حقيقي.
مرة أخرى، قلّل العلماء من قوة الانفجار. ولم يدرك المخططون وجود كميات كبيرة من الماء داخل تكوينات ملحية تحت الأرض. وعندما وقع الانفجار، تحوّل الماء إلى بخار، ما زاد من شدة الانفجار. وعلى الرغم من أن الجهاز وُضع في نهاية نفق مصمم ليُغلق على نفسه بعد التفجير، فإن قوة الانفجار أدت إلى اختراقه. واندفع بخار ودخان مشعان عبر النفق، وانتشرا في الهواء حول الحاضرين.
تابع تيلر الحدث من طائرة مروحية، وقلل من شأن الحادث. وعندما سُئل عن نوع البخار المتصاعد، أجاب ببرود: «بخار أبيض!» ومع أن لجنة الطاقة الذرية أكدت أن مستويات الإشعاع التي تعرّض لها الحاضرون كانت أعلى من المتوقع، فإنها اعتبرتها ضمن الحدود «المقبولة». ومع ذلك، تم إغلاق الموقع مؤقتًا حتى تُغسل السيارات من أي تلوث إشعاعي.
رغم تجنب الكارثة، لم يكن هذا الاختبار مبشرًا لمستقبل «بلوشير». فقد أدركت اللجنة أن الجمهور لا يتسامح مع المفاجآت عندما يتعلق الأمر بالتفجيرات النووية.
الحفر النووي
حاول مهندسو «بلوشير» إنقاذ صورة المشروع من خلال اختبارهم التالي، وهو مشروع «سيدان»، الذي تم تحديد موعده بعد ستة أشهر في موقع الاختبارات الرئيسي التابع للجنة الطاقة الذرية في «يوكا فلات» بولاية نيفادا، على بعد نحو 65 ميلًا شمال غرب لاس فيغاس.
صُمم مشروع «سيدان» ليكون تفجيرًا من نوع «الحفر التكويني»، بهدف إثبات أحد أكثر التطبيقات التي كان أنصار «بلوشير» يعتبرونها واعدة، وهو الحفر النووي. كان من الضروري أن يُشكَّل الانفجار بدقة عالية، وأن يُوضع على عمق محسوب بعناية، بحيث يُنتج حفرة ضخمة مع احتجاز معظم المواد المشعة تحت الأرض في الوقت نفسه. وكما حدث في تجارب سابقة، بدت الأفكار سليمة على الورق، لكنها كانت أكثر صعوبة بكثير عند التطبيق الفعلي.
في 6 يوليو 1962، أدى انفجار بقوة 104 كيلوطن إلى قذف نحو 6.5 مليون ياردة مكعبة من الرمال والحصى، مخلّفًا حفرة بعمق 330 قدمًا وبعرض 1280 قدمًا. لكن محاولات احتواء الإشعاع فشلت، وارتفعت سحابتان كثيفتان من الغبار إلى السماء. وقد حملت الرياح مواد مشعة يمكن قياسها حتى ولايتي ساوث داكوتا وإلينوي.
في ولاية يوتا، أبدى مسؤولو الصحة العامة قلقًا بالغًا عندما بدأت مادة اليود المشع 131 بالظهور في عينات الحليب. وكانت هذه الولاية، منذ عام 1952، تتعرض بشكل متكرر لترسبات إشعاعية قادمة من موقع التجارب في نيفادا. وكما ذكرت مجلة «تايم»:
«أحد أكثر العناصر نشاطًا في الترسبات الإشعاعية هو اليود 131، الذي ينتقل إلى العشب، ثم إلى الأبقار، ثم إلى الحليب، ثم إلى الأطفال الذين يشربون الحليب. وفي الأطفال بشكل خاص، يتجه هذا اليود المشع، مثل اليود الطبيعي، إلى الغدة الدرقية بشكل انتقائي.»
حاول مسؤولو لجنة الطاقة الذرية طمأنة السكان المحليين بأن اليود المشع قصير العمر نسبيًا ولا يشكل خطرًا كبيرًا، لكن هذه التطمينات لم تُبدد المخاوف. وتعهدت السلطات المحلية بسحب الأغذية الملوثة من الأسواق ومحاسبة اللجنة على الأضرار.
وفي تقرير صدر عام 1963 حول مشروع «بلوشير»، رفض إدوارد تيلر المخاوف المتزايدة، وكتب أن «الجدل حول الترسبات الإشعاعية أدى إلى مخاوف مبالغ فيها وغير مبررة، بحيث أصبح حتى وجود كميات صغيرة من الإشعاع غير الضار يُنظر إليه على أنه خطر».
لكن هذا الموقف المتعالي لم يُقنع الجمهور بأن مخاوفه غير مبررة. فقد كانت الحكومة الأمريكية نفسها قد اعترفت بخطورة مشكلة الترسبات الإشعاعية عندما وقّعت عام 1963 «معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية»، التي حظرت التفجيرات النووية في الغلاف الجوي والفضاء وتحت الماء. ومع ذلك، سمحت المعاهدة باستمرار التجارب تحت الأرض، وهو المجال الذي كان معظم مشاريع «بلوشير» تستهدفه. وكان الاعتقاد السائد أن هذه التجارب، رغم إخفاقات «جنوم» و«سيدان»، ستعزل الإشعاع عن الجمهور، لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا.
التكسير النووي
بحلول عام 1967، كان مشروع «بلوشير» قد مضى عليه عقد كامل، دون تحقيق نتائج تُذكر. ومع تراجع جدوى مشاريع الحفر، تحوّه تركيز القائمين عليه نحو مشاريع مرتبطة باستخراج الغاز الطبيعي من المكامن الجوفية. فتم تصميم سلسلة من التجارب تقوم على وضع متفجرات نووية في أعماق كبيرة داخل تشكيلات صخرية كثيفة تحتوي على الغاز.
كانت الفكرة تقوم على استخدام الانفجار النووي لتفتيت هذه التكوينات الصخرية، مما يسمح بتدفق الغاز إلى السطح بسهولة أكبر. واعتقد علماء «بلوشير» أن هذه التفجيرات لن تقتصر على زيادة عدد الشقوق في الصخور فحسب، بل ستُنشئ أيضًا تجاويف ضخمة يمكن استخدامها لتخزين الغاز. نظريًا، بدت الفكرة رابحة من جميع الجوانب.
كانت أولى هذه المحاولات هي مشروع «غازباغي»، وهو مشروع مشترك بين لجنة الطاقة الذرية ووزارة الداخلية وشركة «إل باسو للغاز الطبيعي». نصت الخطة على تفجير نووي بقوة تعادل 29 كيلوطن من مادة تي إن تي، على عمق يقارب 4200 قدم داخل تكوين صخري يُعرف باسم «سليت ليويس» في شمال غرب نيومكسيكو. في 10 ديسمبر 1967، أدى الانفجار إلى إنشاء تجويف تحت الأرض بارتفاع 335 قدمًا وقطر يقارب 165 قدمًا، كما نجح في تشقيق الصخور، مما زاد إنتاج الغاز في الموقع. لكن المشكلة الكبرى كانت أن الغاز أصبح ملوثًا بالتريتيوم المشع، مما جعله غير صالح للبيع للمستهلكين.
في عام 1969، حاول علماء «بلوشير» مجددًا، عبر تفجير جهاز نووي بقوة 40 كيلوطن في منطقة نائية شمال غرب كولورادو قرب نهر كولورادو. وفي البداية، اعتبرت لجنة الطاقة الذرية التجربة ناجحة، لكن دراسة لاحقة أعدّتها «المؤسسة الوطنية للعلوم» كشفت عكس ذلك. فقد أظهر الباحثون أن مشروع «روليسون» كلّف نحو 11 مليون دولار، بينما لم يحقق سوى ما يعادل 1.5 مليون دولار من الغاز في أفضل الأحوال. والأسوأ من ذلك أن جودة الغاز كانت أدنى من الغاز المستخرج بالطرق التقليدية، وكان لا يزال يحتوي على نواتج إشعاعية. وعلى الرغم من إعلان مسؤولي المشروع أن الغاز آمن للاستهلاك المنزلي، فإن الجمهور لم يقتنع بذلك، إذ كان وجود أي أثر إشعاعي كافيًا لرفضه تمامًا.
وبعد أربع سنوات، بذلت لجنة الطاقة الذرية محاولة أخيرة لإثبات جدوى مشاريع تعزيز الغاز الطبيعي. فجاء مشروع «ريو بلانكو»، الذي هدف إلى تحرير احتياطيات الغاز تحت منطقة من جبال روكي في كولورادو، عبر تفجير ثلاث قنابل بقوة 33 كيلوطن في بئر واحدة في وقت واحد. لكن التجربة فشلت مجددًا، وتسبب الانفجار في تلويث الغاز المستخرج بنظير «السترونتيوم-90»، وهو أحد أخطر النواتج المشعة الناتجة عن الانشطار النووي.
بحلول عام 1974، كان قد تم إنفاق نحو 82 مليون دولار على مشاريع «غازباغي» و«روليسون» و«ريو بلانكو». ورغم أنها حققت بعض النجاحات التقنية المحدودة، إلا أنها كانت، من جميع النواحي الأخرى، إخفاقات واضحة، سواء من الناحية المالية أو البيئية أو السياسية. وقد قُدّر أنه حتى لو كان الغاز صالحًا للبيع، فإن استرداد 15 إلى 40 في المئة فقط من الاستثمار الأولي كان سيتطلب نحو 25 عامًا من الإنتاج المستمر. والأدهى من ذلك أن المواقع الثلاثة لا تزال حتى اليوم تحت مراقبة مستمرة من قبل مكتب إدارة الإرث التابع لوزارة الطاقة الأمريكية.
نهاية مشروع «بلوشير»
مع دخول السبعينيات، كان الدعم لمشروع «بلوشير» قد وصل إلى أدنى مستوياته على الإطلاق. فقد بدأت مجموعات من الناشطين والمواطنين برفع دعاوى قضائية في المحاكم الفيدرالية لوقف التجارب، ورغم أن لجنة الطاقة الذرية نجحت قانونيًا في معظم الحالات، فإنها خسرت المعركة أمام الرأي العام. حتى مجلة «تايم»، التي كانت قد وصفت المشروع عام 1961 بأنه «حلم واعد»، أطلقت عليه عام 1973 اسم «مشروع المشكوك فيه».
وبعد أربع سنوات دون أي تجارب جديدة، تم إيقاف البرنامج رسميًا عام 1977.
بين ديسمبر 1961 ومايو 1973، فجّرت الولايات المتحدة 35 جهازًا نوويًا ضمن 27 مشروعًا تابعًا لبرنامج «بلوشير»، بتكلفة بلغت نحو 700 مليون دولار. وفي النهاية، لم يحقق المشروع أيًا من أهدافه. وكما ورد في التقرير النهائي للجنة الطاقة الذرية: «كان مشروع بلـوشير برنامجًا بدأ بتوقعات عالية وآمال كبيرة، لكنه واجه مشكلة لا يمكن تجاوزها، وهي أن الفكرة نفسها تُثير الفزع لدى الناس».
أدت المخاوف من الإشعاع إلى اعتبار أهداف المشروع غير حكيمة في نظر الكثيرين. كما أن التشابه الكبير بين هذه التجارب والتجارب العسكرية جعل التمييز بين الاستخدام السلمي والعسكري للأسلحة النووية أمرًا غير واضح.
وقد خلّفت هذه التجارب آثارًا شملت تدهور الأراضي، وتلوث المياه، وانتشار ترسبات إشعاعية يصعب حتى اليوم تقدير حجمها الكامل. كما أن تجاهل العلماء لتلك المخاطر أو التقليل من شأنها أسهم في خلق حالة عميقة من انعدام الثقة لدى الجمهور. وفي أسوأ حالاته، كان المشروع يتسم بالغرور والمخاطرة المفرطة. وقد ساهمت هذه العوامل مجتمعة في إنهاء المشروع، بل وأسهمت بشكل غير متوقع في تسريع نشوء الحركة البيئية الحديثة.
لكن الأفكار القديمة لا تموت بسهولة. فقد اقترح إيلون ماسك، على سبيل المثال، استخدام تفجيرات نووية حرارية فوق الأغطية الجليدية في كوكب المريخ من أجل تعديل غلافه الجوي وجعله أكثر ملاءمة لحياة البشر.
كما أن مقترحات أخرى مشابهة لها تاريخ طويل، مثل فكرة استخدام القنابل النووية لتفكيك الأعاصير في المحيط الأطلسي، وهي فكرة طُرحت منذ بدايات العصر النووي تقريبًا. وقد أصبح هذا الطرح شائعًا لدرجة أن الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي في الولايات المتحدة خصصت قسمًا للأسئلة الشائعة يوضح عدم جدواه، مشيرة إلى أن «الترسبات الإشعاعية ستنتقل بسرعة مع الرياح التجارية إلى اليابسة، مسببة أضرارًا بيئية خطيرة».
ورغم ذلك، ذُكر أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب طرح الفكرة عام 2019 على بعض مستشاري الأمن القومي، ما دفع إحدى النائبات في الكونغرس إلى تقديم مشروع قانون يمنع الرئيس صراحة من استخدام الأسلحة النووية لتغيير الطقس أو معالجة تغير المناخ.
كانت تجارب «بلوشير» تمثل جزءًا صغيرًا فقط من 1032 تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة. ورغم المعارضة الشعبية الواسعة، استمر البرنامج النووي الأمريكي في إجراء التجارب حتى بعد إلغاء «بلوشير». وعندما وقّع الرئيس جورج بوش الأب في عام 1992 تشريعًا يوقف جميع التجارب النووية الأمريكية، دفع ذلك دولًا أخرى إلى التوقف أيضًا. وقد شكّل ذلك الأساس لـ «معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية» التي وُقّعت في 24 سبتمبر 1996. وحتى اليوم، انضمت إليها 186 دولة. ورغم أن المعاهدة لم تُصادق عليها بعد بعض القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، فإن الدول الموقعة تلتزم بأحكامها، في انتصار واضح لفكرة عقلنة استخدام التكنولوجيا النووية، حيث تحظر جميع التجارب النووية، لأي غرض، وفي جميع البيئات.
