القائمة الرئيسية

من خطوط القتال إلى ممرات الأطعمة المجمّدة

من خطوط القتال إلى ممرات الأطعمة المجمّدة
ملخص المقال

يوضح المقال على موقع science history كيف لعبت الحرب العالمية الثانية دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل النظام الغذائي الحديث في الولايات المتحدة، إذ أدركت الحكومة بقيادة فرانكلين د. روزفلت أن التغذية لا تقل أهمية عن السلاح في حسم الحروب، خاصة بعد اكتشاف أن نسبة كبيرة من المجندين غير مؤهلين بسبب سوء التغذية. ومن خلال مؤتمر وطني وخطط واسعة، تم تطوير أنظمة غذائية متقدمة للجنود تجمع بين القيمة الغذائية وسهولة النقل وطول الصلاحية، ما أدى إلى ابتكارات كبرى مثل الأطعمة المعلبة والمجففة والمجمدة. هذه الجهود العسكرية تحولت لاحقًا إلى ثورة غذائية مدنية، حيث انتشرت منتجات وتقنيات جديدة غيرت عادات الأكل وأسست لفكرة النظر إلى الطعام كمجموعة عناصر غذائية قابلة للقياس، وهو ما أسهم في ظهور الأطعمة المعالجة على نطاق واسع بما تحمله من فوائد عملية، لكن أيضًا من تحديات صحية وبيئية مستمرة حتى اليوم.

بقلم: أوتي إيبرلي

في فندق ماي فلاور بواشنطن العاصمة، كان الحضور يدركون تمامًا ثقل المهمة التي جاؤوا من أجلها. فدعوة رئيس الولايات المتحدة لعقد مؤتمر ليست حدثًا عاديًا. ومع ذلك، وجّه فرانكلين د. روزفلت دعوته، فلبّاها ما يقرب من ألف خبير. كانوا يتحركون في الممشى الداخلي الطويل للفندق، تحت مصابيح مزخرفة ذات أطراف مذهّبة. كان اليوم السادس والعشرون من مايو عام 1941 يومًا دافئًا مع رذاذ خفيف، لكن الفندق—الذي زُوّد حديثًا بأجهزة تكييف—وفّر أجواءً مريحة في الداخل. أما في الخارج، فكانت المدينة في أبهى حللها، والأشجار مورقة وممتلئة بالحياة.

لكن الصورة العالمية لم تكن مشرقة على الإطلاق. فقد شنّ هتلر هجومه على جزيرة كريت بعد أن بسط سيطرته على اليونان قبل شهر واحد، وأصبح يهيمن على أجزاء واسعة من أوروبا أكثر من أي وقت مضى. في الوقت ذاته، كانت التوترات مع اليابان تتصاعد بشكل ملحوظ، وبدأ من الواضح أن الولايات المتحدة لن تبقى خارج الحرب طويلًا. بالفعل، كانت المصانع تعمل على إنتاج آلاف الطائرات القاذفة والدبابات والسفن الحربية. ومع ذلك، كان هناك عامل آخر لا يقل أهمية عن السلاح، وهو ما اجتمع هؤلاء الخبراء لمناقشته في ""المؤتمر الوطني للتغذية من أجل الدفاع"": الغذاء.

فالطعام قد يكون العامل الحاسم في نجاح أو فشل أي حملة عسكرية. لقد تمكنت الجيوش الرومانية من بناء إمبراطوريتها جزئيًا بفضل تفوقها في إنشاء الطرق وشبكات النقل، مما أتاح إيصال الحبوب وزيت الزيتون وسائر الإمدادات إلى جنودها. وفي الحرب الأهلية الأمريكية، ساعدت خطوط الإمداد القوية جيوش الشمال على الحفاظ على تموينها، بينما عانى جنود الجنوب من الجوع بعد أن أدت الحصارات وتدهور السكك الحديدية إلى قطع الإمدادات عنهم.

بالنسبة للولايات المتحدة، كان دخول الحرب العالمية الثانية يعني تحديًا هائلًا: إنتاج ومعالجة ونقل ما يكفي من الغذاء لإطعام ملايين الجنود. لكن التحدي لم يكن لوجستيًا فحسب، بل بشريًا أيضًا: من سيملأ صفوف هذا الجيش الضخم؟

ملصق وزارة الزراعة الأمريكية للفنان جلين جروهي، 1943

قبل ذلك بثمانية أشهر، أقرّ الكونغرس قانون التجنيد الإجباري، وسجّل مليون رجل أسماءهم بالفعل. غير أن اثنين من كل خمسة منهم رُفضوا، وغالبًا بسبب سوء التغذية. كان هذا مؤشرًا خطيرًا يهدد قدرة البلاد على القتال وعلى تشغيل صناعاتها الحربية. لذلك، افتتح بول ماكنَت، مدير وكالة الأمن الفيدرالية، المؤتمر برسالة من الرئيس روزفلت، شدد فيها على أن صحة المدنيين والعسكريين مترابطة، وأن ""الدفاع الشامل يتطلب قوة بشرية سليمة"".

لم يكن أحد من الحاضرين يدرك حجم التحولات التي ستنجم عن هذه الجهود. لكن في السنوات والعقود اللاحقة، ستتخذ الولايات المتحدة سلسلة من الخطوات لضمان تغذية جيدة لقواتها، سواء في الداخل أو في الخارج. وستؤدي هذه الإجراءات—بشكل مباشر أو غير مباشر—إلى تغيير جذري في عادات الأكل لدى المجتمع بأكمله.

واليوم، يكفي أن نتجول في أي متجر مواد غذائية لنرى أثر تلك التحولات؛ فرفوف كاملة مخصصة لمنتجات نشأت أو ازدهرت بفضل الابتكار العسكري. وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف المنتجات الغذائية في المتاجر الأمريكية يمكن تتبع أصولها أو نجاحها إلى تأثير الجيش. بل إن الطريقة التي ننظر بها إلى الغذاء والتغذية اليوم تأثرت بشكل كبير باعتبارات الدفاع الوطني منذ الحرب العالمية الثانية.

ممرات الأطعمة المعلبة في متجر فريد ماير، بورتلاند، أوريغون، ديسمبر 2004

ولفهم هذا التحول بشكل أوضح، يمكن العودة إلى حادثة وقعت في نوفمبر 1942. كانت القوات الأمريكية قد دخلت الحرب، وبدأت عملياتها على السواحل المغربية ضد القوات الفرنسية التابعة لحكومة فيشي. كان كل جندي يحمل حقيبة ظهر محشوة بالملابس والذخيرة والمعدات، إضافة إلى أسطوانتين كبيرتين تزن كل واحدة منهما نحو خمسة أرطال. كانت هذه الحاويات تحتوي على أطعمة معلبة مثل اللحم والفاصوليا، إضافة إلى الخبز والسكر وغيرها من المؤن التي تكفي ليومين. لكن هذه الإمدادات زادت من ثقل الأحمال التي يحملها الجنود أصلًا. وعندما خاضوا في الماء باتجاه الشاطئ، امتلأت حقائبهم بالماء، ما جعل بعضهم يُسحب إلى الأسفل ويغرق.

تكشف هذه الحادثة عن تحدٍ أساسي تواجهه الجيوش: الحاجة إلى تزويد الجنود بطاقة يومية تتراوح بين 4000 و6000 سعرة حرارية، سواء من خلال الموارد المحلية أو من خلال الإمدادات المحمولة. ولهذا، سعت الجيوش منذ زمن بعيد إلى تطوير وسائل تجعل الطعام خفيفًا وسهل النقل وطويل الصلاحية.

جنود مشاة يتناولون حصة ثانية من الكعك بالقرب من بولت، فرنسا، نوفمبر 1944

في الواقع، تعود جذور هذه الجهود إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين عرضت الحكومة الفرنسية جائزة مالية لمن يتمكن من ابتكار طريقة جديدة لحفظ الطعام. وقد نجح نيكولا أبير، وهو صانع حلويات من ضواحي باريس، في التوصل إلى حل بعد سنوات من التجربة: وضع الطعام في أوعية محكمة الإغلاق ثم غليها، مما يمنع فساده. لاحقًا، استُبدلت هذه الأوعية الزجاجية بعلب معدنية، وانتشرت تقنية التعليب في أوروبا والولايات المتحدة.

ومع ذلك، بقيت الحصص الغذائية العسكرية لفترة طويلة محدودة القيمة الغذائية، تعتمد على البسكويت الصلب والمعلبات، مما تسبب في مشكلات صحية خطيرة للجنود، من الإمساك الحاد إلى نقص الفيتامينات.

عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب، كان جهاز التموين العسكري صغيرًا جدًا، لكنه توسع بسرعة هائلة. ومع مرور الوقت، تشكّل نظام ضخم يضم علماء وخبراء من مختلف التخصصات، عملوا على تطوير وصفات الحصص الغذائية، وتصميم العبوات، والتعاقد مع الشركات، وتوزيع الإمدادات على الجبهات.

ملصق من إنتاج لجنة القوى العاملة الحربية الأمريكية، 1945

كانت هذه الجهود واسعة النطاق لكنها غير مرئية لعامة الناس، إذ جرت داخل شبكة كبيرة من المختبرات والمصانع والمزارع. وبنهاية الحرب، أدت هذه الشراكات إلى إطلاق موجة سريعة من الابتكارات في مجال الغذاء.

فقد ظهرت منتجات مثل الخميرة الجافة، وعصير البرتقال المركز المجمد، وخلطات الكيك، والجبن المجفف الذي مهد الطريق لمنتجات مثل ""تشيتوس"". كما ظهرت ألواح الطاقة، والوجبات المجمدة الجاهزة التي ألهمت لاحقًا ""وجبات التلفاز"".

وبفضل الحجم الهائل للجيش، أصبح قوة مؤثرة في السوق الغذائية. فقد خدم 16 مليون جندي في الحرب، ما جعلهم سوقًا اختبارية ضخمة للمنتجات. ومن هنا، انتشرت منتجات مثل سبام وM&M’s في الحياة المدنية.

بعد الحرب، استمرت هذه الشراكات، وأسهمت في تطوير تقنيات مثل التجفيف بالتجميد والتغليف المرن، مما أدى إلى ظهور أطعمة خفيفة وسهلة الاستخدام وطويلة الصلاحية.

كما شهدت هذه الفترة تطوير تقنيات متقدمة مثل المعالجة بالضغط العالي، التي تسمح بالحفاظ على الطعام دون تغيير طعمه أو قوامه، وأسهمت في انتشار منتجات مثل الجواكامولي الجاهز.

لكن التغيير الأعمق كان في طريقة التفكير في الغذاء. فقد أدى مؤتمر 1941 إلى تحديد الاحتياجات اليومية من العناصر الغذائية، وإلى تعزيز الأطعمة بالفيتامينات والمعادن، مثل الدقيق المدعّم.

ومنذ ذلك الحين، بدأ الناس ينظرون إلى الطعام بوصفه مجموعة من العناصر الغذائية، مما أدى إلى ظهور اتجاهات غذائية متعددة، من الخوف من الدهون إلى البحث عن ""الأطعمة الخارقة"".

ملصق وزارة الزراعة الأمريكية، 1943

اليوم، تُعد نسبة كبيرة من الغذاء معالجة صناعيًا، مع ما تحمله من مزايا مثل سهولة التحضير والتنوع، لكنها أيضًا ترتبط بمشكلات صحية مثل السمنة، حتى داخل الجيش نفسه.

كما أن لهذه الأطعمة أثرًا بيئيًا كبيرًا، بسبب عمليات التصنيع والتغليف والنقل.

وفي السنوات الأخيرة، بدأ الجيش يولي اهتمامًا أكبر بالاستدامة، ويدعم تطوير تقنيات جديدة مثل اللحوم المزروعة في المختبر.

وفي الوقت ذاته، تستمر الأبحاث لتحسين جودة الطعام من حيث الطعم والعمر التخزيني، باستخدام تقنيات مثل التجفيف المتقدم والموجات فوق الصوتية.

وقد بدأت بالفعل بعض هذه الابتكارات بالوصول إلى الأسواق المدنية.

المصدر

مقالات ذات صلة