القائمة الرئيسية

الأسبرين: الدواء المعجزة في مطلع القرن

الأسبرين: الدواء المعجزة في مطلع القرن
ملخص المقال

يروي المقال على موقع science history تطور الأسبرين من علاج طبيعي قديم إلى أحد أهم الأدوية الحديثة في الطب. فمادته الفعالة، حمض الساليسيليك، استُخدمت منذ آلاف السنين في لحاء الصفصاف لعلاج الألم والحمى لدى حضارات مثل السومريين والمصريين واليونان، قبل أن يبدأ العزل الكيميائي لها في القرن التاسع عشر وتطويرها صناعياً. وفي أواخر القرن نفسه، طوّر علماء شركة باير الألمانية شكلًا مُعدّلًا أكثر أمانًا من حمض الساليسيليك يُعرف بحمض الأسيتيل ساليسيليك، سُوّق لاحقًا باسم “الأسبرين”، ليصبح أول دواء صناعي واسع الانتشار يُباع دون وصفة طبية. ومع مرور الوقت، أثبت العلم آلية عمله عبر تثبيط إنزيمات مسؤولة عن الالتهاب والألم، رغم بعض آثاره الجانبية على المعدة. وبفضل فعاليته وتنوع استخداماته، من تسكين الألم إلى الوقاية من أمراض القلب، ظل الأسبرين أحد أكثر الأدوية استخدامًا وأهمية في تاريخ الطب الحديث.

بقلم: دانيال ر. غولدبيرغ

كما هو الحال مع معظم الناس، عندما تتعرض لآلام يومية خفيفة أو متوسطة، فإن الأسبرين يكون غالبًا أول ما تفكر في استخدامه. ومع أن الأسبرين يُعد من أكثر الأدوية شيوعًا خلال المئة عام الماضية، فإنه في الحقيقة مشتق صناعي من مادة طبيعية تُعرف بحمض الساليسيليك، وهي مادة عُرفت خصائصها العلاجية منذ آلاف السنين.

يُعد حمض الساليسيليك أحد المكونات الأساسية في مستخلص نباتي يوجد في لحاء عدد من الأشجار، من بينها شجرة الصفصاف، كما يوجد في عدد من الفواكه والحبوب والخضروات. لذلك كان حمض الساليسيليك ومركباته المشابهة جزءًا شائعًا من النظام الغذائي الطبيعي للإنسان، حيث كان يؤدي دورًا دفاعيًا طبيعيًا ضد بعض الأمراض التي نعرفها اليوم.

أول استخدام موثق لمركبات الساليسيلات يعود إلى نحو 4000 عام لدى السومريين، الذين سجلوا في ألواح طينية مبكرة استخدام لحاء الصفصاف كعلاج للألم. كما استخدمت حضارات بلاد ما بين النهرين مستخلص الصفصاف لعلاج الحمى والألم والالتهابات. وفي الصين واليونان القديمتين استُخدم لحاء الصفصاف لأغراض طبية قبل أكثر من ألفي عام، كما استخدم الصينيون لحاء الحور وأغصان الصفصاف لعلاج الحمى الروماتيزمية ونزلات البرد والنزيف وتضخم الغدة الدرقية. ومن أبرز الإشارات التاريخية ما ورد عن أبو الطب الحديث أبقراط (460–370 قبل الميلاد)، الذي أوصى بمضغ لحاء الصفصاف لعلاج الحمى والألم، كما أوصى بشاي يُحضّر من اللحاء لتخفيف آلام الولادة. وفي حوالي عام 100 ميلادي، وصف الطبيب اليوناني ديسقوريدس لحاء الصفصاف كمضاد للالتهاب.

ورغم هذا التاريخ الطويل، لم تبدأ الدراسات العلمية المنظمة إلا عام 1763 عندما أجرى القس إدوارد ستون من الجمعية الملكية في لندن واحدة من أولى الدراسات السريرية على مسحوق لحاء الصفصاف لعلاج الحمى المتقطعة المرتبطة بالملاريا. وبعد نحو قرن، درس الطبيب الاسكتلندي توماس ماكلاغان تأثير مسحوق الصفصاف على مرضى الروماتيزم الحاد، وأثبت قدرته على تخفيف الحمى والتهاب المفاصل.

لكن التحقيق الكيميائي في الخصائص العلاجية للصفصاف بدأ فعليًا في أوائل القرن التاسع عشر، مدفوعًا جزئيًا بالحظر القاري الذي فرضه نابليون على الاستيراد، مما أثر على توفر لحاء شجرة الكينا البيروفية، وهو مصدر طبيعي آخر لحمض الساليسيليك. وفي عام 1828 تمكن يوهان بوخنر، أستاذ في جامعة ميونيخ، من عزل مادة صفراء من لحاء الصفصاف أطلق عليها اسم ساليسين، نسبة إلى الكلمة اللاتينية للصفصاف. وفي عام 1829 عزل الصيدلي الفرنسي هنري ليرو الشكل البلوري النقي من الساليسين واستخدمه لعلاج الروماتيزم. وفي أواخر القرن التاسع عشر بدأت شركة هايدن الكيميائية في ألمانيا الإنتاج الصناعي لحمض الساليسيليك لعلاج الألم والحمى.

بدأت قصة الأسبرين كما نعرفه اليوم في الفترة نفسها التي بدأت فيها شركة باير الألمانية، وهي شركة متخصصة في صناعة الأصباغ، بالتحول نحو الصناعات الدوائية. وبفضل شهرتها السابقة، نجحت الشركة بسهولة في بناء علامة تجارية دوائية قوية. وقد تزامن هذا التحول مع طفرة في تطوير الأدوية الجديدة، حتى بدا وكأن دواء جديد يُطرح في السوق كل يوم.

وكما كان معروفًا أن حمض الساليسيليك مفيد طبيًا، كان معروفًا أيضًا أن استخدامه بجرعات كبيرة ولمدة طويلة قد يسبب مشاكل صحية، أبرزها تهيج الجهاز الهضمي، مما يؤدي إلى الغثيان والقيء والنزيف والقرح. لذلك، وفي عام 1895، كلف آرثر آيشينغرون، رئيس الأبحاث الكيميائية في شركة باير، الكيميائي فيلكس هوفمان بتطوير شكل “أفضل” من حمض الساليسيليك. وكان هوفمان مدفوعًا بدافع شخصي، إذ كان والده يعاني من الروماتيزم ولم يعد قادرًا على تناول الدواء دون أن يتقيأ.

من خلال مراجعة الأدبيات العلمية، توصل هوفمان إلى طريقة لتعديل حمض الساليسيليك كيميائيًا عبر تغيير مجموعة الهيدروكسيل في الحلقة البنزينية. وقد أتاح هذا التعديل إنتاج جزيء جديد يمكن للجسم امتصاصه دون تهيج كبير في الجهاز الهضمي. وبعد امتصاصه، يتحول هذا الجزيء مجددًا إلى حمض الساليسيليك داخل المعدة والكبد والدم، ليؤدي الوظيفة العلاجية نفسها. وبذلك يمكن اعتبار الأسبرين الحديث نظامًا لنقل دواء طبيعي مستخدم منذ آلاف السنين.

لكن هذا المشتق الجديد أثار جدلًا داخل الشركة. فقد اختلفت الآراء حول فعالية حمض الأستيل ساليسيليك، وتحول الخلاف إلى نزاع علمي وشخصي. كان هاينريش دريزر، المسؤول عن اختبار الأدوية، غير متحمس لابتكار آيشينغرون، بينما قام آيشينغرون بتوزيع مركب هوفمان على أطباء محليين. وعلى نحو مفاجئ، كان دريزر هو من نشر أول مقال علمي عن الأسبرين، ربما لأن عقده مع الشركة كان يمنحه حقوقًا مالية عن الأدوية التي يروج لها. وفي مقاله قارن الأسبرين بمركبات الساليسيلات الأخرى، وأظهر أنه أكثر فاعلية وأقل سمية. وفي عام 1899 نُشرت نتائج تجارب بشرية في مجلات طبية ألمانية أكدت تفوق الأسبرين، وفي 6 مارس من العام نفسه سجلت شركة باير الاسم التجاري “Aspirin” وبدأت توزيعه على نطاق واسع.

يرجح أن اسم الأسبرين جاء من دمج عدة عناصر: “أسيتيل”، واسم النبات اللاتيني “سبيرايا”، و”ين” اللاحقة الشائعة في أسماء الأدوية آنذاك.

وبعد الحرب العالمية الأولى، فقدت شركة باير حقوقها الحصرية في استخدام الاسم، ثم أعادت استعادتها لاحقًا في صفقات تجارية ضخمة تجاوزت قيمتها مليار دولار.

ظهر الأسبرين في شكل أقراص لأول مرة عام 1900، مما سهّل استخدامه ووسّع انتشاره. وفي عام 1915 أصبح متاحًا بدون وصفة طبية، ليصبح أول دواء صناعي حديث يُباع على نطاق واسع دون وصفة، وأحد أشهر الأدوية المنزلية في العالم.

أدى توفر الأسبرين إلى تغيير عميق في تجربة المرضى والأطباء، إذ أصبح الألم قابلاً للعلاج السريع والمباشر، مما غيّر طريقة فهم الطب نفسه. ففي القرن التاسع عشر، كان الألم يُعد أداة تشخيصية مهمة، لكن الأسبرين أزال هذا المؤشر، مما أجبر الأطباء على البحث عن علامات أخرى.

لم يبدأ فهم آلية عمل الأسبرين كمضاد للالتهاب إلا عام 1971، حين اكتشف جون روبرت فاين وزميلته بريسيلا بايبر دوره في تثبيط مواد تُعرف بالبروستاغلاندينات، وهي جزيئات تلعب دورًا في الالتهاب ونقل الألم. وفي عام 1982 حصل فاين مع آخرين على جائزة نوبل تقديرًا لهذا العمل.

لاحقًا، اكتشف العلماء أن الأسبرين يعمل عبر تثبيط إنزيم يُسمى “سيكلوأوكسيجيناز” أو COX، المسؤول عن إنتاج البروستاغلاندينات. وقد تبين أن الأسبرين يرتبط بهذا الإنزيم بشكل غير عكوس، بخلاف أدوية أخرى مثل الإيبوبروفين. كما تبين وجود عدة أنواع من هذا الإنزيم، بعضها يساعد في الالتهاب، وبعضها الآخر يحمي بطانة المعدة، مما يفسر بعض الآثار الجانبية للأسبرين مثل تهيج المعدة.

ورغم محاولات تطوير أدوية أكثر انتقائية لتجنب هذه الآثار، مثل فيوكس وسليبريكس، فإن بعضها واجه مشاكل خطيرة، منها زيادة خطر النوبات القلبية.

يبقى الأسبرين واحدًا من أقدم الأدوية وأكثرها استخدامًا في التاريخ، ويُستخدم اليوم في علاج العديد من الحالات، من الألم والحمى إلى الوقاية من أمراض القلب والسكتات الدماغية، وتشير دراسات حديثة إلى احتمال دوره في تقليل بعض أنواع السرطان.

ورغم ظهور أدوية جديدة باستمرار، يظل الأسبرين حاضرًا بقوة في تاريخ الطب الحديث، كواحد من أهم الأدوية التي غيرت مفهوم العلاج في العالم.

المصدر

مقالات ذات صلة