خرج جون سنو من مكتبه مسرعًا. كانت لندن تبدو كمدينة أشباح، فقد عاد وباء الكوليرا ليضرب من جديد.
كان نحو ثلاثة أرباع السكان قد غادروا المدينة إن استطاعوا، بينما بقي كثير ممن لا يملكون القدرة على الفرار في بيوتهم، بين مريض يحتضر وآخر فقد الأمل. لكن سنو، رغم كونه طبيبًا، لم يكن يتجه إلى المرضى هذه المرة، بل كان يركض نحو مكتب المسجل العام، حيث تُحفظ سجلات الوفيات الأخيرة بالكوليرا.
ثم بدأ السير.
على مدار يومين كاملين، تنقّل سنو بين الأحياء، يزور المواقع بنفسه، ويجري مقابلات مع السكان والأطباء، بينما أمضى ليلتين كاملتين وهو يغوص في سجلات الحكومة بحثًا عن خيط يربط بين الحالات. كان يطرق الأبواب، ويعيد تتبع الخطوات مرارًا، محاولًا أن يجمع أعداد الوفيات والمرض المفاجئ في صورة واحدة مفهومة. وفي النهاية، وبعد أن مر بجانب مضخة المياه ذاتها مرات لا تُحصى، بدأ يضع كل ما جمعه على خريطة لمنطقة سوهو.
ما نعرفه اليوم باسم مخطط فورونوي، رآه الناس آنذاك بشكل مختلف تمامًا. ففي عام 1854 أطلقوا عليه اسم “خريطة الأشباح”، إذ بدت سوهو فيها وكأنها غارقة في سيل من الخطوط السوداء، يمثل كل خط وفاة بسبب الكوليرا. كانت مواقع مضخات المياه مرسومة على الخريطة، لكن من الصعب ملاحظتها في البداية، إذ كان النظر ينجذب فورًا إلى الكتل السوداء الكثيفة المتجمعة حول المركز، حيث تقع مضخة شارع برود.
كانت أبحاث سنو في السنوات السابقة قد أشارت بالفعل إلى أن الكوليرا مرض مرتبط بالماء، لكن أفكاره كانت تُقابل بالتجاهل والرفض المتكرر. كان يدرك أن السلطات المحلية لن تصغي إليه بسهولة، ومع ذلك لم يكن أمامه خيار سوى المحاولة. فإذا وافقت اللجنة على إزالة مقبض المضخة، وإذا تمكن من إثبات بما لا يدع مجالًا للشك أن مياه تلك المضخة هي مصدر المرض، فقد ينجح في وقف المزيد من الوفيات.
وبكل ما يملكه من قناعة وإصرار، انطلق سنو، الذي لم يكن قد أصبح بعد مؤسس علم الوبائيات، ليبني قضيته.
جون سنو، 1856
الطبيب
وُلد جون سنو عام 1813، ومنذ طفولته كان يميل إلى الفضول والملاحظة. وكما وصفه لاحقًا كاتب سيرته بنجامين وارد ريتشاردسون، فقد كان شخصية شديدة التحفظ وغريبة الأطوار، ذكاؤه واضح لكنه صعب الفهم.
كانت والدته تؤمن بضرورة أن يستثمر هذا الذكاء، فبدأ سنو في سن الرابعة عشرة تدريبًا طبيًا في مدينة نيوكاسل. هناك، انغمس في الدراسة بشغف واضح، كما كان يفعل في كل تحدٍ يواجهه. كان يمتنع عن الكحول، وهو أمر لم يكن شائعًا في ذلك الزمن، وكان نباتيًا، وهو ما كان نادرًا للغاية في محيطه المهني والاجتماعي، حتى بين الأطباء. وقد وصفه ريتشاردسون لاحقًا بأن اختياراته الغذائية كانت تربك ربات البيوت، وتفاجئ الطهاة، وتدهش الأطفال.
كانت أول مواجهة حقيقية لسنو مع الكوليرا عام 1832، حين اجتاحت الجائحة الثانية إنجلترا، وانهارت قدرة المستشفيات على استيعاب المصابين. كان سنو حينها متدربًا في التاسعة عشرة، وقد أُرسل إلى قرية تعدين في كيلينغوورث لرعاية العمال المصابين.
في ذلك الوقت، كان الاعتقاد السائد أن الكوليرا تنتقل عبر “الأبخرة الفاسدة”، وهي غازات ضارة تنبعث من تحلل المواد العضوية وتسبب المرض عند استنشاقها. لكن سنو، خلال عمله في القرية، بدأ يسجل ملاحظاته في دفتره، ولم يجد أن هذه النظرية تتوافق مع ما يراه. فلو كانت صحيحة، لكان عمال قرب مكبات المجاري أول من يمرض، لا عمال المناجم في الحفر العميقة كما كان يحدث. كما أن المرض يبدأ في الجهاز الهضمي، لا في الجهاز التنفسي كما كان متوقعًا. لذلك بدأ يعتقد أن السبب لا بد أن يكون شيئًا يتم ابتلاعه لا استنشاقه.
في عام 1837، وبعد عام من وصوله إلى لندن، حصل سنو على ترخيصه الطبي وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ثم أصبح بعد عام عضوًا في الكلية الملكية للجراحين. وبحلول عام 1854، عندما ضربت الكوليرا لندن مجددًا، كان طبيبًا متمرسًا ويحظى بالاحترام.
وقد رسم جي. إل. ليتل في مقال له صورة لافتة لسنو، جمع فيها ملامح متعددة لشخصيته: الزهد، والامتناع عن الكحول، والنزعة النباتية، والعزوبية، وحب الأطفال، والارتباط بالطبيعة، والحماسة لكل ما هو خير. أما ريتشاردسون، فقدم وصفًا أكثر هدوءًا، مؤكدًا أنه كان رجلًا مخلصًا للفقراء، لا يحمل أي ميل للدجل أو الادعاء، ويميل إلى التحفظ والشك العلمي تجاه الممارسات الطبية التقليدية.
ملك الكوليرا
كانوا يسمونها “الموت الأزرق”. ومع تفاقم المرض، كان الجفاف الشديد يجعل الدم أكثر كثافة داخل الأوردة، ومع نقص الأكسجين تتحول البشرة إلى لون أزرق قاتم. كانت الكوليرا تضرب بسرعة مذهلة، وفي الحالات الشديدة كان المصابون يسقطون في الشارع، وقد يفارقون الحياة في اليوم نفسه.
اليوم، تُعالج الكوليرا بالسوائل والأملاح والمضادات الحيوية، لكن في القرن التاسع عشر كانت العلاجات مختلفة تمامًا. كان بعض المرضى يُرسلون إلى البحر أملاً في الشفاء، أو يُعطون مسهلات وعلقات دموية وأفيونًا. وكان الاعتقاد السائد أن السبب هو الهواء الفاسد، لذلك كان العلاج يعتمد على نقل المريض إلى مكان “أنظف هواءً”. أحيانًا كان ذلك يبدو ناجحًا، لكنه في الحقيقة كان نتيجة الانتقال إلى مياه أنظف، لا إلى هواء أفضل.
ورغم أن هذه النتائج لم تكن موثوقة علميًا، فإنها كانت كافية لتعزيز الاعتقاد بنظرية الأبخرة.
في تلك الفترة ظهرت نظرية أخرى تقول بوجود “سموم” قادرة على التكاثر داخل الجسم، لكنها بقيت في إطار الفرضيات. وكان كثير من الأطباء يعتقدون أن مياه نهر التايمز لا يمكن أن تنقل المرض لأن أي سم فيها سيُخفف إلى درجة غير مؤثرة. لذلك كانت مياه الصرف تُلقى في النهر مباشرة. لكن المشكلة أن النهر كان يتأثر بالمد والجزر، وأن شبكة المجاري كانت تتقاطع مع مصادر المياه بشكل خطير.
مريض بالكوليرا يجرب العلاجات في هذا الرسم التوضيحي لروبرت كروكشانك، حوالي عام 1832
نظرة أوسع
ترتبط قصة مضخة شارع برود ارتباطًا وثيقًا بسنو، وتظهر في كل روايات سيرته. لكن قصة سنو ليست قصة رجل أنهى وباءً بمفرده في لحظة بطولية من التحقيق الذكي، بل هي قصة طبيب سعى إلى الإجابات عبر سنوات طويلة.
كانت التقارير المتفرقة عن رائحة غريبة عند مضخة شارع برود أول إشارة. لكن سنو كان بحاجة إلى إثبات أن المشكلة ليست في رائحة الماء كما تقول نظرية الأبخرة، بل في شيء داخل الماء يتم ابتلاعه. إذ كان يمكن استخدام خريطته لتفسير أن العيش قرب مضخة تنبعث منها رائحة كريهة هو ما يسبب الكوليرا. لذلك كان عليه أن يثبت أن الماء يجب أن يُشرب كي ينتشر المرض، وكان عليه للإجابة عن ذلك أن يجيب عن سؤالين رئيسيين: لماذا توجد تجمعات كبيرة من الناس قرب المضخة دون أن يمرضوا، ولماذا يوجد مرضى خارج نطاقها؟
تفاصيل من ""خريطة الأشباح"" لجون سنو التي تُظهر ضحايا الكوليرا بالقرب من مضخة شارع برود في سوهو، من الطبعة الثانية الكاملة لكتابه ""حول طريقة انتقال الكوليرا""، 1855
أجرى سنو مقابلات مع المرضى والأطباء والسكان المحليين، وقارن النتائج بسجلات الحكومة. ومن بين الحالات التي كان يفترض ألا تكون قد شربت من مضخة شارع برود، وجد أن معظمها لأطفال مدارس أو عمال يمرون بالمضخة ضمن روتينهم اليومي. وفي حالتين بعيدتين عن المكان، كانت سيدة قد اعتادت على ماء شارع برود عندما كانت تعيش في المنطقة، وبعد انتقالها كانت تطلب إحضار الماء إلى منزلها الجديد، حيث تسبب في وفاتها ووفاة ابنة أختها التي كانت تزورها. أما البيوت القريبة التي لم تتأثر، فكانت إما تحتوي على مضخات خاصة بها، أو تعمل فيها حانة يندر أن يشرب موظفوها الماء خلال النهار بسبب حصتهم اليومية من الجعة.
وفي النهاية كانت الأدلة كافية لإقناع الحكومة المحلية بإزالة مقبض المضخة. لكن بعد انتهاء الوباء أعيد المقبض، وتركت أفكار سنو حول الأمراض المنقولة بالماء دون تبني واسع.
كان هناك مجموعة من العلماء والشخصيات العامة تحاول تحديد مصدر الوباء، وكان سنو من بينهم، لكن معظمهم لم يؤيدوا نظريته. وكان من بين المشككين هنري وايتهايد، وهو قس أنجليكاني محلي، كانت مهمته الشخصية منذ بداية الوباء هي رفض كل النظريات البارزة حول انتشار الكوليرا، بما فيها نظرية سنو، لصالح اعتقاده بأن الكوليرا عقاب من الله. لكن كلما تعمق وايتهايد في بحثه، قل شكه في نظرية سنو.
مسؤولو الصحة في لندن يبحثون عن التلوث المسبب للكوليرا في هذا الرسم الكاريكاتوري من عام 1832
وفي النهاية تمكن وايتهايد من تتبع مصدر تفشي شارع برود، حيث وجد أن أول حالة معروفة كانت لطفلة رضيعة لامرأة من رعاياه، قامت بغسل ملابسها الملوثة وأفرغت ماء الغسيل في حفرة صرف منزلها، التي كانت تقع في قبو ملاصق تقريبًا لمضخة شارع برود، وكانت الحفرة قديمة ومتشققة، مما سمح بتسربها مباشرة إلى بئر المضخة.
مشكلات المياه
نشر سنو أفكاره الأولى حول المرض في عام 1849 في كتابه ""حول طريقة انتقال الكوليرا""، لكنه كان مترددًا في تقديم ادعاءات قاطعة دون دليل كاف، وهو نهجه في معظم أعماله. وقد درس تفشيين للكوليرا في منطقة لندن، وفي الحالتين تتبع المياه الملوثة إلى آبار تغذيها أجزاء معينة من نهر التايمز. ومع ذلك بقيت فكرة أن الكوليرا مرض ينتقل عبر الماء مجرد فرضية، وإن كانت مدعومة علميًا، لكنها ليست دليلًا حاسمًا.
ثم في عام 1854، جاء بين عمله الشهير حول شارع برود، الدراسة التي ساعدت في وضع الأسس الإحصائية لعلم الوبائيات، وهي دراسة شركتي مياه ساوثوورك وفوكسهول ولامبيث.
في فترة ما بين وباء 1849 وعام 1853، غيرت شركة لامبيث لمياه الشرب موقع سحبها للمياه إلى تيتمز ديتون، وهو موقع يقع أعلى النهر قبل اختلاطه بمياه الصرف في لندن. في المقابل استمرت شركة ساوثوورك وفوكسهول في أخذ مياهها من النهر في منطقة باترسي فيلدز، وهي منطقة تقع أسفل تدفق مياه الصرف. قام سنو بمراجعة سجلات الشركات ووجد أن الكوليرا كانت أقل انتشارًا بين عملاء لامبيث مقارنة بعملاء ساوثوورك وفوكسهول، فقرر قياس هذا الفرق.
كان ذلك في الظاهر تجربة علمية مثالية، بحدود واضحة ومجتمع مختلط اجتماعيًا دون تداخلات كثيرة. وصف سنو كيف أن الشركتين كانتا تزودان الغني والفقير على حد سواء، وبالتالي كان هناك مجتمع من ثلاثمئة ألف شخص من مختلف الطبقات والمهن، يعيشون مختلطين، ومقسمين فقط وفق مصدر المياه.
لكن التجربة لم تكن مثالية كما بدا، عندما اكتشف سنو أن نظام ساوثوورك وفوكسهول الإداري كان سيئًا مثل جودة مياهه. وقد وصف في مقال طبي عام 1857 أن سجلات لامبيث كانت منظمة بدقة حسب الموقع، بينما كانت سجلات ساوثوورك وفوكسهول مجرد ترتيب أبجدي غير ذي فائدة جغرافية، لا يسمح بتحديد الموقع إلا ضمن مساحة واسعة، وكأن محاولة تحديد أماكن المرض كانت مثل رمي السهام على خريطة لندن.
وكما فعل في شارع برود، بدأ سنو بزيارة المنازل من بيت إلى بيت. ومع زملائه، تحققوا بدقة من مصدر مياه كل حالة وفاة مسجلة. وبعد تصحيح أي أخطاء محتملة في التسجيل، كانت النتائج مذهلة، إذ تبين أن معدلات الوفاة في منازل ساوثوورك وفوكسهول كانت ستة أضعاف مثيلتها في منازل لامبيث.
قام سنو وزملاؤه بمراجعة النتائج مرارًا وتكرارًا لضمان دقتها، حتى إنه رغم تواضعه العلمي قال إن هذه البيانات ربما تقدم أكبر قدر من الأدلة الإحصائية التي استخدمت في موضوع طبي على الإطلاق.
وقد وصف عالم الوبائيات ويد هامبتون فروست سنو لاحقًا بأنه نموذج شبه مثالي لدراسة الحالات الوبائية، لأن تحليله قاده إلى استنتاج واثق بأن السبب المحدد للمرض هو كائن دقيق طفيلي، يتوافق في كل خصائصه مع ما يعرف اليوم باسم ضمة الكوليرا.
لم يعش سنو ليرى نظرية الجراثيم وهي تُقبل على نطاق واسع في المجتمع العلمي، ولم يشهد إعادة بناء شبكات الصرف في لندن أو نهاية حفر الصرف، لكنه رأى بعض النتائج المبكرة لأبحاثه الوبائية.
في عام 1857، قبل عام من وفاته، كتب دراسة عن تفشي الكوليرا في ويست هام، أشار فيها إلى أنه لم تعد أي شركة مياه تسحب إمداداتها من مناطق ملوثة في نهر التايمز بفعل السفن أو المجاري. وانخفضت معدلات الوفاة في لندن بشكل ملحوظ في النصف الثاني من الوباء بعد تحسين مصادر المياه. وبعد سنوات قليلة من وفاة سنو المفاجئة بسكتة دماغية، أصبحت الكوليرا نادرة في إنجلترا.
