كان الديناميت أقوى بألف مرة من البارود الأسود، وقد أسهم في تسريع عمليات بناء الطرق والأنفاق والقنوات ومشاريع البنية التحتية حول العالم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. واليوم، يُعرف اسم مخترعه على نطاق واسع، لكن ليس بسبب المتفجرات، بل بسبب الجوائز العالمية التي تحمل اسمه في مجالات السلام والإنجاز العلمي والإنساني.
في القرنين الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، كان الفهم المتزايد للغازات والتفاعلات الكيميائية المنتجة لها ذا أهمية كبيرة في تطور المجتمع الصناعي الحديث. وكان من أبرز تطبيقات هذا الفهم تطوير المتفجرات، وهي مواد تطلق طاقة حرارية كبيرة وتنتج غازات تتمدد بسرعة هائلة.
وقد عمل علماء مثل أنطوان لافوازييه وإي. آي. دو بونت على تحسين البارود الأسود، وهو تقنية معروفة في الغرب منذ القرن الرابع عشر، بل وأقدم من ذلك في الصين والشرق الأقصى. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت متفجرات أقوى بكثير من خلال معالجة مواد عضوية مختلفة بحمض النيتريك. ومن بين هذه الابتكارات ظهر الديناميت، وهو شكل مستقر من النيتروغليسرين، اخترعه ألفريد نوبل عام 1867.
البدايات
كان والد ألفريد، إيمانويل نوبل، مخترعًا ورجل أعمال سويديًا. وفي طفولة ألفريد المبكرة، انتقلت العائلة إلى مدينة سانت بطرسبرغ في روسيا، حيث تولّى والده توريد الجيش الروسي بالمعدات الحربية، بما في ذلك الألغام البحرية الأولى. تلقى ألفريد وإخوته تعليمهم في المنزل على يد معلمين سويديين وروسيين، ودرسوا الكيمياء وعلومًا أخرى. وقد أظهر ألفريد تفوقًا كبيرًا في الكيمياء، لكنه كان يطمح أيضًا إلى أن يصبح كاتبًا.
ولصرفه عن هذا الطموح الأدبي، قام والده بتمويل سفره ودراسته في أوروبا وهو في السادسة عشرة من عمره، حيث تنقل بين عدة أماكن، من بينها مختبر الكيميائي تيودور بيلوز في باريس. وهناك شارك العمل مع الكيميائي الإيطالي أسكانيو سوبريرو، الذي كان أول من حضّر النيتروغليسرين عام 1846.
الديناميت
في سن السابعة عشرة، تدرب نوبل في نيويورك لدى المخترع السويدي الأمريكي جون إريكسون، الذي صمم لاحقًا السفينة الحربية الشهيرة “مونيتور” التابعة للاتحاد الأمريكي خلال الحرب الأهلية.
عند عودته إلى سانت بطرسبرغ، ازدهر مصنع العائلة بفضل الحرب القرمية. لكن مع انتهاء الحرب وإفلاس الشركة، اتجه نوبل ووالده إلى تطوير طرق لإنتاج النيتروغليسرين بكميات كبيرة لاستخدامه في مشاريع البناء.
في عام 1862، بدأ نوبل تصنيع هذه المادة في مصنع صغير قرب ستوكهولم، وهي خطوة كلفته حياة شقيقه الأصغر إميل نتيجة انفجار مأساوي. ومع ذلك، واصل نوبل أبحاثه بهدف جعل النيتروغليسرين أكثر أمانًا، فاخترع أولًا صاعق التفجير، ثم اكتشف أن خلط النيتروغليسرين مع مادة ترابية مسامية تُسمى الكيسيلغور يؤدي إلى تثبيته وتحويله إلى ما يُعرف بالديناميت.
طابع بريدي يُخلّد ذكرى الفائزين بجائزة نوبل عام 1901، 1961
ثروة من التدمير
حقق نوبل ثروته من خلال تأسيس شركات وبيع حقوق براءات اختراع الديناميت ومنتجاته حول العالم. وكانت شركة دو بونت في الولايات المتحدة من أبرز الشركات المرتبطة باسمه.
في عام 1875، ابتكر نوبل مادة “الجيلاتين المتفجرة”، وهي مزيج غروي من النيتروسليلوز في الجليسرين، ثم اخترع عام 1887 “الباليستيت”، وهو مسحوق شبه عديم الدخان مناسب لدفع المقذوفات العسكرية.
ورغم أن نوبل كان يسعى لجعل التعامل مع المتفجرات أكثر أمانًا للعمال، فإنه شعر بقلق عميق تجاه الدمار الذي تسببه اختراعاته، وبدأ يفكر بجدية في دعم جهود السلام العالمي.
توفي ألفريد نوبل عام 1896، وترك ثروته الكبيرة لتُخصص كوقف لجوائز سنوية في مجالات الكيمياء والفيزياء والطب أو علم وظائف الأعضاء والأدب والسلام، وهي المجالات التي عكست اهتماماته طوال حياته.
