في منتصف القرن السابع عشر، انتشرت حكايات عن خيميائي يُعرف باسم الدكتور باتلر، واستحوذت على اهتمام بعض ألمع العقول في العالم. من يكون هذا الرجل؟ وهل كانت الروايات المتداولة عنه صحيحة فعلًا؟ هل يمكن حقًا لتركيبته الغامضة أن تعالج جميع الأمراض وتمنحه ثروة من الذهب؟
كان باتلر يعلن بثقة أنه يمتلك حجر الفلاسفة، تلك المادة الأسطورية التي يُعتقد أنها قادرة على تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب أو فضة، إلى جانب خصائص أخرى خارقة. وقد أثارت هذه الادعاءات فضول شبكة واسعة من العلماء في أوروبا، فسعوا خلال خمسينيات وستينيات القرن السابع عشر إلى التحقق مما إذا كان قد توصل بالفعل إلى هذه المادة الفريدة. وكان السبيل إلى إثبات ذلك أو نفيه يمر عبر الحصول على وصف دقيق لطريقته وإعادة تنفيذها عمليًا. وقد شكّلت هذه المحاولات جزءًا مهمًا من تطور العلم في بدايات العصر الحديث، وأسهمت في ترسيخ أساليب توثيق المعرفة العلمية وتبادلها كما نعرفها اليوم.
خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهي الفترة التي يُشار إليها عادة بالثورة العلمية، انشغل الباحثون في أوروبا باختبار النظريات القديمة وتنقيحها. وكانت الخيمياء، بتاريخها الطويل ومكانتها الراسخة، محور اهتمام عدد من أبرز مفكري تلك المرحلة. فقد جمعت بين محاولة فهم طبيعة المواد وإحداث تغييرات فيها، ما جعلها أداة مهمة لتحسين الطب وتطوير الزراعة ودعم الصناعات التجارية.
لم يكن البحث عن حجر الفلاسفة سوى جانب واحد من مسعى أوسع لاكتساب المعرفة الخيميائية، لكنه كان بلا شك من أبرزها. فقد تمكن كيميائيو القرن السابع عشر من إحداث تحولات مادية متعددة باستخدام أدواتهم، مثل تقطير الكحول وفصل المركبات المعدنية. وإذا كان بالإمكان تحويل الحليب إلى جبن بإضافة مادة بسيطة، فهل يمكن وجود مادة مماثلة تحوّل الرصاص المنصهر إلى ذهب؟ كانت النظريات السائدة والملاحظات التجريبية آنذاك تفتح الباب أمام مثل هذا الاحتمال.
الخيميائي أثناء العمل (مع كتاب مستقر على جمجمة)، نسخة من لوحة للفنان ديفيد تينيرز، حوالي 1620-1690
غير أن محاولة إنتاج حجر الفلاسفة لم تكن مهمة سهلة. فقد واجه الباحثون أولًا مشكلة السرية، إذ كانت النصوص الخيميائية القديمة تخفي معارفها خلف رموز ورسوم واستعارات غامضة. ورغم أن هذا الغموض قد يوحي بالخداع أو الطمع، فإنه كان يحمل أيضًا مبررًا واقعيًا؛ إذ إن امتلاك القدرة على تحويل المعادن إلى ذهب كان سيؤدي إلى اضطراب اقتصادي كبير.
ظهرت قصة باتلر في وقت كان فيه العلماء يسعون إلى فك رموز النصوص الخيميائية وفهم لغتها المعقدة. كما كانوا حريصين على بناء سمعتهم بوصفهم خبراء موثوقين، وعلى تبادل المعلومات حول أشخاص مثل باتلر، الذين قد يكونون على دراية بأسرار قيمة. لذلك، حين ادعى أنه كشف سرًا عظيمًا من أسرار الطبيعة، بدا من المنطقي التحقق من قوله، على الأقل إلى أن يثبت العكس.
أقدم الإشارات إلى باتلر وردت في كتاب ""أصول الطب"" للطبيب والكيميائي الفلمنكي يان بابتيستا فان هيلمونت، الذي نُشر عام 1648 بعد وفاته. في هذا العمل، الذي دعا إلى إدماج الكيمياء في الممارسة الطبية، أشار المؤلف إلى صداقته مع رجل أيرلندي يُدعى باتلر، وقدم بعض الملاحظات حول خصائص ""حجره الصغير"" المزعوم.
بعد نحو عقد من الزمن، حصل هنري أولدنبرغ، وهو باحث ألماني مقيم في إنجلترا، على وصف أكثر تفصيلًا لهذا الحجر من عالم فرنسي حاول إعادة بناء تعليمات فان هيلمونت. ونقل أولدنبرغ هذه المعلومات إلى روبرت بويل، الذي كان آنذاك عالمًا شابًا مهتمًا بالتجارب والنصوص الخيميائية.
لكن الرواية الأكثر تفصيلًا وانتشارًا عن باتلر جاءت في رسالة كتبتها كاثرين، شقيقة بويل، المعروفة بلقب ليدي رانلاغ. وكانت شخصية مرموقة في الأوساط العلمية والفكرية، وشاركت في شبكة مراسلات علمية يقودها صامويل هارتليب في لندن، الذي كان يضطلع بدور مهم في نشر المعرفة.
تكشف رسالة ليدي رانلاغ، المؤرخة عام 1659، عن تفاصيل درامية في حياة باتلر، استنادًا إلى رواية طبيب أيرلندي يُدعى دانيال هيغينز، قال إنه عرفه شخصيًا. ووفقًا لهذه الرواية، تعرّض باتلر في طفولته للاختطاف على يد قراصنة، ثم بيع لحاكم تونس، الذي كان مهتمًا بالخيمياء. ويُقال إنه سرق لاحقًا مسحوقًا سريًا من سيده وفرّ به.
خاتمة رسالة الليدي رانيلاغ التي تصف الدكتور بتلر
بدافع الفضول، قرر هيغينز العمل مع باتلر لاكتشاف حقيقة هذه القصة. وقد عملا معًا لفترة، قبل أن يسافرا إلى فرنسا ويجريا تجربة على الرصاص، حيث قضيا ليالي طويلة في صهره وتنقيته، حتى توصلا إلى إنتاج فضة نقية. لكن في اللحظة الحاسمة، حين لم يتبق سوى إضافة المادة السرية، أرسل باتلر مساعده في مهمة خارجية.
بدلًا من تنفيذ التعليمات، حاول هيغينز التسلل لمراقبة ما يحدث، لكنه تعثر وسقط، ما أدى إلى توقف التجربة. وأقر لاحقًا بأنه لم يشهد بنفسه عملية التحول المزعومة. أما باتلر، فقد انتهت حياته بشكل مأساوي، إذ اعتُقل بتهمة التزوير ثم توفي في حادث غرق.
قد تبدو هذه القصة اليوم أقرب إلى الخيال، لكنها حظيت باهتمام جدي من بعض كبار علماء ذلك العصر. فقد نقل هارتليب هذه الرواية إلى جون وينثروب الابن، حاكم كونيتيكت، كما أشار إليها روبرت بويل في كتابه الصادر عام 1662، معتبرًا شهادة هيغينز جديرة بالتصديق نظرًا لمكانته المهنية.
في ذلك الزمن، كما هو الحال اليوم، كان بناء السمعة العلمية يعتمد على التعليم الجيد والانخراط في مؤسسات مهنية، إضافة إلى إنتاج معرفة يمكن اختبارها. ولم يكن تقييم صدقية المعلومات مختلفًا كثيرًا عن طريقتنا الحالية في التحقق من الأخبار، حيث نولي أهمية لمصدرها ونثق ببعض الأفراد أكثر من غيرهم.
انتشرت رسالة ليدي رانلاغ على نطاق واسع بسبب مكانتها المرموقة وطبيعة النص الذي كتبته، إذ صاغت روايتها على هيئة شهادة موثقة تتضمن أسماء وتواريخ وأماكن قابلة للتحقق. وقد مثّل هذا الأسلوب شكلًا جديدًا لتبادل الأدلة بين العلماء. ومن جانبه، عمل شقيقها روبرت بويل لاحقًا على تطوير طرق تساعد القراء على تقييم مثل هذه الشهادات، وهو ما يُعد تمهيدًا لآلية التحكيم العلمي المعروفة اليوم.
تدور قصة باتلر في مرحلة بدأ فيها العلماء تطوير منهجيات جديدة لاختبار الادعاءات العلمية. وبينما استمرت بعض الأفكار القديمة في التداول، أتاحت هذه الأساليب الحديثة إمكانية مراجعتها وتحديها. ورغم أن العلم الحديث يستبعد وجود حجر الفلاسفة، فإن الاعتقاد بإمكانية وجوده كان آنذاك قائمًا على تفسيرات بدت معقولة في سياق المعرفة المتاحة.
جدول بالرموز الكيميائية من وصية باسل فالنتين الأخيرة (1671)
تعكس هذه القصة صورة حية لطبيعة العلم في بداياته التجريبية، حيث تعاون العلماء عبر الحدود، وتبادلوا المعلومات، وحاولوا إعادة تنفيذ التجارب، وقيّموا مصداقية من يطرحون الادعاءات. وقد أصبح أولدنبرغ لاحقًا أول أمين للجمعية الملكية في إنجلترا، بينما برز بويل كأحد مؤسسيها ورواد المنهج العلمي الحديث. كما أسهم أولدنبرغ في نشر الاكتشافات العلمية من خلال مجلة ""المعاملات الفلسفية""، التي تُعد أقدم مجلة علمية مستمرة حتى اليوم.
ومن خلال سعيهم لفهم حجر الفلاسفة، أسهم بويل وليدي رانلاغ وزملاؤهم في ترسيخ أسلوب جديد للبحث العلمي، يقوم على توثيق التجارب وإمكانية تكرارها، ومن ثم التمييز بين الحقيقة والادعاء.
